هيومن فويس

الجزائر في حاجة إلى رئيس شرعي وقوي

وهو ما ليس متوفرا لديها حاليا، فالرئيس تبون لا يحوز عناصر الشرعية، ولا عناصر القوة، بما فيها القوة الجسمانية، نتيجة مرضه الذي قد يطول، ليتسبب في نهاية حكمه، علما بأن التاريخ السياسي للبلد يخبرنا، أن الجزائر لم تحصل على هذا النوع من الرؤساء إلا كاستثناء للقاعدة، التي كان فيها الرئيس غير شرعي أو ضعيف الشرعية.

وبالتالي ضعيف سياسيا، فالرئيس بن بلة وصل إلى موقع الرئاسة على ظهر دبابات جيش الحدود، فكان ضعيفا لغاية الانقلاب السريع عليه.

بومدين نفسه لم يحصل على شرعيته إلا في السنوات الأخيرة من حكمه، وهو الذي وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري، كما كان يحصل خلال هذه الفترة، انتهت فترة حكمه بوفاته الغريبة، وهو صغير جدا في السن (46 سنة).

لتتحول عملية كسب نوع من الشرعية، من قبل الرئيس الجزائري إلى مجهود كبير ومضن، يقضي سنوات حكمه الأولى للوصول إليه، ما يفسر مطالبته بالعهدة الثانية والثالثة، من دون أن يتمكن من تحقيق الهدف، كما تؤكده مغادرته للموقع الرئاسي، تحت الإكراه، متعدد الأشكال الذي ينهي به حكمه.

كما حصل مع الشاذلي بن جديد ولمين زروال وبوتفليقة نفسه، الذي فرضت عليه الاستقالة، بعد عشرين سنة من الحكم، ناهيك من حالة بوضياف التي انتهت بقتله على المباشر، بعد ستة أشهر من الحكم فقط. بالعودة إلى حالة تبون التي تهمنا هنا.

الكثير من المؤشرات التي برزت بعد طلته الإعلامية الغريبة الأخيرة، تؤكد حقيقة واحدة، الرجل مازال مريضا، وقد لا يستطيع الاستمرار في أداء مهامه، هو الذي لم يطل به المقام أصلا على رأس السلطة – أقل من سنة – مرّت كلها في ظرف صعب ومضطرب، من دون إنجازات فعلية، مما لا يمكن الحديث معه عن رئيس شرعي أو قوي، تبقى الجزائر في حاجة له.

تبون لا يملك مصادر قوة داخل النظام السياسي، الذي يعيش حالة اضطراب هذه الأيام نتيجة الحراك الشعبي

حدسي، يخبرني أن أيام تبون على رأس السلطة ستكون محدودة، لأسباب صحية في المقام الأول، داخل نظام سياسي لا يقبل أصلا بالرئيس القوي، الذي عليه مغالبة كبيرة للحصول على عناصرها، فتبون لا يملك مصادر قوة داخل النظام السياسي، الذي يعيش حالة اضطراب هذه الأيام نتيجة الحراك الشعبي.

خاصة بعد وفاة عرابه الأساسي، قائد الأركان السابق، أسبوعا بعد تنصيبه رئيسا، ليمرض هو بعد أقل سنة من الحكم.

وكأن الاقدار كانت له بالمرصاد. ليفشل تبون في اقتناص الفرصة التي نزلت عليه من السماء، الارتكاز على الحراك الشعبي، وتبني مطالبه لكسب شرعية، كان يمكن أن تخلق منه رئيسا قويا، وهو ما كانت وما زالت الجزائر في حاجة ماسة إليه، رئيسا قادرا على مواجهة المشاكل السياسية والاقتصادية، وتلك المرتبطة بالفساد التي يعاني منها هذا النظام السياسي المتهالك.

كان يمكن أن تنطلق بعد التغيير على هرم رئاسة الجمهورية كأسهل مسار للتغيير، إذا تم التوافق فعلا على طريقة اصطفاء وانتخاب الرئيس، بين القوى السياسية والعسكرية الفاعلة، سيناريو إيجابي لم تعشه الجزائر للأسف في 2019.

رئيس يعكس في شخصه التحولات التي يعيشها المجتمع الجزائري كتلك المرتبطة بالديموغرافية والتمثيل الجيلي، والابتعاد عن الشرعيات القديمة، بما فيها الثورية، تسمح له بأن يكون قريبا من الديناميكيات التي يعيشها المجتمع الجزائري، والتي لم تعد تقبل إلا برئيس جامعي يتميز باستقلالية عن الانتماء الجهوي الضيق، الذي تجاوزه المجتمع الجزائري كاتجاه ثقيل.

ملامح رئيس كان الحراك الشعبي أقرب للقبول بها وهو يعترف بواقعية، أن المطلوب خلال هذه المرحلة الانتقالية، انتخاب رئيس ترضى عنه السلطة، ويقبل به الحراك الشعبي، في نوع من الاتفاق التاريخي، يبقى المهم فيه طريقة انتخابه.

التي لابد من أن تكون شفافة وتنافسية حتى تكون شعبية، سيناريو لم تتمكن الجزائر من الوصول إلى تحقيقه حتى الآن.

مرض الرئيس تبون ومغادرته السلطة التي يوحي بها الكثير من المؤشرات، كطريقة التعامل الرسمي مع خرجته الإعلامية الأخيرة – تمت عن طريق تويتر – والسكوت المطبق حوله وحول مرضه، إلخ، كلها مؤشرات تقول لمن يريد أن يسمع، إن مرحلة ما بعد تبون قد انطلقت فعلا.

مرحلة أكيد أنّ تشاورا يحصل حولها بين أصحاب القرار، كما تعكسه حالة الغموض والسكوت السياسي، وكأننا أمام مرحلة الإعلان عن نتائج انتخابات رئاسية.

تشاور سيشمل الإخراج الذي سيتم اللجوء إليه للانتهاء من مرحلة تبون التي لم تعد ممكنة لأسباب صحية، لا يريد أصحاب القرار أن يكرروا فيها تجربة بوتفليقة، التي كانت وراء الكثير من الكوارث السياسية والاقتصادية، سمحت باستشراء الفساد، وأهلكت موارد البلد، وحطمت أداء المؤسسات.

ما بعد تبون الذي يمكن أن يكون فرصة للعودة إلى المسار السياسي، الذي طالب به الحراك الشعبي، بتوفير شروط اصطفاء وانتخاب رئيس قوي وشرعي، يكون على رأس مهامه إنجاز مرحلة انتقال سياسي ما زالت الجزائر في حاجة إليها، تكون فرصة للقطيعة مع النظام الذي تسبب في هذا الوضع الكارثي، الذي تعيشه الجزائر في ظرف إقليمي خطير.

عانت فيه الجزائر من عدم وجود رئيس قوي وشرعي، يمثلها دوليا، بيّن تطور الأحداث أن غيابه كان من أسباب تدهور مكانة البلد وعزلتها، التي أبان عنها تطور الأحداث في المنطقة المغاربية والعربية.

رئيس قوي وشرعي يساهم في انطلاق مشروع بناء مؤسسات سياسية قوية وشرعية لاحقا، تكون الحل المثالي تاريخيا لبناء دولة مدنية، داخل نظام لم يخرج حتى الآن من ثقافة الفرد – المؤسسة والزعامة.

في وقت غابت فيه الزعامات التي لم يعد النظام السياسي الجزائري قادرا على إنتاجها بالكم والنوعية المطلوبة، ما يعني التوجه نحو بناء مؤسساتي لا يتم فيه الاعتماد على الفرد، إلا كحل مؤقت في انتظار الانتهاء من هذه المرحلة الانتقالية، التي سيقودها الرئيس القوي والشرعي الذي ينتظره الكثير من المهام النوعية الأخرى مثل، البناء المغاربي التي يجب التعامل معها كقضية وطنية وليس دولية.

بالإضافة إلى تكريس حل مسألة الهوية واللغة وقضايا التعليم المستعصية، إذا اكتفينا بهذه المهام التي نضجت شروط حلها اجتماعيا، لكن عدم شرعية الرؤساء وضعفهم السياسي لم تساعد على تجسيدها على مستوى القرار السياسي.

وليس الدستوري فقط، للانطلاق لاحقا نحو المهام التي تبقى أسهل ومقدورا عليها كتلك المتعلقة بالتنمية والخيارات الاقتصادية، التي تتوفر الجزائر على الكثير من شروط إنجازها بنجاح.

المصدر: القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الجزائر في حاجة إلى رئيس شرعي وقوي

هيومن فويس الجزائر في حاجة إلى رئيس شرعي وقوي وهو ما ليس متوفرا لديها حاليا، فالرئيس تبون لا يحوز عناصر الشرعية، ولا عناصر القوة، بما فيها القوة الجسمانية، نتيجة مرضه الذي قد يطول، ليتسبب في نهاية حكمه، علما بأن التاريخ السياسي للبلد يخبرنا، أن الجزائر لم تحصل على هذا النوع من الرؤساء إلا كاستثناء للقاعدة، التي كان فيها الرئيس غير شرعي أو ضعيف الشرعية. وبالتالي ضعيف سياسيا، فالرئيس بن بلة وصل إلى موقع الرئاسة على ظهر دبابات جيش الحدود، فكان ضعيفا لغاية الانقلاب السريع عليه. بومدين نفسه لم يحصل على شرعيته إلا في السنوات الأخيرة من حكمه، وهو الذي وصل

Send this to a friend