هيومن فويس

تدور في نطاق الجغرافيا السورية حاليّاً حروب عسكرية وسياسية هائلة.
على الصعيد العسكري يمكننا تمييز عدة أنواع من المعارك، الأولى هي الحرب الأصلية بين النظام وحلفائه ضد الثورة السورية وممثليها من المعارضة المسلحة، وتتركز حاليّاً في منطقة وادي بردى والمناطق المحيطة بغوطة دمشق إضافة إلى الغارات الجوّية المستمرة في أكثر من مكان، والثانية هي حرب كامنة أطلقتها من عقالها توافقات «مؤتمر أستانة» وتحاول فيها الفصائل العسكرية السورية التي تمثّل أغلبها في «مؤتمر أستانة» إخراج «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقا) من المعادلة العسكرية للمعارضة، والثالثة هي حروب تنظيم «الدولة الإسلامية» ضد الجميع وتتركز حاليّاً في دير الزور وريف حلب التي قطع طريق إمدادات النظام إليها، ويضاف إلى ذلك حرب حزب «الاتحاد الديمقراطي» لإنشاء دويلة له، وقد وضعت على الرفّ مؤقّتاً، وحرب الجيش التركيّ ضد تنظيم «الدولة» وضد «الاتحاد الديمقراطي» في الوقت نفسه.

على المستوى السياسي دخلت الإدارة الأمريكية الجديدة على خطّ الزلازل السوري بإعلان مفاجئ من الرئيس دونالد ترامب عن عزمه إقامة منطقة آمنة في سوريا «لحماية المدنيين»، وأُضيف ذلك للأنباء التي تتوارد عن تفاصيل الدستور الجديد الذي «حاكته» موسكو للسوريين.

بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية، فإن ترامب «بصدد تمهيد الأرض لتصعيد التدخل الأمريكي في سوريا عن طريق الإيعاز إلى وزارتي الدفاع والخارجية بوضع خطة لإنشاء مناطق آمنة للمدنيين الهاربين من الصراع في سوريا».

دفع هذا الخبر روسيا للاستنفار بحيث قال دميتري بيسكوف الناطق باسم بوتين في تصريح نشرته قناة «روسيا اليوم» «إن شركاءنا الأمريكيين لم يتشاوروا معنا». الناطق باسم الكرملين، وبلهجة لطيفة يقتضيها حال الغزل الذي لم ينقطع بعد بين الرئيسين، حذّر «الشركاء» الأمريكيين من «العواقب المحتملة» لهكذا قرار، وهذا التحذير لا يتعلّق بإمكانيات الصراع المحتملة بين العملاقين على الأرض السورية، بل خوفاً «من تردي وضع اللاجئين»، على حد قول بيسكوف.

ترامب، الذي له من اسمه نصيب (والذي يعني حسب القواميس الإنكليزية ورقة اللعب التي تربح أي ورقة أخرى)، سيقوم، لو طبّق هذا الاقتراح، بـ«الطرنبة» (كما يلفظها «اللاعبون» العرب) على الأوراق العسكرية والسياسية الأخرى، وذلك بعد أن ظن الروس بأنهم ربحوا «اللعبة الكبرى» وذلك إلى درجة أنهم وضعوا الدستور الجديد الذي ستسير عليه سوريا بل إن مجموعة من المحللين السياسيين والناشطين الاجتماعيين الروس، بحسب خبر أوردته صحيفة «موسكوفسكي كومسوموليتس» اقترحوا على بوتين إنشاء اتحاد كونفدرالي بين روسيا وسوريا!

يحتاج تلبيس الدستور الجديد على الهيكل العظمي المتداعي للبلاد إعادة تشكيل سوريا المدمّرة والمهجّر أهلها وإيقاف الحروب العديدة التي تدور فوقها وكذلك وقف مسلسل نهبها على أيدي عصابات النظام الأمنية والميليشيات الطائفية من كل نوع، وهو أمر يتناقض مع كون روسيا نفسها قوّة احتلال غاشم، مرتبطة مع حلفاء (النظام وإيران) جاهزين لمكاسرتها إذا ناهضت مصالحهم.

إضافة إلى كل ذلك فإن أي دستور، كما يعرف العرب، لا السوريين فحسب، حق المعرفة، وبغض النظر عن ماركة «صُنع في روسيا» أو «صنع في اليابان» فإنه، ومهما بلغ من رقيّ ودقّة في التعبير عن مصالح المواطنين، يمكن لأي ضابط عربيّ أن يلقي به في سلّة المهملات، وبالتالي فإن طبيعة النظام السياسي وآليات ضبط تغوّل أجهزة الدولة وانفصال السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية هي التي تفرض احترام الدستور من احتقاره.

منطقة ترامب الآمنة، من جهة أخرى، ستكون أيضاً سلعة «صنعت في أمريكا»، وستوضع، بحسب أقواله، في إطار محدّد هو منع اللاجئين السوريين من اللجوء إلى أوروبا أو أمريكا («العالم المتحضر» كما يسميه)، وهي استكمال رمزيّ لفكرة سور المكسيك.
… أي أنها ستكون «منطقة آمنة» للأمريكيين من إمكان لجوء السوريين إلى بلادهم.

القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

سوريا بين كونفدرالية بوتين ومنطقة ترامب الآمنة

هيومن فويس تدور في نطاق الجغرافيا السورية حاليّاً حروب عسكرية وسياسية هائلة. على الصعيد العسكري يمكننا تمييز عدة أنواع من المعارك، الأولى هي الحرب الأصلية بين النظام وحلفائه ضد الثورة السورية وممثليها من المعارضة المسلحة، وتتركز حاليّاً في منطقة وادي بردى والمناطق المحيطة بغوطة دمشق إضافة إلى الغارات الجوّية المستمرة في أكثر من مكان، والثانية هي حرب كامنة أطلقتها من عقالها توافقات «مؤتمر أستانة» وتحاول فيها الفصائل العسكرية السورية التي تمثّل أغلبها في «مؤتمر أستانة» إخراج «جبهة فتح الشام» (النصرة سابقا) من المعادلة العسكرية للمعارضة، والثالثة هي حروب تنظيم «الدولة الإسلامية» ضد الجميع وتتركز حاليّاً في دير الزور وريف حلب

Send this to a friend