هيومن فويس

لم يتمكن النظام السوري والميليشيات الطائفية المدعومة من إيران من صد الهجوم المعاكس الذي نفذته مجموعات المعارضة السورية المسلحة وهيئة تحرير الشام، والذي أسفر عن استعادة السيطرة على مدينة كفر نبودة في ريف حماة الشمالي. لا يغير هذا النجاح العسكري المحدود للمعارضة السورية من موازين القوى التي تميل لصالح بشار الأسد وحلفائه منذ تدخل روسيا في العام 2015. ولكن الخسارة المفاجئة لبلدة كفر نبودة توضح الضعف البنيوي الذي يحيق بالنظام السوري ودولته، ومدى اعتمادهما على روسيا للحفاظ على ما انتزعاه من أراض خلال العامين الماضيين.

أظهرت الأعوام الماضية أهمية سلاح الجو في الحرب السورية، إذ انتصرت الأطراف التي تحظى بالدعم الجوي. يشمل ذلك القوات الكردية المدعومة أميركيا، وقوات النظام السوري المدعومة روسياً. ويتمثل السبب الرئيسي في نجاح قوات الأسد في تحقيق تقدم ميداني خلال الأسابيع الماضية بالدعم الجوي الذي قدمته روسيا. بحسب تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، نفذت الطائرات الروسية العشرات من الطلعات الجوية في كل يوم، واستخدمت سياسة “الأرض المحروقة” التي لا تبقي ولا تذر.

غابت القوة الجوية الروسية في الأيام التالية لسيطرة النظام السوري بفعل مفاوضات مع تركيا، وبسبب ضغوط دولية تخللتها جلسة لمجلس الأمن وإعلان هدنة عسكرية لمدة 48 ساعة. استغلت المجموعات المسلحة ذلك لتهاجم مواقع النظام بكل قوتها، وتنتزع السيطرة على بلدة كفر نبودة التي حشدت فيها قوات بشار الأسد أعداداً كبيرة من المقاتلين وحصّنتها بكافة أنواع الأسلحة.

اتضح من الهجوم المذكور نجاح المعارضة السورية المسلحة، رغم عامين من الهزائم القاسية، في تطوير قدراتها على الهجوم البري والاشتباك. كما أوضح الهجوم أن النظام لم يتمكن من تجاوز عدم كفاءته القتالية والتي شكلت علامة بارزة لقواته منذ اندلاع الثورة. إذ خسر النظام في غضون عامين من القتال نحو 70 بالمئة من مساحة البلاد لصالح مجموعات مسلحة من دون قيادة مركزية وتفتقد للأسلحة الثقيلة والتغطية الجوية.

وتطلب بقاءه في الحكم الاعتماد التام على إيران وتجنيد العشرات من الميليشيات الطائفية التي أصبحت أعدادها تفوق عدد عناصر الجيش النظامي. في العام 2015، لم يعد الدعم الإيراني كافياً لحماية النظام السوري، وهو ما أدى إلى تدخل دولة عظمى هي روسيا.

ورغم معرفة موسكو بالهشاشة الدفاعية لقوات النظام السوري، شكلت خسارة كفر نبودة في هذا الوقت بالتحديد صدمة وقرعت أجراس الإنذار. لا يجب أن ننسى أن السقوط جاء لصالح مجموعات عسكرية منيت بهزائم مؤثرة وانفضّت من حولها أعداد كبيرة من المقاتلين. وفضلا عن ذلك، لم يعد النظام السوري مستنزفاً بحروب متعددة في مختلف أنحاء البلاد كما كان بين أعوام 2012 و2016، إذ استطاع أن يحشد كل قواته والميليشيات المساندة له على جبهة واحدة، وهو ما جعل روسيا تتوقع أداء عسكرياً أفضل.

من الناحية العسكرية والاستراتيجية، ليس لهجوم المعارضة أهمية كبيرة. إذ لا يزال خلل موازين القوى فادحا جدا ويصب في مصلحة نظام الأسد الذي يستطيع استعادة ما خسره عندما تقرر روسيا دعم هجوم مضاد. وحتى في حال لم تتدخل روسيا، يمكن للنظام أن يستفيد من ميزة حشد القوات على جبهة واحدة واستعادة المناطق التي خرجت عن سيطرته، بل والمضي قدما في قضم مناطق جديدة. ذلك أن القوة النارية الهائلة التي يتمتع بها النظام وتخلصه من أعباء القتال على جبهات متعددة يمكنهما أن يغطيا على ضعف الكفاءة العسكرية لديه.

ولكن ذلك يتطلب بقاء القوات الروسية في سوريا ومشاركتها ليس فقط في الهجمات التي يشنها النظام لاستعادة مناطق شمال البلاد، بل أيضاً في الدفاع عنه ضد هجمات عسكرية يبدو أنها ستستمر وتتكثف في السنوات القادمة.

فبصرف النظر عن مجموعات المعارضة السورية الخاضعة لتركيا، لا يزال خطر التنظيمات الجهادية وتنظيم داعش قائماً. وتقدر وزارة الدفاع الأميركية وجود أكثر من عشرة آلاف مقاتل من تنظيم داعش يعملون بصورة سرية في سوريا والعراق في الوقت الحالي، ويمكن أن يشكلوا تهديدا للدولتين في قادم الأيام.

ما حدث في كفر نبودة يوضح أن القوات الروسية ربما تكون قد تورطت بتجربة شبيهة بالتجارب التي خاضتها الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين. إذ لا تزال الأخيرة عالقة في المستنقع العراقي والأفغاني، ذلك أن سحب قواتها من أي من البلدين قد يتسبب بانهيار النظام الذي تدعمه لصالح مجموعات جهادية.

قيّدَ ذلك الولايات المتحدة ومنع انسحابها من أفغانستان والعراق، بل أجبرها في نهاية المطاف على التفاوض مع حركة طالبان. ربما تكون روسيا قد شرعت بالسير على ذات الطريق، فهل تلقى ذات المصير؟

سلام السعدي
المصدر: العرب

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ماذا ينتظر الجيش الروسي في سوريا؟

هيومن فويس لم يتمكن النظام السوري والميليشيات الطائفية المدعومة من إيران من صد الهجوم المعاكس الذي نفذته مجموعات المعارضة السورية المسلحة وهيئة تحرير الشام، والذي أسفر عن استعادة السيطرة على مدينة كفر نبودة في ريف حماة الشمالي. لا يغير هذا النجاح العسكري المحدود للمعارضة السورية من موازين القوى التي تميل لصالح بشار الأسد وحلفائه منذ تدخل روسيا في العام 2015. ولكن الخسارة المفاجئة لبلدة كفر نبودة توضح الضعف البنيوي الذي يحيق بالنظام السوري ودولته، ومدى اعتمادهما على روسيا للحفاظ على ما انتزعاه من أراض خلال العامين الماضيين. أظهرت الأعوام الماضية أهمية سلاح الجو في الحرب السورية، إذ انتصرت الأطراف التي

Send this to a friend