هيومن فويس: صلاح قيراطة

فرق كبير يا سيدي بين رجل يصنع نظاما ، وبين رجل يصنعه النظام.

هناك اشياء بحكم طبيعتها يمكن توريثها ، وهناك اشياء لايمكن توريثها كذلك بحكم طبيعتها ، كالملكة والقدرات والامكانيات والكاريزما بشكل عام ، وكما ان الانسان لايمكنه دخول الجنة بالنوايا الحسنة لوحدها ، كذلك لا يمكن للاماني والرغبات ان تصنع بعضا من مستحيلات كصناعة الرجال مثلاً.

هذا ما غاب عن ذهن الراحل حافظ الاسد ، عندما قرر نقل السلطة بشكل هاديء ومرن وسلس لابنه الثاني بشار ، بعد ان فقد ابنه الاول باسل.

كل المعلومات ومنها ماهو شخصي بحت، كانت تشير الى ان حافظ الاسد ومع بداية التسعينات بدأ بالتفكير جادا بتوريث العرش لابنه باسل ، ليس هذا فحسب فقد اسرّ لي في يوم مضى صديق حميم كان قريبا جدا من اسرة حافظ الاسد، ان باسلا كان يعد بشكل استثنائي ليحل بدلا من والده منذ كان يافعا ، وان كنت دقيقا وما اقوله على ذمة الراوي كان باسل يعد منذ كان عمره ثماني سنوات ليتولى عرش سورية بعد حافظ.

الا ان القدر لم يكمل مسيرة حافظ بابنه باسل ، فما كان من حافظ الا ان تحداه ، فأوحى وهو من يملك ذكاء مخيفا لبعض من خدمه الذين كان قد منّ عليهم برتب والقاب وتسميات ومسؤوليات، بأن يتعاونوا مع بشار بعد ان ينقل له الحكم ، و( احتسابا ) وكإجراء احترازي كان قد نسق مع بعضهم اجهة انه ان حدث ووافته المنية قبل ان ينقل لبشار بعضا من صلاحياته في المؤتمر القطري التاسع للحزب على طريق التوريث ، ان يقوموا هم بذلك وهذا ماحدث حيث تولى مصطفى طلاس هذه المسؤولية وقام بجمع اركان الجيش والقوات المسلحة وبايعوا بشارا وتمت ترقيته من رتبة رائد الى رتبة فريق ومن عضو غير ملتزم في الحزب الى امين قطري.

نعم هذا ما حدث ، ربما اكون قد اغفلت بعض الجزئيات ، الا اني حافظت بأمانة على الاطار العام لصيرورة انتقال الحكم للدكتور بشار الاسد ، الذي لم يكن ضمن حسابات احد ولا حتى حسابات نفسه عندما كان باسلا على قيد الحياة بأن تؤول له مسؤولية رئاسة الجمهورية ليضطلع بكم من الملفات لايعرف سوى الله والقيمين على الحكم ممن عاصروا الاسد الكبير مدى تعقيداتها وخطورتها، سيما ان سورية بعهد حافظ الاسد كانت دولة محورية وربما مارست احيانا سياسات الدول الكبرى، ولنا في تفاهم نيسان الذي رعته وصاغته وفرضته دمشق عام ١٩٩٦ خير مثال على مكانة سورية الاستثنائية في المنطقة والاقليم ابان حكم الاسد الاب ، الذي اساء لكل تاريخه ان لم يكن مأمورا طبعا ولا اظن ، عندما بدأ يفكر بتوريث العرش وحصره في ابنائه.

اعود لما بدأت به لاقول ان ماغاب عن ذهن حافظ الاسد بقصد او بدونه، ان له ان ينقل العرش لبشار لكن ليس له ان ينقل له ملكات وخبرة وكاريزما كان يتمتع بها كانت قد صقلتها الاهوال والتجارب حيث والاحداث ، فقد تمكن خلال ثلاثين عامت ان ينتج نظاما حديديا ، عهد له بأن ينقل السلطة لابنه ، نظاما اصغر اركانه اكبر وبكافة الميادين الزمنية والسياسية والعسكرية والوظيفية بفترات تقاس بالسنوات الضوئية من بشار الاسد.

لقد قبل هؤلاء ليس حبا والتزاما بقدر ماهو مقايضة مقعد الرئاسة باستمرار تدفق المصالح فعم الفساد رغم نوايا بشار الاسد الطيبة ، فكم المراسيم والقوانين التي تم افراغها من مضامينها واجهاضها من اي أثر تنفيذي اكثر من ان يعد ويحصى …
باختصار كان الرجل اسير نظام اورثه اياه الراحل الاسد الاب ومن هنا كانت بداية مقالي.

على اي حال كان ما كان، واحترق البلد ، وانا على يقين ان ماحدث كان سيحدث ، لكن قناعتي راسخة لو ان الاسد الاب كان موجودا لما وصلنا الى مانحن عليه الان ، لجهة الاثار الكارثية ، فقطعا كان سيعرف كيف سيقود السفينة، ولم يكن ليثقبها حتى يخرج المياه من داخلها ، ولنا في :

– الازمة مع تركيا بسبب زعيم حزب العمال الكردستاني ( عبد الله اوجلان ) الذي كان ورقة ضغط ومساومة مع الاتراك استخدمها بمهارة حافظ الاسد وعلى مدار عشرات السنوات خير مثال على كيفية ادارة الازمة بالظروف الحرجة.

– وكذا ازمة الاشاربات في عام ١٩٨١ التي افتعلها رفعت الاسد عن سابق اصرار وتصميم وكيف احتواها حافظ الاسد ولا انسى ما قال في تخريج دورة المظلات التي قام منتسبوها بتنفيذ مهمة رفعت الاسد ، قال الاسد الاب وقتها لو عرفت النساء اللواتي اسيء اليهن لتوجهت اليهن واحدة واحدة معتذرا.

لنا فيهما مثالين ربما من الاف الامثلة التي تمكن من خلالها الاسد الاب ان يحافظ على سورية من اخطار التجاذبات الدولية ، فلكل حدوده في ظل قيادته ( روسيا – امريكا – ايران – تركيا ) وهكذا كل دول العالم وكياناته فقد عرف كيف يحافظ على السيادة السورية وهنا جوهر القضية …

واختم مقالي بسؤال افتراضي وهو :
لو ان الرئيس بشار في كلمته الاولى مع بداية الازمة اعتذر لاهل درعا الذين اسيء لهم ، وعزل في معرض كلمته ( عاطف نجيب – فيصل كلثوم ) واحالهما للقضاء المختص ، وذهب بعد ذلك الى درعا ملتمسا الاعتذار، الم يكن ليجهض لا اقل من ٥٠٪ من مفاعيل المؤامرة.

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

حافظ الأسد لم يستطع توريث بشار كل شيء

هيومن فويس: صلاح قيراطة فرق كبير يا سيدي بين رجل يصنع نظاما ، وبين رجل يصنعه النظام. هناك اشياء بحكم طبيعتها يمكن توريثها ، وهناك اشياء لايمكن توريثها كذلك بحكم طبيعتها ، كالملكة والقدرات والامكانيات والكاريزما بشكل عام ، وكما ان الانسان لايمكنه دخول الجنة بالنوايا الحسنة لوحدها ، كذلك لا يمكن للاماني والرغبات ان تصنع بعضا من مستحيلات كصناعة الرجال مثلاً. هذا ما غاب عن ذهن الراحل حافظ الاسد ، عندما قرر نقل السلطة بشكل هاديء ومرن وسلس لابنه الثاني بشار ، بعد ان فقد ابنه الاول باسل. كل المعلومات ومنها ماهو شخصي بحت، كانت تشير الى ان حافظ

Send this to a friend