هيومن فويس

هناك علاقة عضوية بين استطالة الوجع السوري والإحراج الذي يشكله لقوى وسلطات دولية وعربية. أراد هؤلاء للسوريين أن يكونوا مثلا، وأن يكون ما حل بهم درسا لباقي شعوب المنطقة العربية بأن المصير مأساوي، إن فكروا، وعملوا، مثل السوريين.
لا، لم يكن ذاك المصاب هو الإنجاز الوحيد، ولا الولادة الخبيثة الوحيدة لقرار “نحكمها أو ندمرها”، أو الثمرة النجسة الوحيدة للغرام بالسلطة على حساب دم الجميع. حتى بضاعة الشرذمة والتقسيم التي يروجها إعلام الأبدية غدت شائعة على ألسنة كثيرين، يطلقونها، فتشرذم أرواحهم وأجسادهم؛ فالتقسيم ما كان يوماً جغرافياً بل نفسي وروحي؛ وما حافَظَ السوريون على بلدهم واحداً في وجه المخطط الفرنسي يوماً إلا لأن أرواحهم وإرادتهم كانت واحدة. ها هم السوريون اليوم يشهدون تحقق ما عجز المستعمرعن تحقيقه. يتحقق باليد ذاتها التي طالبت به يوماً، لا برسالة للمستعمر، بل بفعل حاقد قاتل، تأتي عبارة الشرذمة والتقسيم على ألسنة بعض السوريين، من دون اختيار أو إرادة؛ فهم أمام ظاهرة مشوّهة أنانية، تريد أن تدّمر لعبة، لأنها لا تستطيع امتلاكها.

ليس ذاك الذي يطلق صوت حزن برسالةٍ تقول أريد أن أحافظ على ما تبقى من هذا البلد بمستكين أو نذل أو ذليل؛ وما تلك الأم الطاهرة الجليلة جبانة، عندما تقول أريد لولدي أن يعود إلى عقله ويرجع حياً؛ وما كان ذاك الذي سعى إلى تحصيل سلاح ليوقف تلك الطائرة التي ترمي البراميل بخائن أو إرهابي. هناك من وضع كل أولئك في الممرات الإجبارية بمن فيهم ذاك الذي يريد أن يسرق من القاتل معلَمه. لم يصل كل أولئك إلى هذه الحال لأنهم مندسّون أو طائفيون أو خونه أو إرهابيون وهابيون أو جراثيم. ذنب أولئك أنهم أرادوا مجرد فسحةٍ من الحرية، سمّاها القتلة “مؤامرة كونية”.

يميل كثيرون إلى تسمية ما حدث بالمؤامرة؛ وربما يكون ذلك صحيحاً. ولكن صحتها تضعها بتطابق كامل مع مؤامرة عام 1967 عندما قيل إن المؤامرة فشلت (كما يُقال الآن) عندها

المؤامرة فشلت لأنها لم تتمكّن من إسقاط “النظام الثوري الوطني العربي القومي الاشتراكي التقدمي”؛ ولكن تلك المؤامرة أخذت في طريقها قطعة من قلب سورية والسوريين، الجولان، وكان ذلك في ساعات.

الآن أيضاً فشلت المؤامرة لأنها لم تستطع إسقاط النظام “الممانع والمقاوم”، ولكنها أخذت بطريقها سورية وأهلها، منفذة تماماً شعار النظام “بقاؤنا أو زوال البلد”، فمن تكون تلك المؤامرة استهدفت، عام 1967، خسر السوريون قطعة من أرواحهم؛ الآن تتمزق تلك الروح، فعن أي مؤامرة وأي انتصار يتحدّثون؟!
ليس انتصاراً أن تشيد مملكة على الجماجم، أو على الشرذمة؛ وليس فخراً أن يكون محتل الأرض وأعوانه أساساً بالبقاء، وليس بطولة ولا نصراً أن تحكم مكاناً مستباحاً لم تستطع حمايته؛ ولا السيادة تأتي من بقعةٍ زُرعت بسلاح الآخر، وعصاباته الحامية.
حتى لو أغمض العالم ليس فقط عيونه بل ما تبقى له من بصيرة وأخلاق؛ إلا أنه يدرك أن السوري وُضع في كل الممرات الإجبارية الدامية والمدمرة لروحه وإنسانيته؛ وحتى لو تم إعلان “النصر” وتم التتويج، إلا أن ما بُنى على باطل لا يمكن أن يكون إلا باطلاً؛ ومصيره الزوال.

لتتجمع كل الحتميات التاريخية والسياسية والعسكرية والاقتصادية (إن توفرت هذه الأسماء)؛ إلا أن هناك حتمية غير معروفة لمن ذبح سورية، ولمن ساهم بالمساعدة والتغطية والتزوير؛ إنها الحتمية الإلهية.. تلك التي فِعْلُها من فِعْلِ الذي يمهل، ولا يهمل.
إذا كانت السلطة تنظر إلى الـ 23 مليون سوري أنهم من رعاياها، فهل وجود نصفهم خارج حدود سورية انتصار؟ هل خروج 70% من الأرض السورية عن سيادة الدولة، وفقدان سيطرتها على 90% من معابر الدولة انتصار؟ هل تعطيل 90%من الطاقة البشرية العلمية والاقتصادية والمعرفية السورية انتصار؟ هل السمعة التي تتمتع بها السلطة على أنها مصدر الإرهاب والمصدّر له مكسب أو انتصار؟ هل خسارة مليارات الدولارات، ودمار نصف البلد مكاسب؟ هل وجود ربع مليون سوري في أقبية السلطة مكسب؟ هل العيش على حساب دول لها مصالح معينة كروسيا وإيران انتصار للسلطة؟

إذا صح القول بأن النظام في سورية كان حامياً لإسرائيل في حدود فلسطين الشمالية، بحكم

محافظته على هدوء مع الكيان المحتل أربعة عقود؛ وإذا كان قد فقد القوة للحفاظ على تلك الحدود، فأي انتصار هذا الذي يجعله يفقد مهمة أو وظيفة حيوية، ساعدته في صموده في وجه سعي الشعب إلى إسقاطه؟ هل استغباء الجميع ومحاولة إقناعهم بأن النظام كان على عداوة مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وأنه ليس من المساهمين في صناعته انتصار؟ وإلى أي درجة ينطلي ذلك حتى على أنصار النظام؟ هل تحويل سورية إلى مقاطعات لأمراء الحروب انتصار؟

وهل يُنظر إلى العصابة الحاكمة في دمشق أكثر من إمارة من إمارات الحرب المتحكمة فوق الأرض السورية؟ أي انتصار هذا إذا كان انقطاع الدعم الإيراني أو الروسي عن العصابة 24 ساعة كفيل بهروبها كالفئران في كل اتجاه؟ أي انتصار هذا ومجموعة مقاتلة تقول بعظمة لسانها: لولا حزب الله لسقط النظام؟ أي انتصار ومن تبقى حول النظام بفعل الخوف، وانعدام سبل الخروج، يكسّرون ما تبقى من أثاث بيوتهم للحصول على شيء من الدفء؟ أي انتصار هذا الذي يترك 700 ألف ممن يحملون “هوية الجمهورية العربية السورية” مقعدين؟

اختار النظام نهايته بشعاره: “أحكمها أو أدمرها”. أهل الداخل في أعماقهم يعرفون أن زواله ينهي ذريعة الإرهاب التي طالما تسلح بها ليذبح سورية وأهلها، عندما خرجوا عليه. هم يدركون، يوما بعد يوم، أنه أعجز من أن يؤمن لهم حياة آدمية؛ وكثيرون منهم تساوى عندهم الموت والحياة بالإهانة والذل؛ حتى من يُقال إنهم حاضنته ضاقوا ذرعاً باستمراره على حساب دم أولادهم وأخوتهم. أما من خرج من سورية فهو حتما الأخطر عليه؛ ولهذا يصفه بأوصافه.. هؤلاء لم يعودوا رهائن لديه كسوريي الداخل؛ وما من قوةٍ في الكون يمكنها نزع السورية عنهم. هؤلاء عائدون، وهو منهزم. إسرائيل لم تتمكن حتى الآن من إعلان انتصارها على الفلسطينيين، ولن تتمكّن، على الرغم من أن هؤلاء ليسوا من طينة العصابة المحتلة لبلدهم كما هو؛ فما باله بأن من يقاومهم هم من الطينة ذاتها، ولا موطن لهم إلا سورية.

المصدر: العربي الجديد: د. يحيى العريضي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أي انتصار هذا الذي تدّعون؟

هيومن فويس هناك علاقة عضوية بين استطالة الوجع السوري والإحراج الذي يشكله لقوى وسلطات دولية وعربية. أراد هؤلاء للسوريين أن يكونوا مثلا، وأن يكون ما حل بهم درسا لباقي شعوب المنطقة العربية بأن المصير مأساوي، إن فكروا، وعملوا، مثل السوريين. لا، لم يكن ذاك المصاب هو الإنجاز الوحيد، ولا الولادة الخبيثة الوحيدة لقرار "نحكمها أو ندمرها"، أو الثمرة النجسة الوحيدة للغرام بالسلطة على حساب دم الجميع. حتى بضاعة الشرذمة والتقسيم التي يروجها إعلام الأبدية غدت شائعة على ألسنة كثيرين، يطلقونها، فتشرذم أرواحهم وأجسادهم؛ فالتقسيم ما كان يوماً جغرافياً بل نفسي وروحي؛ وما حافَظَ السوريون على بلدهم واحداً في وجه المخطط

Send this to a friend