هيومن فويس 

كعادتي كنت أسير في عصر يومٍ، من أواخر آذار، عام 1993 في شوارع العزيزية، المعروفة جيداً في حلب، بعيد خروجي من المعتقل بأشهر قليلة، وكان دأبي أن أعبر الشارع بناظري، أتملى في وجوه العابرين، علي ألتقط وجهاً أعرفه، لصديقٍ قديمٍ فرقتنا السنين الطويلة، وحصل هذا أكثر من مرةٍ، حيث التقيت صديقاً جمعتني به مقاعد الدراسة، وكان هذا اللقاء العابر بدايةً لوصل ما انقطع بيننا.

منهم من كان هذا اللقاء بالنسبة له فرصة لإعادة التواصل، وسماع ما يرغب من أحاديث سرية، يتهامس بها الناس هنا وهناك، عن ويلات وفظائع عالم المعتقلات الأسدية، التي روعت الأمصار وكمت الأفواه، وأسكنت الشعب السوري برمته، في عوالم الصمت المسور بالرعب لعقودٍ طويلة.

ومنهم من اكتفى بهذا اللقاء العابر على استحياء، وعيونه تقول بجلاءٍ بادٍ (سررت بلقائك ناجياً، بعد أن حسبتك لسنين طوال بين الأموات، لكنني بكل تأكيد لا أجرؤ على لقائك ثانيةً، فالضريبة أنت خير من يعرفها) وسرعان ما يختفي ثانيةً، في زحام الحياة.

في ذلك اليوم وأنا أستمتع بتسكعي، كان ثمَّتَ رجل ضخم الجثةِ، في نهاية عقده الثالث، يتابعني بعينيه بتركيز واضح، وكانت تمشي إلى جانبه امرأة، ذات لباس بدوي طويل، وكنت أقترب منه وأعاود النظر، فألمحه يُتبعُ النظرَ النظرَ، وكأنه يريد التحقق من هوية شخصٍ يعرفه.

لم يبق بيننا أكثر من عشرين متراً، وأصبحت على زاوية منعطفً فتوقفت، وأشرت إليه بيدي أن اقترب، وكان كمن ينتظر هذه الإشارة، فما لبث إلا أن كان قبالتي بجثته الغليظة، يصافحني بيد عظيمة خشنة، يمسك بشماله يد المرأة التي يصحبها، ولم تكن أقل منه خشونة، وأرجح الظن أنها زوجته، وسرعان ما بادرته بالسؤال، يبدو أنك تعرفني أو تشبّهني لشخص تعرفه، فأجاب على الفور نعم، وأنه لا يذكر أين التقى بي، فسألته عن اسمه فذكر لي اسماً لا أعرفه، وهو اسم شبيه بأسماء الرجال، في قرى الشمال السوري، وكان شكله يوحي أنه ممن يسمون في شمال سوريا بالشوايا.

فأجبته على الفور، أن اسمه لم يرد أمامي ولا لمرة واحدة، وإلا لكنت تذكرته، ثم وبطريقة عاجلة أشبه بالسرنمة، حيث يتصرف الإنسان

كمن يمشي في نومه، دون أن يعرف الدوافع أو الاتجاهات، سألته وبسرعة مباشرة، أنت خدمت عسكريتك في قسم الشرطة العسكرية، فأجاب على الفور نعم، وكأنه شارف على الاهتداء إلى ضالته، فأردفت وأنت خدمت في سرية التأديب في سجن تدمر، فأومأ فرحاً أي نعم، فقد تقلصت الفرجة بيننا وكدنا نصل معا إلى علة المعرفة الغائبة بيننا.

فأكملت كلماتي ببرود هادئ واطمئنان، (أنت كنت سجاناً في سجن تدمر، وأنا كنت سجيناً لسنوات) هذه هي صلة المعرفة بيننا، تلك الصلة التي لم يكن صاحبي ليتمنى إدراكها، في هذه الساعة التعيسة من ساعاته المتعثرة.

كانت الثواني بيننا تمر بهدوءٍ وبطءٍ شديد، لا يشبهها في الطول إلا ثواني انتظار التعذيب، والقتل في مهاجع تدمر، إلا أنني هذه المرة، كنت أنعم في سكينةٍ وطمأنينةٍ غامرة، لم أكن خائفاً كعادتي، فقد كنت أرقب بهدوء قطرات العرق البارد، التي يتفصد عنها جلده، من أعلى جبينه إلى نهاية أصابعه، ما إن أنهيت أحرفي الأخيرة من شرحي له، عن علة المعرفة بيننا، حتى اكتسى وجهه شحوب الأموات، ضائعا بين بياضٍ وصفرة، ولم يعد المسكين يجيد ترتيب مفرداته، فتمتم بصوتٍ خافتٍ مهترئ (الحمد لله على السلامة، هل خرجت من السجن) فأجبته مؤكداً بثقة، لا لم أخرج بعد، وكنت متردداً بين أن أترك نفسي على سجيتها، تضحك من سخافة السؤال ومراوغة الإجابة، أم أرثي لحاله المزرية أمام زوجته كما أفترض، لقد أوقع التعيس نفسه بيديه بين يدي أحد ضحاياه، الذين سامهم التعذيب والإذلال لسنوات طويلة، وربما بال مرات ومرات في قدر الحساء، الذي سيتناولونه على العشاء على مشهدٍ منهم، أو مرغ جزمته العسكرية القذرة، بقدر الرز الذي ينتظرونه على الغداء.

وللأمانة وبتلقائيةٍ غير مفسرةٍ ساعتها، من العفوية البريئة، فقد غلب على روحي الأسى لحاله وانكساره، أمام سيدة يصحبها، وربما كان قبل لحظات هو فارسها الأوحد، يحكي لها عن بطولاته ومناقبه.

لم أرغب أن يطول به الأمر، أكثر من هذا القدر، مع أن الموقف برمته لم يتعد دقائق قليلة، فعاجلته مودعاً ومصافحاً يده الباردة المشلولة من بهجة الموقف، وتعللت بأنني على عجلة من أمري، وتركت يده التي كنت أهزها وحدي، وهي جامدة في الفراغ، وانصرفت بخطى سريعة، وحين جاوزته بمقدار سبعين متراً كما أقدر، التفت نحوه بشكل سريع، فوجدته على ذات الهيئة لم يسترد يده بعد، متسمراً بمكانه ينظر نحوي بذهول وبلاهة.

أذكر إلى هذه الساعة، وأنا أكتب بعد مضي خمس وعشرين

سنة على هذا المشهد، أنني لم أشعر ساعتها نحوه بأي ضغينة، وكنت ألمس تفوقي الكبير عليه، كل نظرة وحرف ذل من شفتيه، كان يقطر ذلاً وخوفاً ورجاءً صامتاً ألا أبادر بأي فعلٍ، لرد جمائله التي يعرفها بدقة.

وما يدهشني إلى هذه الساعة، أنني والآلاف من أقراني وأصدقائي المعتقلين، ممن عبروا جحيم تدمر وسنوات الجمر، لم تترعرع بذرةُ للحقد، أو رغبة للانتقام في نفوسنا، يشق علي في هذه الساعة شرح علتها، لكنه بإيجازٍ شديد، هو خليط بين سوية عالية من التهذيب والمثاقفة والوعي الذاتي العميق، الذي أورثتنا إياه سنون المعتقل، والتي تعد الانتقام فعلاً متخلفاً، ولا يفضي إلّا إلى مزيد من الفساد وتسعير الأزمات، وبين سطوة هائلةٍ للرعب المسلح الذي يحكم به نظام الأسد، قبضته على أرواح السوريين.

ويدهمني السؤال كل يومٍ، مرةً تلو أخرى، هل سيجدي هذا في هذه الأزمة.

لقد تهتك جدار الخوف لدى عموم السوريين، وفي ضحضاح هذه المذبحة المستمرة، وتواطئ المجتمع الدولي وصمته المشين، بات من الشطط أن ننتظر تسامحاً وصفحاً وتعقلاً، يمسك النفوس الذبيحة، من الرغبة العارمة في الانتقام، واعتماد عقيدةٍ واحدةٍ لا منجاة منها (إن لم أتمكن من النيل من قاتلي، فلتكن عليَّ وعلى أعدائي).

تلفزيون سوريا: محمود برو

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الضحية والجلاد في لقاء عابر

هيومن فويس  كعادتي كنت أسير في عصر يومٍ، من أواخر آذار، عام 1993 في شوارع العزيزية، المعروفة جيداً في حلب، بعيد خروجي من المعتقل بأشهر قليلة، وكان دأبي أن أعبر الشارع بناظري، أتملى في وجوه العابرين، علي ألتقط وجهاً أعرفه، لصديقٍ قديمٍ فرقتنا السنين الطويلة، وحصل هذا أكثر من مرةٍ، حيث التقيت صديقاً جمعتني به مقاعد الدراسة، وكان هذا اللقاء العابر بدايةً لوصل ما انقطع بيننا. منهم من كان هذا اللقاء بالنسبة له فرصة لإعادة التواصل، وسماع ما يرغب من أحاديث سرية، يتهامس بها الناس هنا وهناك، عن ويلات وفظائع عالم المعتقلات الأسدية، التي روعت الأمصار وكمت الأفواه، وأسكنت الشعب

Send this to a friend