هيومن فويس: صلاح قيراطة

لازلت مصرا أن القضية السورية هي قضية دولية بامتياز وان حربها التي تبدو ظاهريا أنها تمضي على طريق أن تضع أوزارها، كانت في الحقيقة اقل من حرب عالمية لكن بدون أدنى شك كانت حربا اكبر من ان تكون إقليمية ، حرب تقاطعت بها المصالح الدولية حدّ الصدام والتضارب مما جعل اصغر جزئية بها تأخذ شكل التجاذبات العالمية وبالتالي ليس لطرف دون غيره أن يحرز اختراقا فيها وهذا يعني أنه كان لا بد من تفاهمات وتوافقات تحقق اختراقات في بعض الملفات الساخنة الدولية شهدت انعكاسات لها على خطوط المواجهات السورية وعبر ساحاتها التي لا تزال مرشحة للاشتعال رغم مايبدو من حراك دولي سيما انه لا تحركه سوى المصالح الذاتية.

وهذا يؤكد أن سيسقط بيد كل دولة أو هيئة أو أفراد لجهة أن يتمكن أي طرف من أن يحدث اي تقدم، مالم يكن هناك إجماع من قبل الدول المتصارعة على الساحة السورية سواء اكان هذا بشكل مباشر أو عبر ادوات وضيعة .
هذا يبرر لموفد الأمم المتحدة إلى سورية رغم أنه بقي في مهامه اربع سنوات وأربعة أشهر انه لم يتمكن من خلالها ان يحدث أي اختراق يحسب له أو يشهد به عليه، فقد راوح الرجل في مكانه طوال مدة تكليفه بمهمته وفي النهاية قرر أن يحال على المعاش.

لم يكن في هذا وحيدا في هذا الملف المعقَّد، فقد فشل من قبله مبعوثان رفيعان هما كوفي عنان، والأخضر الإبراهيمي.
وهذا المآل لديميستورا وسابقيه يؤكد أنه لا يمكن إنجاح اي جهود لإنهاء الصراعات المسلحة في سورية والتوصل إلى تسوية واقعية وعادلة تستعيد وحدة سورية وتحفظ كيانها ودولتها، الا بموافقة اللاعبين الكبار وبما ينسجم كذلك مع مصالح وطموحات الدول الإقليمية وتبعا لموازين قوى مختلة، ولأن الوظيفة الجيوسياسية للحرب السورية لن تُستنفد قبل إعادة تركيب الإقليم ورسم صورته المستقبلية.

معلوم أن الحراك الدولي لإيجاد تسوية للقضية السورية كان قد بدأ في 23 شباط 2012، مع تعيين الأمين العامّ السابق للأمم المتّحدة الراحل ( كوفي عنان )مبعوثا مشتركاً للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للأزمة في سورية لكنه استقال ونتيجة صدقه وموضوعيته وإخلاصه في نفس العام بعد أشهر قليلة، وبعد إفشال إعلان المبادئ الذي كان قد وضعه وكذا وثيقة جنيف، وفي حينها كاشف العالم بخلاصته التي لا تزال صالحة حتى يومنا هذا فقد قال الرجل بأمانة ( لقد بذلت قصارى جهدي)، لكن (العسكرة المتزايدة على الأرض والافتقار الواضح للوحدة داخل مجلس الأمن غَيَّرَا بشكل جذري ظروف ممارسة مهامي بشكل فعال) …
وأضاف ( لم أتلقَّ كل الدعم الذي تستحقه القضية، وان هناك انقسامات داخل المجتمع الدولي ) مشيراً، ضمناً، إلى ثلاثة قرارات بشأن سورية منذ بداية الأزمة استخدمت فيها موسكو وبكين حقَّ النقض لوأدها، ومن دون شك لم يكن ( الغموض البنّاء) خير مساعد في الدفع نحو الحل، إذ إن التحدث عن ضرورة الإجماع للتوصل إلى تفاهُم على الحكم الانتقالي يعد غموضاً غير بنّاء جعل الدبلوماسية هدّامة وغير بنّاءة وخلّاقة في إيجاد المخارج.

لا بد هنا وانا بالطبع لا التمس عذرا محلا لموسكو لجهة سياساتها في سورية إلا أن الموضوعية والأمانة البحثية تجعلنا نقول إن موسكو وكونها كانت قد خدعت في ليبيا، مما أدى إلى أن تنتهج تشدُّداً في سورية فقد استخدمت موسكو 12 مرة حقّ النقض في الأمم المتحدة لحماية حليفها السوري، وكان ذلك أحد أسباب عدم إيجاد حلّ أممي.

ولم يكن حظّ وزير الخارجية الجزائري الأسبق، ( الأخضر الإبراهيمي ) أفضل من سلفه كوفي عنان، وقد صمد في مهمته لفترة اطول فقد تمكن أن يحدث اختراقا على بساطته مع بداية 2014 حيث كان له أن نظّيم أول مفاوضات مُباشِرة بين الحكومة والمعارضة في جنيف برعاية الولايات المتحدة وروسيا، لكن المفاوضات تعثرت بسبب رفض دمشق المطلق البحث في مصير الرئيس بشار الأسد الذي لم يكن لها أن تتخذ هكذا موقف لولا إسناد دولي قوي وكبير ، منه ماهو مبطن ومن تحت الطاولة وربما تقف خلفه حكومات وقوة عميقة، ومنه ماهو ظاهر كالاسناد الروسي والصيني والايراني وكذا دول مايسمى مجموعة بريكس ونتيجة لهذا الانقسام الدولي الحاد، وفضَّل ( الإبراهيمي ) بالمحصلة الانسحاب بعد أقل من عامين على الجهود غير المثمرة، واصفاً الوضع في سورية بأنه ( صعب جدّاً، ولكن ليس ميؤوساً منه ) وكانت استقالته بعد إدراكه أن إجراء انتخابات الرئاسة في حزيران 2014 في سورية، وإعادة الانتخاب المتوقعة لبشار الأسد، يعنيان نهاية جهوده.

لابد ونحن نسلسل تاريخيا ماحدث لجهة المساعي الدولية والتي اصطدمت كلها بجدران التعنت الذي وقفت المصالح الدولية خلفه، حيث بدت روسيا الأسبق ولو ظاهريا بالحصول على موطيء قدم من هلال مساعيها لايجاد حل للقضية السورية، يكون على مقاسها حيث التقت وقتها مصالح ( النظام ) السوري الانفعالية والآنية ، مع طموحات روسية المعمقة والإستراتيجية حيث يعود نهم موسكو لموطيء قدم لها على مياه المتوسط عبر البوابة السورية ويعود هذا إلى الحقبة القيصرية ولن ننسى هنا أن روسيا كانت ثالثا مع ( سايكس – بيكو ) لاقتسام المنطقة حيث كانت شواطيء سورية من الحصة الروسية كما تتحدث الوقائع التاريخية .

قلت آنفا أن روسية كان لها النفوذ الظاهري في سورية لكني اكاد أوقن أن هذا لا يخرج عن ماسمي يوما تفاهم ( لافروف – كيري ) الذي لم تعلن بنوده لتاريخه باستثناء انه جرى تعيين ( ستيفان دي ميستورا ) ليواصل عمل المنظمة الدولية في هذا الملف، وكان همه الأكبر استمرار مهمته ، وكثيرا ما كان يشكو بأنه لم يحظ يوماً بدعم دولي حقيقي خلال السنوات الأربع والأربعة اشهر الماضية، ولذا ربما حاول التأقلم مع مواقف الطرف الأقوى في الصراع السوري، خصوصاً مواقف روسيا، التي باتت اللاعب الأول في الساحة السورية منذ تدخُّلها العسكري الواسع في ايلول 2015، وحدا ذلك بالكثير من المراقبين واللاعبين لاتهامه باستسهال المساومات والتخلي عن المرجعيات الدولية المُنَظِّمة للحل السياسي في سورية وهذه حقيقة، كانت تبرز كلما تعرّض لضغوط من الدول الكبرى، خلافاً للمبعوثين السابقين.
يمكن القول :

نستطيع القول ان روسيا وفي ظل هذا الرجل الذي حسب علينا مبعوثا أمميا أن تحدث اختراقات أدت بصراحة ووضوح الى الالتفاف على مسار جنيف والاستعاضة عنه بمسار( استانة ) الذي أنتج ماسمي مناطق ( خفض تصعيد ) مكنت الحلف الثلاثي من الاستفراد بالقرى والمدن السورية ةواحدة تلو الأخرى حيث تعاملت مع كل المناطق الساخنة على أنها أما إرهابية أو حاضنة لإرهاب مطلقة العنان طائراتها وللقوات البرية السورية ومعها القوات الرديفة وكذا الميليشيات الإيرانية، ومن ثم كان لها أن تنتقل في بعض الأحيان أن الى ( سوتشي ) لتعمق من خلالها مسار ( استانة ) فانتجت كذلك فكرة الدستور التي لا زالت نظرية اكثر مما هي واقعية، وكذا فكرة المنطقة منزوعة السلاح .

على اي حال لابد من القول إن دي ميستورا لم يكن ضحية تضارُب المسارات، رغم فرض الروس لمسار ( أستانة ) منذ 2016، بل بسبب منهجية خاطئة في التعامل مع التفاوض كما يقول أحد الذين تعاملوا معه عن قرب في العامين 2016 و2017 :
( اخطر ما فعله دي ميستورا منذ بداية عمله أنه جعل مسائل مبدئية لا تستدعي التفاوض (البنود 12/ 13 / 14 في القرار 2254) موضع تفاوُض وحيد، وكأنه في إطالة ما سماه مرحلة بناء الثقة التي تسبق التفاوض، يعمل بتوجيه أمريكي وروسي لمنح النظام فرصة التفوق العسكري من مطلع 2016 حتى الوصول لمعركة حلب) ، ويشهد مُفاوِض آخر بقوله (كانت العلاقة مع المُوفَد الأممي صراعاً مستمراً بسبب تحيُّزه للنظام وقبوله بأطروحاته) ، لكن الأدهى أتى مع تسليمه بالضغط الروسي وشق مسار جديد مع الروس، بذريعة فصل قضية الملف الإنساني عن الملف السياسي، وشكل غطاء لمسار أستانة الذي سهل عملياً الحسم العسكري التدريجي لصالح النظام.

ومن ( مآثر ) دي ميستورا هو اختراع أو قبول فكرة منصات المعارضة لتشتيت التمثيل وممارسة الإلهاء المنظَّم عَبْر قبول التفسير الروسي للقرار 2254 بوجود منصَّتَيْ موسكو والقاهرة وغيرهما لاحقاً، مما كرَّس حجم التلاعب الإقليمي والدولي والوصاية المُمارَسة على كل قرار فيه قدر من الاستقلالية ولو بقدر يسير، وتوصَّل كلُّ المتابعين للحراك المتفق عليه بين جنيف وأستانة وسوتشي وبالطبع لجحيم الحرب من حلب إلى الغوطة والجنوب وإدلب، إلا أن ( دي ميستورا ) كان قد جسد بأفعاله واداوره التي ارتضى من خلالها أن يكون كومبارس في المذبحة السورية فقد كان رمزا للفشل الأممي والتواطؤ الدولي.

قام ( دي ميستورا ) حسب شهادة أخرى بـ( تمييع القضية عَبْر توسيع دوائرها وبعثرة شعابها، بذريعة التمثيل ولم يكن جادّاً أبداً في الوصول إلى حلّ، واخترع قضية السلال الأربع، وأمضى الفترة كلها يتهرب من مناقشة الموضوع الأساسي (هيئة الحكم الانتقالي) وكان يميل بذلك إلى وجهة نظر النظام من دون مواربة )، بَيْد أن أسلوب الدبلوماسي المخضرم وتقنياته وقدراته في ( الحرب النفسية ) لم تكن مُعيناً له، ولم ينجح في الأداء بالقياس لشخصية من طراز ( لافروف ) التي هيمنت على مجريات الملف.
يطوي المبعوث الأممي ( دي ميستورا ) صفحته بزيارة قريبة إلى دمشق لبحث تشكيل لجنة دستورية مكلَّفة بصياغة الدستور، غدت الخلاصة اليتيمة لسنواته الأربع والنافذة الوحيدة الممكنة اليوم للتقدم في العملية السياسية، وهي، في الأساس، لا تعني الكثير لأن المشكلة ليست في النص الدستوري والذي يمكن أن لا يحترم سيما أن للسوريين خصوصا وللعرب ربما تجربة مع الدساتير التي طالما اكلتها الحمير ، بل هي كامنة في البنية العامة للدولة السورية التي تفشى بها الفساد والافساد بالتوازي مع تغول الأجهزة الأمنية الأمني التي همشت القوانين واستطردت الدساتير .

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

دي مستورا..كومبارس دولي في المذبحة السورية

هيومن فويس: صلاح قيراطة لازلت مصرا أن القضية السورية هي قضية دولية بامتياز وان حربها التي تبدو ظاهريا أنها تمضي على طريق أن تضع أوزارها، كانت في الحقيقة اقل من حرب عالمية لكن بدون أدنى شك كانت حربا اكبر من ان تكون إقليمية ، حرب تقاطعت بها المصالح الدولية حدّ الصدام والتضارب مما جعل اصغر جزئية بها تأخذ شكل التجاذبات العالمية وبالتالي ليس لطرف دون غيره أن يحرز اختراقا فيها وهذا يعني أنه كان لا بد من تفاهمات وتوافقات تحقق اختراقات في بعض الملفات الساخنة الدولية شهدت انعكاسات لها على خطوط المواجهات السورية وعبر ساحاتها التي لا تزال مرشحة للاشتعال

Send this to a friend