هيومن فويس

أعرب نظام الأسد عن امتنانه من التوافق الذي توصلت إليه تركيا وروسيا حول إدلب. لكن لا تفهموا الأمر على هذا النحو. ففي الواقع، يريدون أن يقولوا إن الوضع على ما يرام، لكنه ليس كذلك. وإذا سألتم لماذا، سأقول إن نظام دمشق هو الخاسر الأكبر في هذا الاتفاق.

ففي الوقت الذي عقد النظام آماله على السيطرة على جميع مناطق سوريا، حتى إنه تحدث عن الاستيلاء على هاتاي التركية، فإنه اضطر للانسحاب إلى الحدود التي رسمتها تركيا وروسيا. فمن كان من أنصار هذا الفكر بيننا يمكنهم الآن إعلان الحداد.

والسبب في ذلك أن المبادرة التي تقترح تفاوض أنقرة مع الأسد انهارت مرة أخرى مع اتفاق إدلب. والمعادلة هنا في غاية البساطة:

عندما نجلس مع الروس على طاولة الحوار نستطيع الحصول من نظام دمشق على ما نريد.

وأما من يعلمون جيدا التوازنات على الأرض كانوا في الواقع يقولون إن الأسد ليس لديه أدنى فرصة للصمود أمام قوات المعارضة على الأرض. وبينما أقول قوات المعارضة أقصد الكيان الذي يحمل اسما جديدا “الجبهة الوطنية للتحرير” ويبلغ تعداد مقاتليه 60 ألفا ويتحرك بالتنسيق مع تركيا.

هل سيضع اتفاق “المنطقة العازلة” (منزوعة السلاح) تركيا في موقف محرج؟

صرح الرئيس أردوغان بقوله “وقعنا على 12 مادة من أجل إدلب، وهو ما يعتبر خطوة نحو السلام على الجانب المقابل من حدودنا الجنوبية”.

نعلم أن الإطار الأساسي للاتفاق يتضمن إقامة منطقة منزوع السلاح لمسافة 15-20 كم حول إدلب، على أن تتولى قوات تركية–روسية مهمة تسيير دوريات منتظمة في تلك المنطقة.

وبخصوص هذه النقطة تحديدا، نتذكر سؤالا يتردد منذ يومين بشكل مستمر. كيف ستحل تركيا مشكلة الجماعات الراديكالية، أو بالأحرى مشكلة هيئة تحرير الشام؟ هل ستحدث مواجهة مع تلك الجماعات؟ هل سيحدث اشتباك مسلح؟ أم أن عناصر تلك الجماعات سينقلون بالحافلات من تلك المنطقة؟

وعندما ننظر إلى كواليس هذه القضية سنرى أنها لن تسفر عن تعقيدات خطيرة. وبطبيعة الحال لن يقدم أحد على تنفيذ مقترحات مثل نقل عناصر تلك الجماعات من المنطقة على متن الحافلات. وبدلا من ذلك، يتحدث البعض عن “تهيئة الظروف لتكون مواتية”.

ولأن قوات النظام السوري ستبقى بعيدا عن إدلب في إطار اتفاق المنطقة العازلة، فإن الحجة الرئيسة لوجود هذه الجماعات ستكون قد انتفت. وما أفهمه شخصيا هو أنه لا يوجد أي عامل يضع تركيا في موقف صعب في إطار تنفيذ هذا الاتفاق.

انسحاب إيران صبّ في مصلحة تركيا

ربما يكون من المفيد النظر كذلك إلى الوجه الآخر من العملة، أي إلى وضعية روسيا وإيران، إذا ما أردنا إدراك ماهية اتفاق إدلب. فالجانب المفاجئ في الاتفاق هو أن إيران لم تتدخل في مسألة إدلب، بل اعتبرت أنها قضية يجب حلها بين تركيا وروسيا، بل وإنها أعلنت ذلك صراحة. وثمة سببان رئيسان لهذا الأمر:

الأول؛ تعاني إيران من مشاكل داخلية طاحنة؛ إذ تواجه تهديد تطبيق عقوبات جديدة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، بما في ذلك تجارة النفط.

الثاني؛ لا تريد طهران الدخول في مواجهة مع تركيا في فترة كهذه، ذلك أنها تريد من أنقرة أن تدعمها، بطريقة ما، لمواجهة العقوبات.

وفي هذه الحالة يمكننا القول إن انسحاب إيران من معادلة إدلب ساهم بشكل كبير في خروج تركيا بنتيجة إيجابية تصب في مصلحتها. وأما الانطباع الذي تشكل لدينا حول روسيا فيمكننا وصفه كالتالي:

عندما طرحت موسكو ونظام دمشق مسألة إدلب في أغسطس/آب الماضي كمسألة إجبارية، لم تقترب المعارضة من رفع الراية البيضاء. وأما احتمال انتقال الحرب في إدلب إلى حلب وحماة وسائر المدن السورية قيّد تحركات روسيا. هذا فضلا عن أن الرئيس أردوغان لم يتراجع عن موقفه الصارم باسم بلاده، ما أفضى في النهاية إلى التوصل إلى اتفاق كهذا.

يمكننا القول إن تركيا لم تكشف على طاولة إدلب عن قدرتها فقط على التأثير في الديناميكيات الإقليمية، بل برهنت كذلك على إمكانية أن تلعب دورا كبيرا له تأثيرات عالمية.

ولفهم هذا الأمر، يكفينا أن نتذكر ما حدث عشية يوم التوصل إلى اتفاق في سوتشي الروسية؛ إذ جاء رد فعل غاضب إزاء هذا الاتفاق في تلك الليلة من جانب القوى الدولية التي حاولت قلب طاولة سوريا التي أقامتها تركيا وروسيا منذ عامين لكنها فشلت في تحقيق ذلك في كل مرة حاولت فيها، وذلك من خلال تصريحات جاءت من الجانب الإسرائيلي. لكن اتضح للجميع أن رد الفعل الشديد هذا كذلك فشل في قلب تلك الطاولة. هذا فضلا عن أن قضية إدلب أظهرت مرة أخرى من يبحث عن الحل حقا لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا ويسعى للحيلولة دون وقوع المجازر الجماعية، ومن –على النقيض– ينتهج سياسة مبنية على إطالة أمد هذه الحرب والتسبب في المزيد من الدمار والخسائر البشرية.

يني شفق: محمد آجات

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ما لا نعرفه عن نصر إدلب

هيومن فويس أعرب نظام الأسد عن امتنانه من التوافق الذي توصلت إليه تركيا وروسيا حول إدلب. لكن لا تفهموا الأمر على هذا النحو. ففي الواقع، يريدون أن يقولوا إن الوضع على ما يرام، لكنه ليس كذلك. وإذا سألتم لماذا، سأقول إن نظام دمشق هو الخاسر الأكبر في هذا الاتفاق. ففي الوقت الذي عقد النظام آماله على السيطرة على جميع مناطق سوريا، حتى إنه تحدث عن الاستيلاء على هاتاي التركية، فإنه اضطر للانسحاب إلى الحدود التي رسمتها تركيا وروسيا. فمن كان من أنصار هذا الفكر بيننا يمكنهم الآن إعلان الحداد. والسبب في ذلك أن المبادرة التي تقترح تفاوض أنقرة مع الأسد

Send this to a friend