هيومن فويس

لعل المشهد العام الذي يحيط بسوريا من داخل حدودها وخارجها عبر هيمنة موسكو الشبه كلية على الساحة مرجعه عدة أسباب جوهرية ومفصلية، أبرزها رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع الأنظمة العربية بعدم وضع للحد للعنف الممارس من قبل النظام السوري بحق السوريين منذ سلمية الثورة حتى عسكرتها، وإفساح المجال أمام جيش بوتين، ليصبح عراب القتل ومهندس الحلول بآن واحد، وما الرغبة الروسية بتحقيق انتصار سياسي في سوريا عبر اللجنة الدستورية إلا مثال مصغر، عن مشروعها الرامي لتقليص مطالب السوريين المكتوبة بكافة لغات العذاب والتعذيب واستبدالها بتعديلات جزئية تحافظ من خلالها على أركان النظام الحالي، وتشتري فيها المعارضة بمقاعد حكومية لا قيمة لها ولا عنوان.

سوريا بالتأكيد، بحاجة ماسة لدستور جديد، يرفع عنها، ذلك القرار الجائر، الذي يجعل من الوطن مزرعة خاصة بالقائد المفدى، ولكن هل لمثل هذا الحق المشروع أن يأتي عبر الروس؟ الذين يعترفون كل فينة وأخرى بنجاح تجربة جديدة لأسلحتهم بعد تحويل أجساد السوريين إلى أهداف حية؟ وهل بوتين .. دكتاتور روسيا وسالب سلطتها، سيقدم للسوريين ما سرقه من الروس؟ بكل تأكيد لن يفعلها، وما هدفه من صياغة دستور جديد في سوريا، إلا لجعلها محمية خاصة تأتمر لسيادته، وتعود على نظامه بأرباح اقتصادية غير مجمركة.

وهنا بكل واقعية، يتوجب علينا عدم نسيان ذلك الدستور البائس الذي تم تزويره خلال سويعات قليلة، وعلى عجل عقب وفاة حافظ الأسد، تعديلات نتج عنها توريث السلطة لبشار الأسد بكل سلاسة، ولولا تلك التعديلات المفبركة لما وصلت سوريا إلى ما هي عليه اليوم.

سوريا بالتأكيد بحاجة ماسة لدستور جديد يرفع عنها، ذلك القرار الجائر الذي يجعل من الوطن مزرعة خاصة بالقائد المفدى

هنا علينا القول وبصوت عال، احذروا الدستور المزيف، فهو أول المقابر التي تفتح للشعوب، وهو أول أسلحة الاستبداد، فما بالكم بدستور ستكتبه دولة أمعنت في قتل السوريين، وتحاول دفن الأحياء منهم داخل مقابر الديكتاتورية من جديد؟ ومن يسير وفق المخطط الروسي من المعارضة السياسية اليوم لإنجاح دستورها في سوريا، عليه أن يدرك بأن حاله حال من يحفر قبره بيده، وليته يحفر قبراً له وحده بذلك فحسب، ولكنه ما إن يوقع على الدستور المصطنع، سيجعل من سوريا مقبرة للجميع طيلة مئة عام، أو يزيد.

بالمناسبة، أود أن أسألكم، هل تقتنعون بوجود دستور قديم أو جديد، صحيح أو مزيف، باستطاعته تقبل نظام حافظ الأسد الأمني القمعي، وبوسعه أن يرى ببشار رئيساً لسوريا بعد كل الذي حصل؟ وهنا لا بد أن أذكركم، بأن عقود سيطرة حافظ على السلطة، كانت مستويات الإرهاب بحق السوريين بأعلى مستوياتها، وإياكم أن تغفلوا بأننا نخشى حتى الجدران الصامتة! وفي عهد بشار، سوف أقول لكم، إياكم ونسيان تلك المشاهد الوطنية التي كان يتغنى بها القائد الذي يعشق لبس البنطال دون حزام، عندما كان يعلن النصر على السوريين من فوق ركام مدينة داريا، وأمام سهول الغوطة الشرقية التي حولتها دبابات جيشه الباسل إلى أثر بعد عين.

لا يمكن لأي دستور جديد أو قديم أن يخفي ما فعله الأسد الابن ونظام الأب في السوريين خلال السنوات الماضية، وحتى يومنا الحالي، وما تحاول روسيا من تنفيذه اليوم، ليس إلا جريمة سياسية تهدف من خلالها إلى دفن الأثمان الباهظة التي دفعها السوريون من قبل مقاتلاتها الحربية، مقابل أن تحافظ على مصالحها الاستراتيجية، وربما يمكننا القول بأن أي سوري معارض أو جسم سياسي يحابي الروس في مشروعهم هذا، إنما يتم استخدامه لطعن سوريا من الخلف، ويجعلنا نحن السوريين أمام احتلالين للوطن، الأول أسدي داخلي، والآخر روسي خارجي وداخلي معاً.

احذروا الدستور المزيف فهو أول المقابر التي تفتح للشعوب وهو أول أسلحة الاستبداد

من الجانب الآخر، روسيا تتعمد إظهار هويتها أمام الشاشات بأنها طرفاً ضامناً في سوريا، ومكافحاً للإرهاب، مع علم كافة الأطراف الدولية، بأنها قتلت آلاف السوريين منذ دخولها الحرب المباشرة ضدهم أواخر عام 2015، وهي المؤثر والفاعل الأكبر لموجات التهجير الأضخم في العصر الحديث، والتي استهدفت الأكثرية في سوريا، فهل الدستور الذي ينشده بوتين لسوريا مع الحليف الإيراني، بمقدوره محاسبة ومقاضاة الروس على جرائمهم التي لا تعد ولا تحصى؟ وكيف لها أن تفعل أبسط تلك الخطوات، إذا كان الدستور من صناعتها؟ ومن يديره حال تطبيقه عنصره المتطوع في قصر المهاجرين بالعاصمة دمشق؟

رغم قوة المظاهرات السلمية التي عادت مؤخراً إلى الساحة السورية في شمال البلاد، ولكن اعتقد بأن تقليص أهداف الثورة التي دفعت ثمناً باهظاً بمطلبين وهما “لا دستور ولا إعمار قبل أن يسقط بشار”، هي مطالب مجحفة بحق أنبل الثورات وأسوأ قيادات لها سياسياً وعسكرياً، فإعادة الإعمار وفق العديد من القرارات العالمية وعلى رأسها الأمريكية، لن يحصل قبل حدوث انتقال سياسي في البلاد، وكذلك الموقف الأوروبي، وفي هذا الإطار، كان قد قال مسؤول أممي قبل أيام قليلة فقط، بأن إعادة إعمار سوريا يحتاج لأكثر من نصف قرن، وهنا عليكم عدم نسيان بأن هذا الدمار البنيوي وتدمير الإنسان السوري، كان منفذه الجيش الباسل الذي سرق من السوريين جيشهم الوطني الحقيقي، وكذلك هي من منجزات الحركة التصحيحية الجديدة التي يسعى إليها بوتين في سوريا.

أما الدستور، فهو بالأساس خطوة مشوهة تسعى إليه روسيا ومن خلفها إيران والأسد، لمحاولة إيقاع المعارضة السياسية بذلك، بهدف دفن جرائمهم دون محاسبة، علماً بأن موسكو تدرك جيداً بأنها مهما حافظت على الأسد في سدة الحكم، فإن مبتغاها سيبقى بعيد المنال، مالم تحظى بموافقة السوريين على ذلك، وهي تعلم بأن التغاضي عن مطالب السوريين لن يجلب لها أي أرباح منتظرة، ومن هذا المنطلق تسعى خلف الدستور لمحاولة قتل آمال الثائرين، ولكن لا بد أن نقول لها.. لا فناء لثائر.

المعركة السياسية التي تجري بحق الثورة السورية خارج حدودها الجغرافية، لا تقل ضراوة عن المواجهات العسكرية، وفي الحالتين ما يحاك ضد الثائرين مبتغاه تحجيم قوتهم التأثيرية وتقليص مساحة انتشارهم، فالدستور المصنوع في روسيا أو عبرها، لن يكون في صفحاته سوى عهود جديدة من الاستبداد وبسط الحكم بالقوة والقهر، وبكل تأكيد لن يصلح الدستور الفاسد ما أفسده الدكتور الديكتاتور القاتل.

تلفزيون سوريا: حسام محمد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل يصلح الدستور ما أفسده الجزار؟

هيومن فويس لعل المشهد العام الذي يحيط بسوريا من داخل حدودها وخارجها عبر هيمنة موسكو الشبه كلية على الساحة مرجعه عدة أسباب جوهرية ومفصلية، أبرزها رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا مع الأنظمة العربية بعدم وضع للحد للعنف الممارس من قبل النظام السوري بحق السوريين منذ سلمية الثورة حتى عسكرتها، وإفساح المجال أمام جيش بوتين، ليصبح عراب القتل ومهندس الحلول بآن واحد، وما الرغبة الروسية بتحقيق انتصار سياسي في سوريا عبر اللجنة الدستورية إلا مثال مصغر، عن مشروعها الرامي لتقليص مطالب السوريين المكتوبة بكافة لغات العذاب والتعذيب واستبدالها بتعديلات جزئية تحافظ من خلالها على أركان النظام الحالي، وتشتري فيها المعارضة بمقاعد

Send this to a friend