هيومن فويس

تمتلك تركيا أوراق قوة هامة في المشهد السوري، تجعل منها قوة مؤثرة في تحديد مصير شمال سوريا، كما تواجه العديد من التحديات الدولية، أبرزها توتر العلاقة مع الحلفاء، وتقارب متوسط المدى مع المعسكر المضاد للحلف الأمريكي، وتلك القوة وهذه التحديات، جعلت من أنقرة تقفز للواجهة الإقليمية بقوة، مستفيدة من كلا العاملين المتضادين للعب دور أساسي في البوتقة السورية، أهمها رفضها تكرار سيناريو حلب في إدلب.

سنتحدث بداية عن أوراق القوة التي تمتلكها تركيا في الشمال السوري، والتي تجعل قرارها صارماً بعدم تكرار ما عاشته حلب من قبل، من تسليم أحياء حلب الشرقية للقوات الروسية عبر المفاوضات ودون مقابل يذكر.

أولاً: تواجد عسكري ضخم للجيش التركي على مساحات جغرافية واسعة النطاق، وهذه الوحدات العسكرية مدعومة بأحدث الأسلحة والمعدات اللوجستية، حتى باتت تعتبر امتداداً للجيش التركي المتمركز في المناطق التركية الحدودية مع سوريا.

ثانياً: انتشار نقاط المراقبة التركية على محيط ثلاثة محافظات سورية، وهي نقاط وجدت بتوافق بإجماع الفريق الثلاثي المؤسس لأستانا، وبالتالي فإن أي عمل عسكري ضد إدلب، لا يمكن أن يمر ما لم تحصل القوات المهاجمة على ضوء أخضر تركي، يفضي إلى سحب تلك المواقع العسكرية، وهذا ما لن تقدم نحوه أنقرة، التي تقوم بشكل شبه يومي بتعزيز نقاط المراقبة بالمدرعات الثقيلة والجدران الإسمنتية التحصينية، وهي سياسة تقرأ على أن الحكومة التركية لن تنسحب من المنطقة وتشرع الأبواب لاقتحامها من قبل الحلف الروسي الإيراني.

ثالثاً: جيش سوري معارض، وهذه التشكيلات قوامها من الجيش السوري الحر، وتقدر أعدادها بعشرات آلاف المقاتلين، ونسبة مرتفعة منهم تعود لفصائل مهجرة من مدنها وبلداتها على يد روسيا وإيران مع النظام السوري، وهذه القوات تعطي الجانب التركي درجة بالغة الأهمية في المفاوضات السياسية والضغط العسكري الذي تعيشه إدلب اليوم، فتلك القوات تؤرق الروس والأسد فعلياً، كونها مدعومة بشكل واسع النطاق من تركيا، كذلك فإن استهدافهم يعني استهدافا مباشرا للجيش التركي، وهنا لا يمكن لتركيا أن تصمت حال حدوث ذلك.

وأي عمل بري ضد الجيش السوري الحر المدعوم تركياً، سيدفع بأنقرة لتشريع التحرك غير المقيد لتلك الفصائل ودعمها، وبالتالي سيكون، شمال سوريا مع ساحلها، حتى قاعدة حميميم ووسط البلاد قد دخلوا فعلياً بمرحلة خطر حقيقية، ومن هذا المنطلق لا ترغب روسيا بدفع تركيا إلى مثل هذه الخيارات، وتستخدم موسكو الدبلوماسية مع تركيا كحل بديل عن الحرب المباشرة الغير منسقة مع أنقرة.

رابعاً: حدود واسعة، لا يخفى عليكم بأن تركيا عمدت إلى فتح معابر حدودية جديدة مع الجانب السوري، شمال البلاد، وأن معظم هذه البوابات الحدودية، تم افتتاحها بعد الانتهاء من العملية العسكرية التركية الممتدة من درع الفرات وصولاً إلى غصن الزيتون، وهذه النقاط الحدودية تعطي أنقرة خيارات إضافية لا يمكن تجاهلها على كافة الأصعدة وعلى رأسها العسكري حال وقوع أي حدث يهدد الأمن التركي ومصالحها في سوريا.

خامساً: قوة عربية، بعد الطعنات التي تلقتها تركيا، وما تزال، من الحليف الاستراتيجي لها – الولايات المتحدة الأمريكية – بما يخص ملف وحدات حماية الكردية، الذراع الأمريكي الأبرز في سوريا، نجحت السياسة التركية الخارجية ولحقتها العسكرية بتحييد تلك الأداة عن مواقع استراتيجية تمس الأمن القومي التركي في عفرين وضواحيها.

بعد المطبات السابقة التي واجهتها تركيا على يد حليفها الأقوى عالمياً، توجهت أنقرة إلى ملئ الأماكن التي انسحبت منه الوحدات الكردية، بتشكيلات عسكرية وعائلات عربية هجرها النظام السوري والقوات الروسية من الأرياف الدمشقية ووسط البلاد، وهذه العجلة التركية، كان هدفها تثبيت ما تم إنجازه، واستبدال الحليف الأمريكي القريب من حدودها، بحليف عربي موالٍ لها، يعزز أمنها ويحمي حدودها خلال التقلبات التي تعيشها الساحة السورية.

سادساً، تحييد إيران، يبدو أن تركيا، وفق ما نشرته مركز جسور للدراسات، قد استبقت القمة الثلاثية في طهران، بجهد دبلوماسي لتحقيق توازن يخفف عنها الضغط من قبل روسيا التي تريد حسم مصير محافظة إدلب ومحيطها وفق رؤيتها وضمانتها المباشرة، إذ عملت تركيا -ربّما- على تحييد موقف إيران؛ وهذا يظهر في تصريحات الرئيس الإيراني حسن روحاني حول معركة الشمال التي أيّد فيها اقتراح الرئيس التركي رجب أردوغان الخاص بإضافة عبارة الهدنة على البند الثالث من البيان الختامي. كما يظهر ذلك بقدرة تركيا على إنهاء ملف الفوعة وكفريا والذي لم يكن ليحصل لولا موافقة إيران، والذي يعني أن هذه الأخيرة لم يعد لديها أولويات أو مصالح استراتيجية في إدلب. وتحييد إيران يعني تعقيد حسابات روسيا السياسية والعسكرية على الأرض خصوصاً وأن التعويل في العمليات البرية لا يمكن أن ينحصر على الفيلق الخامس والفرقة الرابعة، بالإضافة إلى بلورة تركية لموقف أمني “غربي – أوروبي داعم لسياستها الأمنية في الشمال السوري ومضادٍ للطموحات الروسية التي تسعى لتسود في المنطقة.

كل العوامل التي تم تخلصيها بجزئيات صغيرة في الأعلى، ستجعل من تركيا ترفض تكرار سيناريو حلب في إدلب، وربما أعطت تركيا مكانة قوية في مفاوضات الشمال السوري، على الصعيدين المحلي السوري والدولي التفاوضي، وجعل منها قوة أساسية في أي حل تنتظره محافظة إدلب، وهذه العوامل هي من جعلت الحكومة التركية على أعلى المستويات تتكلم بحزم حول مصير المحافظة، رغم تواجد هيئة تحرير الشام المصنفة على قائمة الإرهاب الدولي والتركي.

وهنا، لا بد من الإشارة، إلى إن الموقف التركي الرافض لأي تنازل حول مستقبل إدلب، قد ينتج عن تفاهمات دولية جديدة، وتبدلات في توافقات الحلفاء والخصوم، ولعل أبرزها، تفاهم أمريكي روسي، تحاول موسكو من خلاله الضغط على الجانب التركي لفتح ممر عبور عسكري لاحتياج إدلب، وفي ذات الوقت قد تلجأ واشنطن لمثل هذا الخيار لدفع أنقرة نحوها مجدداً، بعد الأزمة الأخيرة.

ولا بد من التنويه إلى إن مصير الشمال السوري، لا يمكن جزم مستقبله مع وجود التباينات الدولية لشركاء أستانا، وكذلك الموقف الأمريكي، الذي قد يدخل المشهد ويقلب الطاولة على الجميع دون استثناء، وفي حال تطبيق مثل هذا السيناريو، سنكون أمام إنزلاق جديد في سوريا، سيغير معادلات سيطرت على واقع سوريا الحالي.

تلفزيون سوريا: حسام محمد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

تركيـا لـن تكـرر سيناريـو حلـب في إدلـب

هيومن فويس تمتلك تركيا أوراق قوة هامة في المشهد السوري، تجعل منها قوة مؤثرة في تحديد مصير شمال سوريا، كما تواجه العديد من التحديات الدولية، أبرزها توتر العلاقة مع الحلفاء، وتقارب متوسط المدى مع المعسكر المضاد للحلف الأمريكي، وتلك القوة وهذه التحديات، جعلت من أنقرة تقفز للواجهة الإقليمية بقوة، مستفيدة من كلا العاملين المتضادين للعب دور أساسي في البوتقة السورية، أهمها رفضها تكرار سيناريو حلب في إدلب. سنتحدث بداية عن أوراق القوة التي تمتلكها تركيا في الشمال السوري، والتي تجعل قرارها صارماً بعدم تكرار ما عاشته حلب من قبل، من تسليم أحياء حلب الشرقية للقوات الروسية عبر المفاوضات ودون مقابل

Send this to a friend