هيومن فويس

بدعوةٍ من النظام السوري في دمشق، عُقد أخيرًا اجتماع بين وفدٍ من “مجلس سوريا الديموقراطية” (الكردي) والحكومة السورية، كان هدفه، كما قالت المصادر الكردية، وضع الأُسس التي تمهد لحواراتٍ أوسع وأشمل، ولحل كل المشكلات العالقة، و”تسهيل دخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، وإعادة مؤسسات الدولة إليها في مقابل اعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي.. ومنحه حقوقه الثقافية”، كما قالت أجواء دمشق.

في المحصلة، ها هو “مجلس سوريا الديمقراطية” الذي هو امتداد لـ”قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) وحزب الاتحاد الديموقراطي، وكلها تنظيمات تنسق مع حزب العمال الكردستاني، الإرهابي كما تراه أنقرة، والذي استبعد عن أكثر من طاولة حوار ومؤتمر إقليمي ودولي، بطلب من تركيا، يجلس اليوم مع النظام، فكيف ستتصرف أنقرة، وما هي حصتها في كل هذه التطورات؟

مطالب النظام السوري واقتراحاته التي قدمها قبل أسبوع إلى الوفد الكردي الذي يمثل “قوات سورية الديمقراطية” المفاوض في دمشق تكاد تلتقي كلها عند حقيقة إمساكه بخيوط الملف السوري في الداخل والخارج، شاء بعضُهم أم رفض. تسليم شرق سورية وشمال شرقها إلى النظام، ورفع العلم السوري ليكون الرمز الوحيد، وإلغاء الاتفاقيات والتفاهمات الموجودة بين الأكراد والقوى الغربية بشكل تدريجي، وتخلي “حزب الاتحاد الديموقراطي” عن فكرة الجيش الحدودي ومشروع الفيدرالية في مقابل نقاش مسالة اللامركزية الإدارية في سورية، مبادئ وأسس قد يقبل بها أي سوري يبحث عن إخراج بلاده من المستنقع.
الرئيس المشارك الأسبق لحزب الاتحاد الوطني (الكردي) السوري، صالح مسلم، يقول إن “قد تبدي تركيا ليونةً أكبر في قبول فتح خطوط الاتصال بين النظام والقوى الكردية” قرار التوجه إلى دمشق خيار ذاتي، لا دخل لأحد فيه، لكن الجميع يعرف أن المفاوض الكردي هناك كان يستقوي بموسكو وطهران، ويستفيد من تراجع نفوذ تأثير العواصم الإقليمية والغربية، وتفكّك قوى المعارضة السورية وتشتتها، وانشغال أنقرة بملفي إدلب ومنبج وبأزمة التوتر التركي الأميركي أخيرا. لا بل هو كان يفاوض النظام نيابةً عن واشنطن، وفي إطار تفاهمات روسية أميركية تمت في قمة هلسنكي.

ما جمع النظام والسوريين الأكراد حول طاولة واحدة هو إبلاغ موسكو أنقرة أنها لن تطلق يدها في إدلب وتل رفعت من دون مقابل، وأن الثمن على الأقل سيكون مساعدتها في الوصول إلى ما تريده، لناحية عدم عرقلة مشروعها في المفاوضات المباشرة السورية – السورية، وحماية دور النظام في المرحلة الانتقالية السياسية والدستورية، ثم قبول الصيغة التي ستقترحها موسكو حول إشراك “قوات سورية الديمقراطية” في صناعة المشهد السياسي الجديد، ما دامت تصرّ على موقع هذه القوات ودورها في تحرير سورية من جماعات “داعش” الإرهابية، لكن ما ساهم في صناعة المشهد أيضا في دمشق هو الولايات المتحدة الأميركية التي قبلت الاكتفاء بشرط حماية مصالح الحليف المحلي الكردي في سورية، ومحاصرة النفوذ التركي والإيراني، في مقابل تعهدات قدمها بوتين لترامب في هلسنكي، قادت إلى ترك روسيا تتحرّك كما تشاء في الجغرافيا السورية؟

نجحت موسكو أيضا في إقناع الأتراك بقبول ما تقوله هي إنّ المرحلة الانتقالية لا بد أن تأخذ في الاعتبار وجود الأسد أمام الطاولة، من دون أية تحديدات زمنية، وأن ترى قوات سورية الديمقراطية أمام هذه الطاولة لاحقا جنبا إلى جنب، مع بقية فصائل المعارضة السورية، وكان الثمن، كما يبدو، تعهدا روسيا لتركيا بعدم قيام الدولة الكردية المستقلة على حدودها الجنوبية، في مقابل عدم عرقلة (أو رفض) أنقرة للحوار بين النظام والمجموعات الكردية.

هل يعتبر الموقف الإسرائيلي أخيرا، ضرورة الحوار مع النظام في جنوب سورية والمناطق الحدودية، وكذا تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن استعداده للاجتماع مع نظيره الإيراني، حسن روحاني، من دون شروط مسبقة، لبحث سبل تحسين العلاقات، رسائل موجهة إلى أنقرة، قبل أن تكون موجهة إلى النظام أو إلى طهران نفسها حول انطلاق المرحلة الجديدة في ملف الأزمة السورية التي تأخذ المتغيرات السياسية والميدانية بالاعتبار؟

قد تتمسّك أنقرة في رفض التطبيع السياسي مع دمشق، لكنها قد تبدي ليونةً أكبر في قبول فتح خطوط الاتصال بين النظام والقوى الكردية، وربما لاحقا بين دمشق وقوى معتدلة في المعارضة السورية المقرّبة منها، إذا ما شعرت أن ما تريده في الملف السوري قد ينجح عبر هذا السيناريو. وقد قال الرئيس المشارك لحركة المجتمع الديموقراطي، آلدار خليل، قبل أيام، “لا نرى أننا بعيدون عن أن نكون طرفاً أكثر تأثيراً في إدلب، من خلال دعمنا اجتثاث الإرهاب هناك، والمساهمة في الحد من الدور التركي، وإفشال مخططات أردوغان في إطالة أمد الحرب، وتحقيق أهدافه في عفرين”. في المقابل، هناك ما ردّدته القيادات السياسية التركية مراتٍ حول أن أنقرة تريد تشكيل مناطق آمنة للسوريين، من أجل عودة مزيد من اللاجئين إلى بلادهم، عند الانتهاء من تطهير عفرين، والانتقال إلى المراحل الأخرى لخريطة طريق منبج، لكن أردوغان نفسه قال إن التطورات في سورية، سواء في منطقة تل رفعت أو منبج، “لا تسير حاليّا في الاتجاه المطلوب”، فهل هذا ما يدفع المجموعات الكردية للإعلان أنها جاهزة لتسليم المدن الواقعة تحت سيطرتها إلى دمشق، لسحب مبرّرات التدخل التركي في شمال سورية؟ المستفيد من ذلك كله سيكون مرة أخرى النظام في دمشق، وهو ما يعرفه أكثر من طرف، تتقدّمهم أنقرة.

وقد أعلنت تركيا أن أية عملية عسكرية ينفذها النظام في إدلب ستفسّرها أنها تتم بقرار روسي إيراني، لتهديد الاتفاقيات والتفاهمات المعلنة تحت سقف تفاهمات أستانة، لكن “قوات سورية الديمقراطية” أعلنت استعدادها للتوقف عن المطالبة بالنظام الفيدرالي، والعودة إلى التركيز على النظام اللامركزي، وإشعال الضوء الأخضر أمام عملية عسكرية مشتركة، تجمع قوات النظام والوحدات الكردية في إدلب ضد مجموعات جبهة النصرة هناك. ألن يفسّر تركيّاً على أنه محاولة محاصرة للنفوذ والدور التركيين، يقف من خلفها أكثر من لاعب محلي وإقليمي؟

هل ما نشر في الإعلام التركي، قبل أيام، عن وجود مفاوضات تركية روسية بشأن تسليم مدينة حلب للأتراك، لتولي ملف إعادة إعمارها وتسهيل عودة مئات آلاف اللاجئين السوريين إلى أراضيهم، ثم ربطه بمشروع تقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق نفوذ، هو عملية رد تحيّة تركية على التقارب الأميركي الروسي والكردي السوري مع النظام، والغزل المتزايد بين تل أبيب وأطراف عديدة.
التقارب بين النظام وقيادات “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي يعني أن أميركا تريد في منبج كسب عامل الوقت في مفاوضاتها مع أنقرة لمعرفة مسار الأمور في المباحثات بين دمشق و”قوات سورية الديمقراطية”، ولتحدّد، على ضوء ذلك، موقفها في شرق الفرات، وشكل خريطة التفاهمات مع تركيا، لكنه يعني أيضا أن أنقرة ستعيد ترتيب أولوياتها هي الأخرى في مسائل موقفها من دمشق.

بقي أنه إذا ما شعرت واشنطن أن أنقرة تتصلب في مطالبها ومواقفها السورية، وأنها تريد أن تلعب الورقة الإيرانية ضدها، فهي ستذهب مباشرة إلى طهران للحوار معها، بدل منح تركيا مثل هذه الفرصة والورقة. هل ما أعلنه ترامب أخيرا عن استعداد بلاده للحوار المباشر مع طهران، وإطلاق عملية التصعيد مع أنقرة، مقدّمة لهذا التحول في الموقف الأميركي؟ وتدرك أنقرة التي أفشلت خطة حرس الحدود الأميركية في شمال سورية، وحاصرت واشنطن في منبج، وتقدمت ميدانيا في إدلب، يراد لها أن تدفع، عاجلا أم آجلا، ثمن ذلك. والتقارب بين النظام و”قوات سوريا الديمقراطية” الذي شجعت الإدارة الأميركية عليه، ودخلت في عملية تفاهمات بشأنه مع موسكو، من دون أي تردد، هو جزء من الثمن الهادف إلى إضعاف تركيا وعزلها أكثر فأكثر في سورية.

العربي الجديد: سمير صالحة

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الأسد و"قسد" يداً بيد.. أين أنقرة؟

هيومن فويس بدعوةٍ من النظام السوري في دمشق، عُقد أخيرًا اجتماع بين وفدٍ من "مجلس سوريا الديموقراطية" (الكردي) والحكومة السورية، كان هدفه، كما قالت المصادر الكردية، وضع الأُسس التي تمهد لحواراتٍ أوسع وأشمل، ولحل كل المشكلات العالقة، و"تسهيل دخول الجيش السوري إلى المناطق ذات الغالبية الكردية، وإعادة مؤسسات الدولة إليها في مقابل اعتراف الدستور المقبل بالمكون الكردي.. ومنحه حقوقه الثقافية"، كما قالت أجواء دمشق. في المحصلة، ها هو "مجلس سوريا الديمقراطية" الذي هو امتداد لـ"قوات سوريا الديموقراطية" (قسد) وحزب الاتحاد الديموقراطي، وكلها تنظيمات تنسق مع حزب العمال الكردستاني، الإرهابي كما تراه أنقرة، والذي استبعد عن أكثر من طاولة حوار ومؤتمر

Send this to a friend