هيومن فويس

دخلت الهدنة حيز التنفيذ، ودخل معها الجدل إلى الساحة، ما بين مؤيد ومعترض ومتوقف عن حسم رأيه، في ظل تضارب واضح في قراءة المشهد، ما بين متفائل يرى الهدنة انتصاراً قد تحقق وهو مقدمة ضرورية لسقوط الأسد وإزاحته، وما بين متشائم يرى فيها خديعة لجرّ المعارضة إلى تنازلات قد تنتهي بشراكة الأسد والقبول بوجوده.

ولا شك أن لكل اتجاه أدلته ورؤيته وتحليله للأحداث، فالمتفائلون بها، يرون أن تركيا نجحت في لعب دورٍ هام لمصلحة الثورة من خلال علاقتها المتميزة مع روسيا مؤخراً، بعد أن أدركت تلاعب أمريكا بها، فانحازت لروسيا لحل الأزمة السورية، وأنها لن تقبل بأن يبقى الاسد في السلطة، كما أنها متفقة مع روسيا على تحييد النفوذ الإيراني وإضعافه في سورية، وهذا ما تم الحديث عنه عبر اشتراط خروج الميليشيات الأجنبية، ويمكن تلمس ذلك بوضوح من خلال غياب الدور الإيراني في المفاوضات التي تمت، ناهيك حتى عن غياب النظام، في ظل حضور الفصائل لأول مرة بشكل نديّ مع روسيا واعترافها بها كقوة موجودة، بخلاف ما كانت تروّجه عن مجموعات إرهابية متناثرة تستحق السحق، وفي هذا اعتراف بأن الحسم العسكري لروسيا وإيران غير ممكن وإلا لما تم الضغط باتجاه المفاوضات، وبشروط كانت ترفضها روسيا.

من الأمور الإيجابية أيضاً في هذه الهدنة، أنها ولأول مرة تشمل كل المناطق بما فيها المحاصرة، وتنصّ على إدخال المساعدات لها، كما أنها لا تستثني فصيلاً في المناطق المحررة، يمكن أن يكون استهدافه ذريعة لاستهداف كل الفصائل، ناهيك عن المدنيين.
الذين يميلون لهذه القراءة يرون أن الثوار قد فرضوا شروطهم مستغلين رغبة روسيا المتعجلة لتثبيت حلٍ سياسي قبل تغير إدارة “أوباما” التي تعاطت مع الملف السوري بأفضل ما تتمنى روسيا وإيران، فيما الاحتمالات تبقى مجهولة في قادم أيام الإدارة الجديدة، خاصة مع تصريحها بعزمها هزيمة إيران، واستهداف ميليشياتها في سورية، كما أن الحزب الجمهوري أكثر صرامة فيما يخص جرائم الأسد، وأكثر تحمساً لمعاقبته، خاصة بعد صدور قانون سيزر.

وروسيا تدرك أن ما تحقق لها من نصر في حلب، لم يكن بالأمر السهل، كما أنه ليس من السهل أيضاً المحافظة عليه، وأن الحرب في سورية كلفتها الكثير أخلاقياً، ومادياً، وعسكرياً، وأنها تورطت في مستنقع تريد الخروج منه، خاصة بعد تنامي النفوذ الإيراني على الأرض، وخشية روسيا من فقدان التحكم فيه، وما حصل في مفاوضات حلب أبرز ذلك بوضوح، مع إصرار إيران على إفشال ما تعهدت به روسيا، ومحاولتها لعب دور المسيطر، وهذا ما لا توافق عليه روسيا.

وأنها كانت فقط بحاجة إلى نصر يحفظ ماء وجهها، لتثبت أن تدخلها أسفر عن فائدة، ولتكون في موقع القوة حال فرضها شروطاً قاسية على النظام، بحكم كونها صانعة انتصاراته.

يرى هذا الفريق أن المفاوضات ستسفر عن رحيل الأسد حتماً، وأن روسيا تدرك أن من تسميهم بالمعارضة المسلحة لن توافق على أي مفاوضات ينتج عنها بقاء الأسد في الحكم، وهذا ما أكده وزير الخارجية التركي، وبالتالي فالاتفاق جاء خلافاً لرغبة بشار الذي كان يهدد ويتوعد بالحسم العسكري، بل لم تترك له الفرصة أصلاً في حسم ملف معقد مفتوح لديه في منطقة وادي بردى، والذي تسبب بانقطاع المياه عن العاصمة، في ظل ما أسماه تعنت المسلحين عن قبول المصالحة والتسوية، ولعل هذا ما جعل “بوتين” يتصل “ببشار” عقب الاتفاق ليصدر أوامره له بعدم الخرق، فيما تحدث “ديمستورا” في وقت سابق أن “بوتين” أخبره أنه قال للأسد: “اسمع، نحن نساعدك لكن ستحين اللحظة التي سنتوقع فيها منك أن تطبق فعلًا عملية انتقال سياسي”.

كما يرى هذا الفريق أن تركيا لا يمكن أن توافق على حل يتضمن بقاء بشار الأسد، وأنها حليف موثوق، خاصة بعد دعمها لكل مطالب الثوار في المفاوضات، ناهيك عن احتضانها للثورة والمعارضة طوال الفترة السابقة من عمر الثورة.

أما المتشائمون المعترضون: فيرون أن هذا الاتفاق جاء في وقت ضعف للثوار بعد تراجعهم في حلب، وأنه تم بضغوط تركية على الفصائل لقبول هذا الاتفاق وتلويح بقطع الدعم، أو على الأقل بتشجيع منها، وأنه كان ينبغي على الفصائل أن ترفض ذلك لما يمكن أن ينتج عنه من تنازلات مستقبلية، لصالح النظام وروسيا.

فما لم يتنازل عنه النظام ويعطه للمعارضة في الميدان، لن يمنحهم إياه في المفاوضات، وما هذا الفصل من الهدنة إلا تلاعب بالثوار، ومراهنة على إضعاف معنوياتهم وشق صفهم، بما قد يجرّهم إلى اقتتال داخلي، ومطبات سياسية، ينتج عنها توريط باتفاقات مذلة لا تخدم الثورة.

وأن روسيا لو كانت صادقة في حل الأزمة السورية، لما قامت بكل هذه الجرائم الوحشية، ولما أصرّت للأمس القريب على حسمٍ عسكري في حلب، وإخراج الثوار منها، خاصة أنها لم تتحدث عن مصير بشار في هذه المفاوضات.

أصحاب هذه القراءة يرون أن تحييد الحلفاء التقليديين للمعارضة كالسعودية وقطر، أيضاً يصبّ في خدمة الروسي في التفرد بالمعارضة، مع ضبابية وخوف من المجهول فيما يمكن أن يكون عليه الموقف التركي، الذي بدا واضحاً أن سياساته قابلة للتغيير، خاصة بعد التقارب الروسي الذي يمكن أن ينتج عنه صفقة تضمن بموجبها تركيا أمنها الحدودي، على حساب الثورة.

وبالتالي يرون أنه كان ينبغي على الثوار أن يرفضوا هذه الهدنة، وأن لا يقعوا في فخها، وأن يستعيضوا عن ذلك بالعمل الميداني الذي يرجح الكفة ويفرض القرار.

ليس من المهم أن أقول أين تصب رؤيتي بين هذين التحليلين والاتجاهين، – وإن كنت أميل للأول ولا أدري هل هي حقيقة أم رغبة في أن يكون ذلك صحيحاً- خاصة أن هناك أموراً لم تتضح بعد، وأنه لا يمكن المراهنة على مواقف الدول الأخرى، كأمريكا وإيران، فأمريكا التي بدا أنها راضية في العلن عن وقف إطلاق النار، قامت بالأمس بحركة غير مسبوقة بطرد عدد كبير من الدبلوماسيين الروس من أراضيها، في خطوة قد تعكس امتعاضها الشديد من تفرد روسيا بالحل في سوريا، ومع توعد روسيا بالرد فالأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها عرقلة أمريكا للهدنة من خلال دعم فصائل معينة قد تكون في الجنوب حيث التأثير التركي ضعيفاً، للقيام بمعارك تخلط الأوراق، كما أن إيران غير مسرورة للشروط التي وضعت عليها بخروج ميليشياتها وإضعاف دورها، وستسعى بلا شك لإفشال الاتفاق.

المهم فيما سأقوله هو: أنه – وبغض النظر عن موقفنا منها- فهناك واجبات ينبغي علينا أن نقوم بها إزاء ما تم الاتفاق عليه وصار أمراً واقعاً أهمها:

أولاً: إعادة ترتيب البيت الداخلي للثورة، من خلال دراسة الأخطاء وتلافيها، وتغيير التكتيك المتبع الذي أوصل الثورة لهذا الانسداد والتراجع، وهذا يتطلب جرأة في القرارات، وصلابة في تنفيذ الإصلاح، ومصارحة في تحديد الخلل.

ثانياً: لا بد من الخروج من حالة الفصائلية، إلى حالة الجسم المنظم الذي تحترمه الدول، ويمكن أن ترى فيه بديلاً عن النظام، وهذا يتطلب تكثيف الجهود للوصول إلى هذا الجسم الذي يجب أن يكون ذا صبغة ثورية واضحة، دون شطط في الأهداف، ودون أدلجة تقسم الثورة، وتعيق حركتها، وتحمّلها ما يرهقها.

ثالثاً: على الصعيد العسكري: لا بد من الاهتمام بتحصين الجبهات الدفاعية، بشكل قويّ، يقاوم السياسة التدميرية المتبعة من قبل الطيران الروسي، ويزيد من فرص الثبات والمقاومة، كما لا بد من العناية بالمعسكرات التدريبية لإعداد نخبة قتالية متميزة، تُعنى بالنوعية على حساب الكم والعدد، والأهم من كل ذلك لا بدّ من إعادة دراسة الجدوى للمعارك القادمة، وعدم هدر الطاقات في معارك جانبية هامشية، بل لا بد من اعتماد المعارك الأساسية الثلاث (الساحل، دمشق، حماة باتجاه حمص) وكل معركة لا تصب في خدمة هذه المعارك الثلاث، ينبغي أن تحيّد وأن تكون دفاعية فقط.

رابعاً: على الصعيد الإعلامي: لا بد من إعادة صياغة إعلام ثوري فاعل، يرفع الروح المعنوية للشعب الثائ، ويعيد له الثقة بثورته، ويجدد فيه الأمل، ويقتلع الإحباط الذي غرسه إعلام العدو في النفوس، ويركز على الجوانب المضيئة، ولا يغفل النصح في السلبيات.

خامساً: على الصعيد السياسي: لا بد من إعادة إنتاج جسم سياسي معترف به من قبل الفصائل، أو العمل على إصلاح ما هو قائم رغم صعوبة ذلك، لأن الحالة السياسية أثبتت فشل الأجسام السابقة، بأسباب ذاتية وخارجية، واستمرارها بهذا الشكل لا يخدم الثورة، ولا موقف الثوار.

سادساً: الحذر من الاقتتال الداخلي، الذي ينمو في بيئة الهدن، والطريق الأنجع لتلافيه هو الاستعداد للمعارك، وعدم إضاعة الوقت، أو الركون للدعة، فالعدو ماكر، ونحن بحاجة إلى تعديل موقفنا، وترجيح كفتنا، وهذا يمكن أن يتحقق في حال نجحنا بإعدادٍ قوي للمعارك الحاسمة، وحشدنا لها من الآن بكل قوة، وجعلناها هدفنا الذي إن كنا جاهزين له لن نعدم خرقاً من العدو يبرر لنا قيامنا بهذه المعركة.

سابعاً: إعادة روح الثورة في نفوس العامة، وإحياء المظاهرات الرافضة لبقاء النظام وأركانه، فهي البوصلة التي توجه المفاوضين إلى الحذر من أي تفريط بثوابت الثورة، أو التنازل عن دماء الشهداء وحقوق المعتقلين.

هذا أهم ما يمكن قوله في هذا السياق، وكنت قد أوضحت في مقالات وأبحاث سابقة رأيي في الهدنة، وما يجب أن تكون عليه، وأنتظر قادمات الأحداث لنرى ما يمكن أن نضيفه من أفكار حسب المستجدات الحاصلة.

المصدر: أورينت نت- د. عبد المنعم زين الدين

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

وقف إطلاق النار..بين التأييد والاعتراض والواجبات

هيومن فويس دخلت الهدنة حيز التنفيذ، ودخل معها الجدل إلى الساحة، ما بين مؤيد ومعترض ومتوقف عن حسم رأيه، في ظل تضارب واضح في قراءة المشهد، ما بين متفائل يرى الهدنة انتصاراً قد تحقق وهو مقدمة ضرورية لسقوط الأسد وإزاحته، وما بين متشائم يرى فيها خديعة لجرّ المعارضة إلى تنازلات قد تنتهي بشراكة الأسد والقبول بوجوده. ولا شك أن لكل اتجاه أدلته ورؤيته وتحليله للأحداث، فالمتفائلون بها، يرون أن تركيا نجحت في لعب دورٍ هام لمصلحة الثورة من خلال علاقتها المتميزة مع روسيا مؤخراً، بعد أن أدركت تلاعب أمريكا بها، فانحازت لروسيا لحل الأزمة السورية، وأنها لن تقبل بأن يبقى

Send this to a friend