هيومن فويس

صدق من وصف الثورة السورية بـ الثورة اليتيمة، فمنذ شرارتها الأولى وحتى يومنا الحالي، لم يجد السوريون الثائرون سنداً حقيقياً واحداً لهم محلياً من القوى التي تصدرت المشهد، وكذلك كانت الدول التي صنفت نفسها كداعماً لها، ناهيكم عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذين تحولا لمنصات ندب وشجب، بعد أن بينت المنعكسات الواقعية انغماسهم لصالح المشاريع الدولية الروسية والأمريكية، وحتى الإيرانية في سوريا، تأييداً للأسد ونحراً للثورة، واقتلاع جذور السوريين من موطنهم.

التمييز بين الثورة والمعارضة، حدث بغاية الأهمية، فالأولى محورها شعب انتفض بوجه الطغيان، سلمياً وعسكرياً، محاولاً انتزاع حريته مهما كلفه الثمن، أما المعارضة، فهي هيكيلية سياسية وعسكرية كانت وما زالت متفككة، غير سيادية ولا إدارية، لكنها رغم ضعفها وهزليتها، مثلت الثورة في الأروقة الدولية، دون أن تحقق أي إنجاز يذكر، رغم التحولات التي طرأت عليها، فإنها كانت عنواناً للفشل الذريع، رغم الإمكانيات الكبيرة التي حصلت عليها إبان عصر الثورة الذهبي.

لهيب الثورة وأنوراها، استمرت بدماء أبنائها وتضحياتهم، وتحملهم للموت والقهر والحصار، تخلى من تبناها وحافظ عليها عن أملاكه ومنازله وباتوا مهجرين يعانون أينما حلوا وارتحلوا، قدموا كل ذلك مقابل ألا تموت الثورة في قلوبهم، ولا توأد الأحلام التي تحاول غالبية الجهات المتداخلة في الصراع السوري تحويلها إلى كوابيس.

المعارضة هي رأس تم تفصيله وفق المقاسات الدولية لجسم ليس بينهما انسجام، فرأس الثورة يختلف كلياً عن جسدها، وعلى ما يبدو كانت هذه الحركة المقصودة، هدفها عرقلة الثورة من داخلها، وتزييف الحقائق، بأن الرأس مصمم لإدارة الثورة وتثبيت نجاحاتها، ولكن في الخفاء له وظائف أخرى مغايرة تماماً، لما هو معلن.

يبطل العجب، وتصدق الوقائع عند النظر إلى المراحل الذهبية من عمر الثورة، سلمياً وعسكرياً، إذ نجد أن كافة المحافظات السورية، لبت نداء درعا، لم توقفهم مدافع الأسد ولا دباباته، رغم تنكيله بهم، وعندما ملكت- أي الثورة- جناحاً مسلحاً وطلقات اُشتريت بحلي النساء ومصاغهم، فرض أهل الثورة كلمتهم في الميدان.

لكن من المعروف، أن أي سيطرة عسكرية، ما لم تتبعه آلية تنظيمية وإدارية متكاملة، من سياسية واقتصادية وخدمية وتعليمية، وغيرهم، ستصبح الفوضى هي الخيار البديل، وهنا غابت المعارضة السياسية عن المشهد بالكامل، وبدلاً من أن تدخل المناطق لتقودها وتنظمها، قدمت الأموال لذلك المجلس أو الهيئة أو المركز، فكانت النتائج لا تذكر أمام الحالة العامة للثورة التي بدت قاب قوسين أو أدنى من انتزاع حريتها والتخلص من النظام الديكتاتوري.

عهد الذروة وقمة الانتصار، انقلب إلى انهيار تدريجي، مناطق تستعيدها قوات النظام السوري، والميليشيات الموالية له، فساد مالي وتنظيم رديء ينتشر داخل المناطق المحررة، سببه الأول والأخير، أن المعارضة لم تكن على قدر المسؤولية لضبط وحكم تلك الجغرافية.

مع تراجع المعارضة عن مهمتها والمفترض تواجدها لأجلها، بدأت تطفو على الواجهة مظاهر أخرى لم تكن في الحسبان، لعل أبرزها القاعدة والتنظيمات المتطرفة، تلك المنتجات التي صدرتها الاستخبارات الدولية لتضليل المشهد الحقيقي في سوريا.

في المشهد العسكري، أفسد الدعم الدولي المشروط للجيش السوري الحر، قيادات الأخير، وجنده من حيث لا يدري، وبدلاً من أي يتم استخدام المال لتحقيق الهدف المنشود، تحكم المال بالتشكيل، فحرفه عن أهدافه، وحَزبه، حتى بتنا لا نجد مدينة واحدة عسكرياً على قلب قرار واحد، ومرجع ذلك إلى التبعية وتعدد.

المضحك المبكي، أننا بتنا نُعرف التشكيلات العسكرية من خلال داعمها، فهذا الفصيل دعمه خليجي وذاك أمريكي، وذلك موك، وآخر موم، ناهيكم عن التوجهات المضللة لأهداف الثورة، التي لم تكن تنتظر يومياً أن يتم تجنيد  الجيش الحر، ليصبح إسلامي أو معتدل أو علماني، بل كانت الثورة تريد جيشاً لها، لا للداعمين، جيش يحميها ويحمي أهداف أبنائها وتطلعاتهم، لا يحقق مطالب الدول وينفذ أجنداتها.

لعل ما حصل في درعا مؤخراً، خير دليل على ذلك، إذ إن قيادات التشكيلات العسكرية، لبت أوامر داعميها، وتتخلى تنفذ المهام المشرفة التي تبنتها، فدرعا التي طردت الأسد وفرقه العسكرية بالأسلحة الخفيفة، سقطت اليوم، رغم امتلاك جيشوها متعددة التوجه والدعم لترسانة عسكرية ليست بالقليلة، لكن المشكلة ليست بالسلاح بل بقيادات العسكر والساسة.

المشهد في الجنوب، كان شرخاً واضحاً بين أبناء الثورة وعسكرها، الأهالي هاربون من الجحيم المنتظر على يد الروس والإيرانيين والأسد، وقيادات سلمت الأرض والسلاح، ومضت، تاركة خلفها إرثاً من المصائب، لا يدري الواقعون فيه، كيف المفر منه.

على الجانب السياسي، كان الحال أشد سوءاً، فالساسة لا يحلون ولا يعقدون، يسافرون إلى المفاوضات، ويعودون بخفي حنين، إنجازات في الداخل السوري معدومة، فهذه الكيانات السياسية بعد مضي ثماني سنوات من عمر الثورة، لم تنجح بضبط مدينة واحدة على إيقاع واحد، ولم تقنع السوريين بأدائها، وكذلك فعلت مع المجتمع الدولي الذي لا يعيرها أي اعتبار، وما حصدته المعارضة في المحافل الدولية يعكس وزنها وشدة تأثيرها.

مجلس وطني، ائتلاف، منصات، هيئة عليا، وفود، جميعهم لم يقدم أي شيء يذكر للداخل السوري، ولم يحقق أي انتصارات في المعارك الدولية، ففي المدن المحررة، الحكم بيد العسكر، ولصالحهم، والمعارضة تقدم بعض الخدمات هنا وهناك، فهل هذا كافي لخلق واقع جديد؟ أو نظام حقيقي قادر على تلبية رغبات السوريين وأحلامهم؟

المشهد في الجنوب، كان شرخاً واضحاً بين أبناء الثورة وعسكرها، الأهالي هاربون من الجحيم المنتظر على يد الروس والإيرانيين والأسد، وقيادات سلمت الأرض والسلاح،

ناهيكم، أن المعارضة لم تنجح بضبط معبر حدودي بشكل منظم خارج الأطر العسكرية، ولم تجمع التشكيلات العسكرية بوزارة واحدة، ولم تضبط الحركة المالية الوافدة للفصائل أو الهيئات والمؤسسات، حتى الدول التي كانت تقدم لها الدعم المالي، تخلت تدريجياً عنها، فهذه المعارضة التي لم توافق بين الفصائل، ولم تحقق أدنى مطالب المدنيين، هي معارضة غير مؤسوف عليها، ورحيلها أفضل بكثير من تحولها إلى جبل من الكارثة يقبع في صدور الثائرين.

إذا، الثورة السورية، تعاني بمسارين هامين، الجانب العسكري القيادي، والجانب السياسي الريادي، وإن تحول كليهما إلى معارضة دولية تمثل مصالح الدول الداعمة لها، أو المجندة لصالح الاستخبارات، وتخليها عن الإحاطة بأهل الثورة وقيادتهم، يحولهما لأعباء لا إلى وسائل لتحقيق الآمال والأهداف.

وبالتالي فإن بقاء القيادات الحالية في سدة الحكم العسكري والسياسي، فإن حال الثورة السورية لن يتغير، إلا نحو المزيد من الهزائم والانتكاسات، وأن المعارضة إن لم تتحرر من القيود الدولية التي وقعت فيها طوعاً أو كرها، لن يبقى لها سوى طريق الشجب والتنديد، والمناشدة بأفضل الحالات

تلفزيون سوريا: حسام محمد

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الثورة والمعارضة.. جسد ورأس لا انسجام بينهما

هيومن فويس صدق من وصف الثورة السورية بـ "الثورة اليتيمة"، فمنذ شرارتها الأولى وحتى يومنا الحالي، لم يجد السوريون الثائرون سنداً حقيقياً واحداً لهم محلياً من القوى التي تصدرت المشهد، وكذلك كانت الدول التي صنفت نفسها كداعماً لها، ناهيكم عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذين تحولا لمنصات ندب وشجب، بعد أن بينت المنعكسات الواقعية انغماسهم لصالح المشاريع الدولية الروسية والأمريكية، وحتى الإيرانية في سوريا، تأييداً للأسد ونحراً للثورة، واقتلاع جذور السوريين من موطنهم. التمييز بين الثورة والمعارضة، حدث بغاية الأهمية، فالأولى محورها شعب انتفض بوجه الطغيان، سلمياً وعسكرياً، محاولاً انتزاع حريته مهما كلفه الثمن، أما المعارضة، فهي هيكيلية سياسية وعسكرية كانت

Send this to a friend