هيومن فويس

المعلوم ان امريكا ولغاية عام ١٩٩٢ كانت تتبع سياسة ( الاقطاب المزدوجة ) للتعاطي مع ايران والسعودية، الا ان غزو الكويت من قبل العراق الذي لن نغوص في ظروفه فليس هذا من ضمن اهداف بحثنا، ادى لأن تطور امريكا من سياستها في المنطقة والاقليم لتتبع سياسة مع ( العراق + ايران ) هدفت الى احتواء البلدين على انهما خصمين غير مواليين للولايات المتحدة ويجمعهما رغم خلافهما البيني حالة من العداء لامريكا.

وبالمناسبة هنا لا بد من التذكير ان ايران لم تغب عن متابعة الامريكان حتى لجهة ادق التفاصيل منذ ماسمي ( ثورة اسلامية ايرانية ) اطلقها الخميني من باريس على مرأى ومسمع كل اجهزة المخابرات العالمية.

– ففي العام ٢٠٠٢ اعلن الموساد عن اكتشافه للمشروع النووي الايراني، – وفي العام ٢٠٠٣ تم تصنيف منظمة مجاهدي خلق على انها منظمة ( ارهابية ) وفق مقاييس الامن القومي الامريكي.

اعود للتأكيد انه حتى عام ١٩٩٢ كانت امريكا تتبع سياسة الاحتواء للعراق وايران على اعتبار انهما نظامان غير حليفان، ومع احتلال العراق من قبل الامريكان فتحت الابواب صوب التوجه تصعيدا نحو ايران.

فإيران وباحتلال العراق استشعرت ان الخطر بات داهما، وربما ادركت انها يمكن ان تكون على لائحة القادمة لامريكا في المنطقة، وعليه فإن هناك معلومات مؤكدة تقول ان الرئيس الايراني خاتمي كان قد بعث في حينها وعبر السفير السويسري في طهران ( التي كانت سفارة بلاده مفوضة لمتابعة رعاية المصالح الامريكية في ايران )، كان قد بعث برسالة يعرض فيها التخلي عن كل شعارات ايران لجهة القول والفعل ومن ضمنها التخلي عن الملف النووي ، وقطع علاقاتها مع المنظمات الفلسطينية ( حماس – الجهاد الاسلامي ) وكذا التوقف عن دعم حزب الله اللبناني، وايقاف العمل كليا ببرنامجها الصاروخي والتخلي عن التذرع بتحرير القدس وعروبة فلسطين ووقف حالة العداء مع الكيان الصهيوني .

وجهت هذه الرسالة الى الرئيس الامريكي ( جورج W بوش ) في العام ٢٠٠٣ وبالتوازي مع احتلال العراق، الا ان الاخير رفض ما قدمته ايران من التنازلات .
في هذه الظروف وبذات التوقيت تماما زار ( كولن باول ) دمشق والتقى الرئيس الاسد وابلغه بمضمون قائمة المطالب الامريكية المطلوب من دمشق الانصياع لها وهي عبارة عن املاءات تتضمن جملة مما كانت قد قدمته حكومة طهران من تنازلات لجهة تصفية القضية الفلسطين و لمصلحة الدولة العبرية، يضاف اليها جميعا قطع العلاقات مع ايران ، بعد ان اشار باول خلال لقائه بالاسد الى سقوط حزب البعث العربي الاشتراكي واحتلال العراق، حيث باتت امريكا والحال هذه جار لصيق لسورية في حدودها الشرقية الا ان التعاون كان في حينها بذروته بين ( دمشق – وطهران ) فرفض الاسد العرض الامريكي الذي حمل اضافة للتهديدات كم من المغريات، واشتعلت الارض تحت اقدام الامريكان من خلال مقاومة الاحتلال في العراق والذي كانت دمشق هي العمق الاستراتيجي لها ( المقاومة ) مشكلة بالنسبة لها ظهيرها القوي، وهناك من يحاول ان ( يمسخ ) او ( يسخف ) الفكرة و ( يقزمها ) ليقول ان ( الاسد ) رفض ماكان قد نقله ( كولن باول ) ردا على رفض الرئيس الامريكي لعرض ايران، وعليه فقد باتت دمشق ويران بكفتي ميزان بالنسبة للامريكان.

طبعا قامت الدنيا ولم تقعد فقتل الحريري، وكانت حرب تموز ، واستقلت عمليا حركة ( حماس ) في غزة .
باختصار انقلبت ( ايران ) تماما على الامريكان وماكان يقال صمتا اصبح يقال على العلن وبعالي الصوت وبلهجة التحدي .
– من يتمعن بشروط الخارجية الامريكية التي دفع بها الوزير بومبيو الى حكومة طهران بعد خروج امريكا من الاتفاق النووي يلاحظ انها شبه متطابقة مع ماكان قد قدمه خاتمي في العام ٢٠٠٣ ابان احتلال العراق من قبل الامريكان وكانت الغاية في حينها طبعا هي المحافظة على النظام الايراني .
من يدقق يلاحظ ان ماطلبه بومبيو مؤخرا من طهران هو قريب جدا مما كان قد طلبه ( باول ) من دمشق وهو ماكانت كانت قد عرضته طهران على واشنطن عام ٢٠٠٣، وهذا يمكننا من ان نأخذه على محمل انه ربما توافق طهران على الاملاءات الامريكية.

– من يدقق يلاحظ ان ماحدث بعد انسحاب امريكا من الاتفاق النووي الموقع مع ايران يعيدنا الى العام ٢٠٠٣ لنشاهد :
– الملف النووي عاد مقيدا .
– ايران مقيدة بالشروط التي اعلنتها ( الادارة الامريكية ) وهي الاقرب الآم ( لان تكون حكومة حرب او حكومة عسكرية ) .
– تصاعد الحرب الاقتصادية.

– هذا ربما يؤدي الى احتمال ان تتوقف بعض الصناعات الايرانية ذات الصبغة الاستراتيجية ( النفط + السلاح ) .
وهنا لابد من التدقيق لجهة انه وبعد رفض عرض خاتمي من قبل الادارة الامريكية، وبعد رفض القيادة السورية تهديدات كولن باول بات ( اللعب الايراني + الامريكي ) على المكشوف لجهة :
– تنسيق وتعاون بين ( دمشق + طهران ) كاد يصل حد التحالف وقد وصل فعلا نتيجة للحرب السورية 
– تمت زيادة الدعم ، او المباشرة بالأحرى بالدعم غير المحدود لحزب الله في لبنان .
– ذات الشيء تم بالنسبة للحوثيين في اليمن، وكانت بالتالي اول حرب بينهم وبين نظام علي عبد الله صالح عام ٢٠٠٤ .
يبدو ان التوجه الذي تسعى امريكا لتحقيقه الآن اتجاه ايران وهذا من المتوقع ان يكون مثار بحث خلال قمة الرئيسان ( ترامب – بوتين ) لجهة ان تنكفيء ايران ضمن حدودها، بعد ان تم استزافها تماما نتيجة مشاركتها في حروب المنطقة والعودة بها لمكان تكون عنده وفيه بلا حزب دعوة في العراق، وكذا بلا حزب الله في لبنان ، وذات الشيء في اليمن الذي يجب ان يكون بلا حوثيين .
ويبقى السؤال هنا :
– هل ستهزم ايران ام ستنتصر، سيما ان حدث وباعها بوتين، وخضع لاغراءات قد يقدمها له ترامب خلال القمة المزمع عقدها في هلسنكي في ١٦ من الشهر الجاري، ولن ننسى هنا ضغط ( الاسرائيليين ) الذين يقولون انهم يعيشون عصرهم الذهبي مع الروس في ظل بوتين؟.
– هل ستقوى على مواجهة كل هذه الضغوط سيما ان رفع الروس يدهم عن ايران ، او اقله وقفوا على الحياد؟ .
اقول وانا مرتاح الضمير ان دمشق كما كانت يوما قلب العروبة النابض ، هي اليوم بالنسبة للمشروع الايراني ( واسطة عقده ) فإن هي فرطت فرط العقد بكامله.
اقصد ان اضطرت ايران الى القبول اوالتراجع ترغيبا او ترهيبا في سورية، فإن هذا سؤدي الى سقوط كل ما كانت قد ادعته او اعلنته ( ثورة ايران الاسلامية ) من شعارات!.
– هل لهم القدرة على مواجهة عمل عسكري يعد له تحالف الآن وهذا مايسعى اليه ( الاسرائيليون ) والامريكان ؟.
* الملاحظ ان القمة بين الزعيمين ( بوتين – ترامب ) تأتي في سياق مايقال عنه او مايسمى ( صفقة القرن )، والموضوعية هنا تلزمنا بأن نقول انها اي ( صفقة القرن ) لم تعدو ان تكون ظاهرة اعلامية ابعد ما تكون عن اتفاق او تسوية سياسية او حركة او التفاف ديبلوماسي .
التفسير الوحيد الذي يمكن لنا ان نخلد له او نركن اليه لجهة تفسير صفقة القرن هو بعث ( المبادرة العربية للسلام ) التي كانت قد اقرتها قمة بيروت .
ان حدث كان هذا، او حدث شيء من هذا القبيل، وقد عرضنا اليه اعتراضا في بحثنا لاتصاله من حيث النتيجة مع ما يجري الاعداد له من اجل ايران لجهة اعادتها لحجمها المقرر لها، وانكفاؤها ضمن حدودها، فأن اقرب للاعتقاد ان ( ايران ) ستعترف ( بدولة الكيان ) وقد تحدث روحاني بشيء من هذا القبيل من احدى العواصم الاوربية، وهذا مايمكن ان يحمي نظامها من الانهيار، وربما نراها ومن اجل هذا لاتعترف ( باسرائيل ) فحسب بل ربما نراها وهي تستجدي الامريكان ان هي وضعت بين خيارين :
– التراجع عن كل ماكانت قد اعلنته لجهة ثورة اسلامية وتصدير لها، وكذا القدس وفلسطين والشيطان الاكبر وحالة العداء مع الامريكيين، وانا هنا على مايشكل لي اعتقادا ان ايران ( ولاية الفقيه ) بشكلها الحالي لن تستمر .
وبالتالي فإن القادم سيرينا ماستكون عليه ايران فهي امام احتمالين لاغير اذا ماتجاوزنا العمل العسكري الذي لانريد له ان يكون حلاً :
– ان تغير ايران نظامها السياسي، مع الابقاء على نظامها الاقتصادي في شكل اداء يقارب ما هو عليه النظام الصيني ، واقصد هنا ايران بلا تصدير ثورة وبعيدا عن كل هذه الادعاءات .
– او سنكون امام اصلاحات سياسية واقتصادية وهي بذا تكون اكثر محاكاة للتجربة التركية .
* باختصار ( ايران ) ولاية فقيه او تصدير ثورة هذا سينتهي بايجابية قانعة او سلبية مانعة.
فإيران الان وبما هي عليه دولة مارقة على الاقل وفق معايير الامن القومي الامريكي .
* ويبقى الخيار ايهما سيكون اولا ً: 
– عقد صفقة القرن التي تعني ( عقد صلح مع اسرائيل )؟! .
– ام القضاء على ولاية الفقيه ؟!.
وهنا سنكون حتماً امام علاقة جدلية بين الثلاثي ( العربي – الايراني – الاسرائيلي ) لجهة ماسيكون عليه القادم يمكن ايجاز هذه العلاقة بالتالي :
– هل سيعلن العرب صلحهم العلني متحالفين مع دولة الكيان لجهة ( الدول التي لازالت علاقاتها مستترة معها )، شريطة ان تقوم ( اسرائيل ) بعمل عسكري تكون فيه هي البادئة، ضمن تحالف دولي يقال انه قد تشكل من ٢٤ دولة، بهدف اسقاط النظام الايراني؟ .
– ام سيتحالف العرب مع دولة الكيان للقيام باستهداف ايران واسقاط نظامها المصدر للثورة ؟.
* سيبقى هذا في طي التوقعات الى ان يحين الاوان .
* لكن اعتقد يجب ان يبقى هذا ماثلا في الاذهان، وكذا فيجب ان يوضع دوما في الحسبان، حتى تنفض قمة الرئيسان ونستمع للبيان المشترك.
يتبع :
انتظروني في الجزء الخامس من هذه الدراسة التحليلية، حيث سأفردها لانعكاسات معارك الجنوب السورية على لقاء القمة بين ( ترامب – بوتين ) وكذا على مسار التسوية عموماً.

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الصندوق الأسود عن الاتصالات السرية بين طهران وواشنطن

هيومن فويس المعلوم ان امريكا ولغاية عام ١٩٩٢ كانت تتبع سياسة ( الاقطاب المزدوجة ) للتعاطي مع ايران والسعودية، الا ان غزو الكويت من قبل العراق الذي لن نغوص في ظروفه فليس هذا من ضمن اهداف بحثنا، ادى لأن تطور امريكا من سياستها في المنطقة والاقليم لتتبع سياسة مع ( العراق + ايران ) هدفت الى احتواء البلدين على انهما خصمين غير مواليين للولايات المتحدة ويجمعهما رغم خلافهما البيني حالة من العداء لامريكا. وبالمناسبة هنا لا بد من التذكير ان ايران لم تغب عن متابعة الامريكان حتى لجهة ادق التفاصيل منذ ماسمي ( ثورة اسلامية ايرانية ) اطلقها الخميني من

Send this to a friend