هيومن فويس: خليل المقداد

خليل المقداد: كاتب وباحث سياسي سوري

إنَّ المساعي التركية لإنقاذ أهالي حلب السورية تعتبر رداً للجميل الذي قدّمه أجدادهم للأتراك في معركة الاستقلال التي سبقت إعلان الجمهورية في عشرينات القرن الماضي، حيث كان 6 آلاف من أهالي حلب إلى جانبنا في معركة جناق قلعة، ولو تركناهم الآن وحدهم في محنتهم، فإنَّ التاريخ لن يغفر لنا هذه الخطيئة ولم يهتم أحد بشؤون المحاصرين في حلب بقدر الاهتمام الذي أظهرته تركيا تجاههم، فلو تركنا هؤلاء المحاصرين تحت القصف والجوع، عندها سنخجل من إنسانيتنا وإسلامنا.

جاء هذا الكلام خلال كلمة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، التي ألقاها يوم الأحد 25 ديسمبر/ كانون الأول 2016، خلال اجتماع تشاوري مع المخاتير، في ولاية أنطاليا التركية المطلة على البحر الأبيض المتوسط.

بداية ومن باب الإنصاف، لا يمكن لأي كان أن ينكر الدور الإنساني الرائع الذي لعبته تركيا طوال سني الأزمة السورية، حيث تفوقت بإنسانيتها على الجميع، وذلك من خلال التسهيلات التي قدمتها للاجئين السوريين, والتي جعلتهم يشعرون وكأنهم في وطنهم الثاني، فالأتراك لم يعاملوا السوريين كلاجئين، بل كإخوة وضيوف، فسمحوا لهم بحرية الحركة والعمل، حتى مخيمات اللجوء على الجانب التركي لم تغلق يوماً، وكانت مزودة بكل ما تحتاجه من خدمات وبإمكانات ذاتية، زد على ذلك أنها تعاونت مع كل من أراد مد يد العون والمساعدة من جمعيات خيرية ومنظمات إغاثة، فسهلت لهم الحكومة التركية مهام عملهم ولم تصادر أو تقتطع أي جزء من هذه المساعدات، لقد وصل الأمر حداً أن السوريين كانوا يعبرون الحدود جيئة وذهاباً ودونما عوائق أو حواجز.

تتالت الأحداث ودخلت سورية والمنطقة في مرحلة من التعقيدات، نتيجة معارك كسر العظم ومحاولات الأطراف الفاعلة فرض أجنداتها على الآخرين، خاصة مع بداية التدخل العسكري الروسي أواخر الشهر التاسع من العام 2015، هذا العام الذي شهد على نكسات عسكرية لنظام الأسد وحرس إيران الصفوي وميليشياته الشيعية، ليأتي التدخل العسكري الروسي المباشر كطوق نجاة لهذا النظام المجرم، فصب جام غضبه على الشعب السوري خاصة بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية وما تلاها من توتر للعلاقات بين موسكو وأنقره.

روسيا لم تضيع وقتاً ولا جهداً، ولم توفر سلاحاً إلا واستخدمته، لقد نُشِرت إحصائيات تفيد بأن الروس قد جربوا أكثر من 160 سلاحاً جديداً في سورية، في المقابل عملت إيران على تشكيل وتدريب وإدخال أكثر من 60 منظمة وجماعة وميليشيا شيعية إلى سورية، كانت جميعها تحت إمرة الحرس الصفوي الإيراني.

أما على الجانب التركي فيمكننا القول إن التردد كان هو سيد الموقف، فقد حاولت تركيا النأي بنفسها عن الصراع السوري والتشبث بسياسة صفر مشاكل التي لا تنفع في الحالة السورية حيث يجري إعادة بسط السيطرة والنفوذ وصياغة العلاقات بفوهات المدافع والبنادق، وحيث الحروب المباشرة وغير المباشرة وصلت حداً هدد أمن تركيا التي صمتت فأغرت الآخرين بأخذ زمام المبادرة وبسط نفوذهم على الأرض، فخسرت تركيا وخسر معها الشعب السوري.

تركيا ونتيجة لترددها فرطت بالعديد من عوامل القوة التي كانت تمتلكها، فضيعت الكثير من الفرص التي كان يمكن من خلالها قلب الموازين رأساً على عقب، فطول الحدود البرية مع سورية وكثرة المنافذ وعدد اللاجئين السوريين الكبير فيها واحتضانها للمعارضتين السياسية والعسكرية قدما لها فرصة ذهبية كان يمكن إستغلالها في إعداد جيش سوري حر منظم وغير فصائلي يستطيع قلب المعادلة، وهنا يمكننا القول إن تركيا لم تتعلم الدرس من إيران.

لاحقا وبعد الأزمة التركية مع روسيا، وتمدد وحدات الحماية الكردية بدعم أمريكي، أحست تركيا بحراجة موقفها وانكشافه أمام كافة الأطراف، فلا حلف الناتو وقف معها، ولا هي نجحت في تحييد روسيا، لتتعمق أزمتها بعد محاولة وحدات من الجيش التركي الإنقلاب على الحكومه، وما أشيع حينها عن دعم غربي لهذه المحاولة، الأمر الذي ضيق الخناق على تركيا ودفعها لإنعطافة مفاجأة بإتجاه روسيا، التي قيل إنها قد ساهمت في فشل الإنقلاب العسكري على حكومة إردوغان.

لقد مثلت عودة العلاقات التركية الروسية وما نتج عنها من تقارب وتنسيق عسكري أمني، كابوسا ثقيلا للثورة السورية، وإنتكاسة عسكرية تجلت تداعياتها في المصير الذي واجهه شرق حلب المحرر، حيث وبعد أن نجحت الفصائل المنضوية تحت راية جيش الفتح في فك الحصار عن شرق حلب وبدء معركة تحرير الشطر الغربي، فوجئ الجميع بتوقف المعارك وتحول نظام الأسد وحلفاءه من حالة الدفاع إلى الهجوم، فنجح في إطباق الحصار على المدينة مجدداً وبدأ بالتقدم بإتجاه الأحياء الشرقية من المدينة وقضمها الواحد تلو الآخر، لتسقط ويسقط معها حلم نصر لطالما راودنا جميعاً.

لا يختلف إثنان على أن معركة درع الفرات كانت مهمة جدا لتركيا بل وتكاد تكون ضرورية، خاصة مع الدعم الأمريكي الكبير لحلفائها الأكراد، لكن توقيتها ربما يكون أحد أهم عوامل نكسة حلب، فسحب تركيا لعدد كبير من عناصر الفصائل المحسوبة عليها لصالح العملية، أسهم في خلق فراغ ما كان بالإمكان ملؤه، وهو ما يطرح الكثير من علامات الإستفهام حول ولاءات فصائل المعارضة وإرتباطاتها الخارجية وطبيعة الدور التركي لجهة الصفقة التي ربما تكون قد أبرمت بينها وبين روسيا.

الوزير التركي وخلال نفس الإجتماع تحدث عن عملية درع الفرات وأكد أنَّ سبب وجود القوات التركية في مدينة الباب بريف حلب ضمن عملية درع الفرات هو توفير أمن المدن والمواطنين الأتراك، هذه العملية التي يطيب لبعض السوريين تجييرها لصالح الثورة والشعب السوري، الذي إنتظر طويلا ولأكثر من خمس سنين تدخلا تركيا ينصر الشعب الأعزل ويعيد الأمور إلى نصابها، لكننا وبدل ذلك فوجئنا بتدخل أصاب ثورتنا وجهادنا في مقتل وتسبب بما بات يعرف بنكسة حلب، وذلك نتيجة إنحياز تركيا للمعسكر الآخر وتنسيقها مع روسيا وإيران, وهو ما إنعكس مجازر بحق السوريين في مدينة الباب.

تحدث الوزير أوغلو عن معركة “جناق قلعة” ومشاركة ستة آلاف من أهل حلب فيها، وأن تركيا ترد لهم الجميل، وهو ما يعبر عن عمق الروابط الأخوية بين الشعبين السوري والتركي الذي يجمعهما الإسلام والجوار بحدود تمتد لأكثر من 900 كلم، لكن شتان بين معركة “جناق قلعة” ومعركة “قيامة حلب” فالأولى كانت معركة إسلامية إمتزج فيها الدم العربي والتركي دفاعا عن عاصمة الخلافة إسطنبول، في حين أن الثانية كانت شاهداً على الخذلان والتآمر الذي تعرضت له مدينة حلب.

في معركة “جناق قلعة” هب مسلمو الشام للدفاع عن إسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية، وكان نصيب ولاية حلب فرقتين هما الفرقة الرابعة والعشرون والسادسة والعشرون. فبذلوا الدماء رخيصة ولم يسمحوا بسقوط المدينة وإحتلالها من قبل جيش الحلفاء المؤلف من (بريطانيا، فرنسا، أستراليا، نيوزيلندا) ويقوده ونستون تشرشل وزير البحرية البريطانية والجنرال الفرنسي غورو الذي بترت يده خلال المعركة بشظية مدفع.

في “جناق قلعة” معركة انقذت فيها قذيفة “العريف سيد” عاصمة الخلافة، فقد كان إيمان وبطولات وتضحية عشرات ألوف الشهداء فلم تسقط اسطنبول، وما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه حلب بإسطنبول مع فارق أن المسلمين خذلوا حلب ولم ينصروها كما نصرت هي إسطنبول. حيث ذكر الشيخ طاهر النعساني في كتابه “حلب في مئة عام” والذي نشر سنة 1936م أن “الشباب ذهبوا إبان الحرب العامة إلى ساحات القتال، وتفرقت الأيدي التي كانت تعمل في التجارة والصناعة والزراعة إلى مواطن المعركة حيث وجب درء خطر الأعداء”. فعلى حدود القنال (قناة السويس) وفي جبهة روسيا (القفقاس) وفي منطقة الدردنيل (جناق قلعة) دافعت الأيدي العربية بحماسة وغيرة وشهامة عن تركيا لأن الفكرة الإسلامية كانت تحتل سويداء قلوب الأكثرية”.

معركة “جناق قلعة” أو “جاليبولي” وبالتركية: جنق قلعة ساواشی Çanakkale Savaşı كانت آخر معارك وإنتصارات الخلافة العثمانية والنخوة الإسلامية على حد سواء. المؤرخ العالمي أرمسترونج، يصف إندفاع المشاة العثمانيين خلف قائدهم بكلمات معبرة فيقول: “واندفعوا موجة بعد موجة وكأنهم الوحوش المزمجرة وبأيديهم الحراب مشرعة ثم هجموا على الفرقتين الإنجليزيتين فأبادوهما وواصلوا التقدم نحو السفح المواجه للبحر”. ‏

تركيا ليست عدواً لنا، بل اخ وصديق وجار، وما يجمعنا بإخوتنا الأتراك أكثر بكثير مما يفرقنا، ونقدنا لمواقف آنية ربما تكون الحكومة التركية قد اجبرت عليها ليس من باب الكره والعداوة بل من باب عتب الأخ على أخيه، وكم نحن بحاجة لإستذكار معركة جناق قلعة وإستحضار التضامن الإسلامي في مواجهة المعتدي، هذه المعركة التي اعادت للأذهان إنتصارات المسلمين في القادسية، واليرموك، وحطين، وعين جالوت، إنتصارات تحيي في الأمة عوامل قوتها وتدفعها للدفاع عن وجودها وعقيدتها، وليس كما يحدث اليوم من تآمر تخاذل وإستسلام متمثل بالمصالحات والهدن المذلة.

المصدر: أورينت نت

جميع المقالات تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل حقاً ردت تركيا جميل "جناق قلعة" لأهل حلب؟

هيومن فويس: خليل المقداد إنَّ المساعي التركية لإنقاذ أهالي حلب السورية تعتبر رداً للجميل الذي قدّمه أجدادهم للأتراك في معركة الاستقلال التي سبقت إعلان الجمهورية في عشرينات القرن الماضي، حيث كان 6 آلاف من أهالي حلب إلى جانبنا في معركة جناق قلعة، ولو تركناهم الآن وحدهم في محنتهم، فإنَّ التاريخ لن يغفر لنا هذه الخطيئة ولم يهتم أحد بشؤون المحاصرين في حلب بقدر الاهتمام الذي أظهرته تركيا تجاههم، فلو تركنا هؤلاء المحاصرين تحت القصف والجوع، عندها سنخجل من إنسانيتنا وإسلامنا. جاء هذا الكلام خلال كلمة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، التي ألقاها يوم الأحد 25 ديسمبر/ كانون الأول 2016،

Send this to a friend