هيومن فويس

في حقبة زمنية معينة، أحب سوريون كُثر “الاتحاد السوفييتي”، حيث كان لاسمه جاذبية الوعد… الوعد بغدٍ مشرقٍ يزيل كدمات وأدران استعمار دام قرابة خمسة عقود، كان بالنسبة لهم وعداً بالحرية والتقدم، وهي شعارات تتناغم مع أرواحهم العامرة بالحرية، والتطلع إلى مساهمة جديدة في الحضارة البشرية التي طالما أعطوها الكثير.

ما أرادوا يوماَ إلا رؤية الجانب المتألق في أي فعل أو موقف أو رؤية سوفيتية. قالوا على الدوام: السوفييت يقفون معنا، وينصرون قضيتنا، وبرهانهم على ذلك المماحكات الدولية في مجلس الأمن، وفي وجه أمريكا المناصرة للكيان الصهيوني وغطرسته على الدوام.

ما فكر السوريون يوما بأن الاتحاد السوفيتي كان أول من اعترف بالكيان الصهيوني كدولة كانوا يرون ذلك كالتفكير بالموت. يعرفون أنه بالانتظار عند زاوية الطريق ولكن قبح تلك الفكرة لم يكن يظهر في ساحة ذهنهم.

كان السوفييت مصدر سلاحهم في الدفاع عن أنفسهم، وفي محاولات استردادهم لحقوقهم المغتصبة انسجاما مع التوجهات السوفيتية في حرية الشعوب وتقرير مصيرها وتقدمها. المفارقة إنهم ما شكوا يوما من سلاح الخردة أو السلاح المتخلف أجيالا عن ذاك الذي يستعمله الكيان الصهيوني رغم معرفتهم أن ذاك السلاح المتقدم اللازم متوفر بحوزة السوفييت، ولأسباب غير مدركة يمنعونه عنهم. وعندما كان يتذمر بعضهم من هكذا حال، كان السوفييت يجدون حجج إخراسه.

كثيرون يرون أن إسرائيل لم تعط الضوء الأخضر بعد لوقف النزيف السوري

تتجلى هذه الأيام حقائق تقدم تفسيرات لما كان يحدث. السوفييت ظاهراً يتغنون بالعلاقة مع الشعوب؛ هكذا في أدبياتهم، وهكذا في الظاهر سياساتهم وتصريحاتهم عنها؛ أما باطنا فلا بد وأن الهاجس الأساس بالنسبة لهم لم يكن إلا تلك الأنظمة الأدوات التي تدفع مقابل استمرارها(أنظمتهم)؛ – تماما كالقيادات السوفيتية- تدفع ارتهان بلادها وشعوبها لسياسات ظاهرها ناعم كفرو دب وداخلها كقذارته.

ها هو الحال السوفيتي يستمر بداية من المنظومة السلطوية الحكومية الحالية: يستلم بوتين الرئاسة لفترتين، يقفز إلى رئاسة الوزراء منصباً صبيّه رئيسا، ثم يعود إلى الرئاسة ناقلا صبيّه إلى رئاسة الوزراء؛ أي أنه نسخة معدلة من منهجية اللجنة المركزية وقيادة السوفييت الأعلى، أي نحن أمام “بريجينيف” حديث؛ وليتنا كذلك، لأن روسيا اليوم ترتبط ارتباطا عضويا بإدارة الحكم العالمية الحديثة التي تتصف بالمافيوية. هذه القدرات المافيوية الاستراتيجية ارتباطها الأساس في أمريكا وأوروبا وإسرائيل.

وللتذكير السريع؛ لا أدري إن كان معروفاً ذلك الثقل المريع لمليون يهودي روسي هاجروا إلى إسرائيل؛ وعلاقة هؤلاء بالضغط المضاعف على كل من أمريكا وروسيا (مسقط الرأس) في العمل للإبقاء على النظام الحالي في سوريا.. ولا أدري إن كان مدركاً أن أحد أسرار طول الأزمة السورية وكثافة الدم الذي تنزفه سورية يكمن في ذلك التحالف غير المقدس بين أمريكا وروسيا وإسرائيل (بفعل ذلك المليون صهيوني – روسي).

كثيرون يرون أن إسرائيل لم تعط الضوء الأخضر بعد لوقف النزيف السوري. إن صحت هذه النظرية، فإن وقوف أمريكا في مجلس الأمن استجابة للضغط الصهيوني ورفع ورقة “الفيتو” في وجه إحقاق الحق في سوريا، سيكون مستهجنا وغريبا؛ فأمريكا تاريخيا قدمت نفسها كجهة ليست مغرمة بالنظام السوري…. هكذا قدم النظام نفسه تجاه أمريكا. الأمر الطبيعي أن يقوم الروس بهذه المهمة القذرة … وهكذا حدث فعلا. تجلى الموقف الأمريكي بتلك التصريحات المتناقضة للمسؤولين الأمريكيين تجاه ما يحدث في سوريا.

وما كان ذلك إلا انعكاسا لحالة من الحرج العالمي تمثل في قول الشيء ونقيضه في آن معا. تلظت أمريكا بالموقف الروسي كل الفترة الماضية من نزف الدم السوري. وما كانت واضحة أو حاسمة في أي أمر. من يتابع تصريحات مسؤولي أمريكا يتأكد من ذلك.

ها هو بوتين يعود إلى نهجه في قتل السوريين وتدمير بلدهم. يستمر بمحاولته تحقيق إنجاز سياسي بالأدوات العسكرية

لا أدري كم سيكون مكلفا ذلك الجميل الذي قدمه الروس للأمريكيين، وبالإنابة للإسرائيليين؛ وكم سيكون ذلك الحرج العالمي الذي وضع الروس أنفسهم فيه! لقد ظهروا داعمين للظلم والقتل والذبح والتدمير. وهذا أمر مكلف في السياسات والعلاقات الدولية. الجريمة ليست فقط بحق أهل سوريا؛ إنها جريمة أمام شعب روسيا؛ ولهذا ترتفع مخالفة الخروج إلى التظاهر في روسيا. خلاصة القول، لقد صدقت عبارة: “هناك مؤامرة”؛ ولكنها كانت على سورية وشعبها، لا على منظومة الاستبداد المُشَغَلة عالمياً.

في أيلول 2015، قال بوتين إنه في مهمة مدتها ثلاثة أشهر، ليقاوم الإرهاب في سورية. مضى على وجوده ثلاث سنوات، غاص خلالها حتى عنقه بالدم السوري. منذ أيام، ورغم أن إدلب؛ بضمانة روسية-إيرانية-تركية؛ “منطقة خفض تصعيد”، ها هو بوتين يعود إلى نهجه في قتل السوريين وتدمير بلدهم. يستمر بمحاولته تحقيق إنجاز سياسي بالأدوات العسكرية، ولكن هباءَ. كلما خفَّ منسوب الدم، يجد الحجج والذرائع لاستمراره كي يرتوي المشغلون الأساسيون.

الآن يسعى لإلهاء السوريين بـ “لجنة دستورية” بعد أن استنفد المساعي الحثيثة لإجهاض القرارات الدولية بانتقال سياسي يضع سورية على سكة الحياة ثانية. يلعب المشغلون دور المنَغٍص؛ فيندفع بوتين إلى مزيد من الاستنزاف والنزف السوري. هو عدو محتل، وكذلك إيران، وكذلك المشغلون؛ والجميع بحالة تقاسم أدوار مذهل، تهيأ لهم منظومة الأسد الاستبدادية البيئة الأنسب لذبح بلد يعرف الصهاينة أنه مكمن الخطر عليهم. لا خلاص للسوريين إلا التنبه لكل هذه الحقائق والصبر وتفعيل الإرادة والعقل للانتقال إلى مقاومة شعبية تعيدهم وبلدهم إلى سكة الحياة.

تلفزيون سوريا: يحيى العريضي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الدم السوري والدور الروسي القذر

هيومن فويس في حقبة زمنية معينة، أحب سوريون كُثر "الاتحاد السوفييتي"، حيث كان لاسمه جاذبية الوعد... الوعد بغدٍ مشرقٍ يزيل كدمات وأدران استعمار دام قرابة خمسة عقود، كان بالنسبة لهم وعداً بالحرية والتقدم، وهي شعارات تتناغم مع أرواحهم العامرة بالحرية، والتطلع إلى مساهمة جديدة في الحضارة البشرية التي طالما أعطوها الكثير. ما أرادوا يوماَ إلا رؤية الجانب المتألق في أي فعل أو موقف أو رؤية سوفيتية. قالوا على الدوام: السوفييت يقفون معنا، وينصرون قضيتنا، وبرهانهم على ذلك المماحكات الدولية في مجلس الأمن، وفي وجه أمريكا المناصرة للكيان الصهيوني وغطرسته على الدوام. ما فكر السوريون يوما بأن الاتحاد السوفيتي كان أول

Send this to a friend