هيومن فويس: صلاح قيراطة

كانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد ادرجت مؤخراً ( هيئة تحرير الشام ) على قوائم الإرهاب، لتصبح بحسب القانون الأمريكي ( منظمة إرهابية ) . جاء هذا في بيان اصدرته وزارة الخارجية الامريكية جاء فيه : ( عدلت الولايات المتحدة تصنيف جبهة النصرة كفرع للقاعدة في سورية، لتشمل تسمية هيئة تحرير الشام لتصبح منظمة إرهابية بحسب قانون الهجرة والمواطنة رقم 219 ) .

يذكر ان المبعوث الأمريكي إلى سوريا ( مايكل راتني ) كان قد أصدر بياناً عقب إعلان تشكيل ( الهيئة ) مطلع عام 2017 اعتبر فيه أن التنظيم الجديد هو امتداد لفرع القاعدة في سورية، واللافت هنا هو تأخر الولايات المتحدة باتخاذ قرارها الذي نحن الآن بصدد تفنيده، ولنا ان نقول هنا ان لهذا دلالاته وفي مقدمتها هو ان ( للنصرة ) ما ( لتنظيم الدولة ) من ضرورات آنية ومهام مسندة اليها ، ويبدو انها قاب قوسين من تأديتها لما انيط بها في سورية من مهام إلا أننا ليس لنا الا ان تؤكد انها هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها واشنطن رسمياً إضافة المسمى الجديد ( تحرير الشام ) إلى قائمة التسميات الموضوعة على لوائح التصنيف. فرغم مرور قرابة عام ونصف على إعلان تأسيس هذه ( الهيئة ) واكثر من خمس السنوات على تشكيل ( جبهة النصرة ) الا ان امريكا لم تحرك ساكنا سوى ما كان قد ادلى به مبعوثها لسورية وقد ذكرنا هذا اعلاه . وهنا لنا ان نتصدى للإجراء الأمريكي بنوع من التفنيد، لنقف تماما عند غاياته في هذه الظروف بالذات فعمليا يجب ان نؤكد على أن الولايات المتحدة لم تضع المسمى الجديد ( فتح الشام ) رسمياً على لوائح الإرهاب منذ اعلان ( الجبهة ) عن هذا التحالف الارهابي بقيادة ( النصرة ) بل اكتفت في حينها ببيان صادر عن مكتب مبعوثها إلى سورية ( مايكل راتني ) يؤكد فيه أن تغيير المسمى لن يبدل شيئاً.

وكل من يندمج مع (جبهة النصرة) يعتبر جزءاً منها، وترافق ذلك مع توقف تام في استهداف الطائرات الأمريكية المسيرة لكوادر الجبهة أو الهيئة وهذا يؤكد ماذهبنا اليه اعلاه لجهة الدور المسندة ( للقاعدة ) في سورية . كان هذا قائما حتى جاء اعلان الادارة الامريكية وبشكل مفاجئ مؤخرا ليعديل تصنيف ( جبهة النصرة ) وليدرج ( هيئة تحرير الشام ) التي تعتبر ( النصرة ) نواتها الاصلب والاقسى والاقوى، على لائحة الإرهاب كمنظمةً إرهابية.

وهنا نلفت عناية المهتمين الى ان الفترة الممتدة بين اعلان تأسيس الجبهة وتاريخ ادراجها على قوائم الارهاب كانت قد شهدت تغيراً تدريجياً بالخطاب لدى ( هيئة تحرير الشام) ، وكان آخره حوار مسؤول شؤونها السياسية ( يوسف الهجر ) مع الجزيرة نت الذي أكد فيه أن ( تركيا ) عمق ( للثورة ) السورية، في لهجة غير معتادة وغير مسبوقة، في حين تواترت الأنباء عن قرب تنفيذ قيادة الهيئة عملية عسكرية ضد المجموعات الارهابية التي عادت لبيعة ( تنظيم القاعدة ) تحت مسمى ( حراس الدين ) ، وذلك بعد تقديم تعهدات لدول إٌقليمية بالقضاء على القاعدة من خلال لقاءات تمت مع دبلوماسيين غربيين. ولا بد من التأكيد هنا الى ان الولايات المتحدة كانت قد استثمرت كثيرا في ملف ( تنظيم القاعدة ) منذ عام 2001 عقب حادثة ضرب برجي التجارة، ولنا في ماحدث في أفغانستان والعراق وسورية لاحقاً خير مثال .

فمن تداعيات هذا الاستثمار في سورية وهذا ما اشرنا اليه اعلاه لجهة التأسيس والمهام التي اسندت ( لجبهة النصرة ) ومعها ( تنظيم الدولة ) لاحقا هو سيطرة القوات الامريكية على ثلث الاراضي السورية بدعوى محاربة ( الارهاب ) ومعلوم ان الثلث المسيطر عليه امريكيا من سورية يضم خزان النفط والغاز والماء وكثير من الغذاء في شرق سورية وذلك بالطبع كان تحت غطاء التحالف الدولي.

ومن هنا نقول انه من الصعب التصور بأن تقبل واشنطن ببساطة تلك التحولات الأخيرة داخل ( هيئة تحرير الشام ) التي قد تصل إلى مرحلة قيادة زعيمها ( ابو محمد الجولاني) حملة ضد خلايا تنظيم الدولة (جند الأقصى) و ( تنظيم القاعدة ) في الشمال السوري وهي بهذا تخرج عن شروط انشائها وكذا المهام المسندة اليها.

وكي يكون الموضوع واضحا لابد من العودة إلى مطلع عام 2018 لنجد أن الولايات المتحدة كانت قد انتظرت لحظة فارقة جاءت قبيل الانتشار التركي في محافظة إدلب المشمولة ضمن اتفاق خفض التصعيد، لتعلن على لسان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط أن ( محادثات أستانة تجاوزت أهدافها، وأن الأمم المتحدة هي من تضفي الشرعية على أية مفاوضات بخصوص سورية ) كما أعلن المسؤول الأمريكي أن بلاده خفضت مشاركتها في المفاوضات، وأن ( تنظيم القاعدة ) هو من يسيطر على محافظة إدلب والوضع متوتر فيها.

واليوم ومع قرب دخول محافظة إدلب في مرحلة ( وقف إطلاق نار ) وهي مرحلة أكثر استقراراً من ( خفض التصعيد ) ، ومع اقتراب موعد انصهار فصائل المنطقة ضمن مايسمى ( الجيش الوطني ) وما رشح عن إمكانية تفكك ( تحرير الشام) لصالحه، تستبق واشنطن كل هذا لتخلط الأوراق مجددا ، لتثبت انها لا ترغب للتفاهمات الثلاثية بين تركيا وروسيا وإيران أن تكتمل، ولا أفضل بالنسبة لها من مدخل ( القاعدة ) لجعل تلك الاتفاقيات غير شرعية، خاصة في ظل تصريحات المسؤول السياسي للهيئة التي أكد فيها أنهم ساهموا في تثبيت نقاط المراقبة التركية. عملياً ليس من المستغرب أن تستثمر واشنطن ملف التعاون مع ( هيئة تحرير الشام) المصنفة على قائمة الإرهاب لوضع خط أحمر جديد يحاصر التحركات التركية في سورية، خاصة في ظل تسريبات تتحدث عن تشكيل قوة عربية وكردية شمال شرق سورية ، الأمر الذي يعني وقف التمدد التركي إلى شرق الفرات وهي في الحقيقة رغبة وخطوة امريكية في آن معا.

فالقرار الأمريكي الجديد يمكن قراءته في سياق تجميع النقاط ضد الحليف اللدود التركي، وقد تضاف قضية التعاون مع ( تنظيم إرهابي ) في سورية إلى قضية مساعدة مصرف ( خلق ) الرسمي لطهران من أجل التهرب من العقوبات الأمريكية وإدانة المصرفي التركي ( محمد هاكان أتيلا ) بالقضية التي قد تتطور لإدانة مسؤولين حكوميين، وهو ما يعني خنق الحراك الإقليمي لأنقرة بشكل أكبر وصولاً إلى إخراجها من مناطق غير مرغوب ببقائها فيها، خاصة إذا ما توصلت واشنطن وموسكو إلى تفاهمات تتضمن خروج تركيا وإيران من سورية، فبوادر ذلك تتكشف تباعاً.

وتجدر الاشارة هنا الى ان هوامش المناورة تضيق باستمرار أمام أنقرة الساعية لإيجاد نوع من التوازن بسياستها بين روسيا وأمريكا بما يحقق مصالحها على حدودها الجنوبية مع سورية، وقد لا تجد مخرجها إلا في مزيد من القوة الخشنة والأعمال العسكرية على غرار ( درع الفرات ) و ( غصن الزيتون ) . اعتقد هنا اننا امام رغبة أمريكية في تهدف الى دفع ( تحرير الشام ) وهذا يؤكد حالة التناسب العكسي بين ما نفذ من مهام وماتبقى منها في مصلحة ( اسرائيل ) والامريكان ، وعليه فربما نشهد سلسلة استهدافات جديدة لكوادر في ( تحرير الشام ) مسيرة بهدف جرها إلى موجة اقتتال جديدة مع من تبقى من الفصائل العسكرية في إدلب ومن ثَمَّ إغراق المنطقة في مزيد من الفوضى.

وخاتمة اقول : ان مايحدث يصب في مصلحة ( النظام ) اقله لجهة اخراج تركيا وتقييد حركتها في المنطقة الشمالية والشمالية الشرقية من سورية ، سيما ان دمشق الرسمية لازالت تعتبر ان التدخل التركي في الاراضي السورية بمثابة احتلال . وكذا فالقضاء على ( هيئة تحرير الشام ) هو خطوة كذلك في مصلحة ( النظام ) فلطالما اربكت ( القاعدة ) في سورية على اختلاف تسمياتها ( النظام ) السوري . وامريكا عمليا هي من يقوم بالاثنان ، رغم انها بما تقوم به تربك روسيا وايران ( ظاهرياً ) بالاضافة للاتراك وهما ثلاثي ( استانا ) . فبالله عليكم من يحكم ( دمشق ) وهي لحينه تبدو ممسكة بدفة القيادة وموجهة للشراع وقادرة على توجيه الرياح في مصلحتها ، ليصب بالتالي اي حراك محلي او اقليمي او دولي في مصلحة ( النظام ) .

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ما دلالات وضع "تحرير الشام" على قائمة الإرهاب؟

هيومن فويس: صلاح قيراطة كانت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد ادرجت مؤخراً ( هيئة تحرير الشام ) على قوائم الإرهاب، لتصبح بحسب القانون الأمريكي ( منظمة إرهابية ) . جاء هذا في بيان اصدرته وزارة الخارجية الامريكية جاء فيه : ( عدلت الولايات المتحدة تصنيف جبهة النصرة كفرع للقاعدة في سورية، لتشمل تسمية هيئة تحرير الشام لتصبح منظمة إرهابية بحسب قانون الهجرة والمواطنة رقم 219 ) . يذكر ان المبعوث الأمريكي إلى سوريا ( مايكل راتني ) كان قد أصدر بياناً عقب إعلان تشكيل ( الهيئة ) مطلع عام 2017 اعتبر فيه أن التنظيم الجديد هو امتداد لفرع القاعدة في

Send this to a friend