هيومن فويس

إسلامي أم علماني؟

تلك هي قضية العصر التي أشغلنا بها أناسٌ ذوو توجهات مختلفة، فالعلمانيون يصفونه بالإخواني الأصولي المتطرف، الذي يسعى لأسلمة المجتمع التركي الذي صبغه أتاتورك بالصبغة العلمانية، ويريد أن يصل بالدولة إلى حكم إسلامي رجعي على حد وصفهم.

أما بعض الإسلاميين وعلى رأسهم التيار السلفي، فيصفون أردوغان بأنه علماني، وهم يشيرون إلى الدعارة المقننة، والخمارات المُرخصة، وابتعاد القوانين عن المرجعية الإسلامية.

قد انشغلوا بتصنيف أردوغان هل هو إسلامي أم علماني، وبتحديد توجهاته الفكرية، لكنهم لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى الطفرة الاقتصادية التي حدثت في ظل حكومة حزبه، التي نقلت الأحوال المعيشية للمواطن التركي نقلة بعيدة، بعد أن احتلالاقتصاد التركي مواقع متقدمة في التصنيف الاقتصادي العالمي.

ينشغلون بتصنيف أردوغان هل هو إسلامي أم علماني، لكنهم لا يتحدثون عن سياساته الإصلاحية التي وضعت العصا الحديدية في عجلة الفساد الاقتصادي، واستطاع أن يغلق صنبور الفساد المالي في 15 عاما، ولا يتحدثون عن ذمته المالية النقية التي لم يستطع أحد إلى الآن في التشكيك فيها بدليل وبرهان.

ينشغلون بتصنيف أردوغان، ويتجاهلون أنه قد أفسح المجال للمواطن التركي لأن يرفع رأسه معتزا ببلده، وهو يراه عنصرا فاعلا مؤثرا في المنطقة والعالم بأسره، ويشهد زعيمه وهو يتمرد على التبعية الأمريكية، ويعمل له الشرق والغرب ألف حساب.

ينشغلون بتصنيف أردوغان، ويتغافلون عن قوة بلاده الناعمة في عهده، والتي أثّرت في كل بيت عربي، وأصبحت الثقافة التركية تلامس الحياة العامة في الدول العربية والإسلامية.

ينشغلون بتصنيف أردوغان، ويتجاهلون أنه من خلال مكالمة (سكايب)، قاد الشعب التركي إلى الانتصار على الزمرة الفاسدة وإحباط الانقلاب الذي موّلته وأشرفت عليه قوى خارجية دنيئة بالاتفاق مع قوى الظلام في الداخل، الأمر الذي يعكس تأثيره القوي في شعبه الناضج، الذي امتد نضجه إلى الأحزاب المعارضة التي أبت القفز على الديموقراطية.

لو كان أردوغان زعيما غربيا لرأيت علمانيو أمتنا يشيدون بإنجازاته وزعامته ولو كان مسيحيا متعصبا.

ولو كان أردوغان منتسبا لفصائل الإسلاميين التي تهاجمه الآن، لتأوّلوا له تصريحاته، وحشدوا أمام ناظريك فقه المصالح والمفاسد والأولويات، وسُنّة التدرج في تطبيق أحكام الإسلام.

إن كان أردوغان إسلاميا فالأولى بالعلمانيين الصمت إزاء إنجازاته، في وقت لم ينفعوا الأمة بشيء سوى إدخالها في معترك التنظير والنقد والسجالات الفكرية دون تقديم أي حلول عملية للأمة.

وإن كان أردوغان علمانيا فالأولى بالإسلاميين الصمت إزاء إنجازاته، في وقت يعيشون في ظل حكم أنظمة علمانية ديكتاتورية مستبدة لا يستطيعون نقدها بالكلمة، بل يتوارون في الزوايا ويتقوقعون في مجالس العلم.

بحسب الفريقين أن الرجل يحب بلاده ويسعى جاهدا لرقيها، ويقف في وجه الظلم ولو بكلمة، ويستوعب الاتجاهات المختلفة.

أردوغان ليس أتاتورك، وليس البغدادي الذي أوغل بالقتل، حسبه أنه رجل شريف يحب وطنه، ويسعى لنهضته، ويحب الإسلام وأهله، ويفتح ذراعية للعرب، ويُقسط مع مخالفيه سواء كانوا علمانيين أو ليبراليين أو من أهل الملل الأخرى، ألا يكفي ذلك لأن ندع الرجل وشأنه؟

ذات يوم في إسطنبول، اصطحب العمدة أردوغان، الجهة الموكل إليها هدم قرية تم الاتفاق مع أهلها بشأن التعويضات، وجلس يستمع إلى حكايات امرأة عجوز عن القرية وذكرياتها، فذرف الدموع لأشجان حديثها، ولمس في عينيها وعيون أهل القرية عدم رضاهم عن إخلاء القرية، فيأمر الفريق بالمغادرة، لا لشيء إلا لأن الإنسان أولا لدى هذا الزعيم.

أردوغان يقف بعد صلاة الجمعة على باب المسجد ليوزع الكعك – الذي اشتراه من خالص ماله- على المصلين، كيف سيكون شعور المواطن وهو يرى نفسه أمام رئيسه مباشرة، ويصافحه ويأخذ من يده الكعك؟

أردوغان الذي لم يملك دموعه حين عرض مقدم البرنامج الذي استضافه، رسالة الدكتور محمد البلتاجي القيادي بجماعة الإخوان المسلمين بمصر، والتي رثى بها ابنته بعد استشهادها في مجزرة رابعة، كيف سينظر إليه المضطهدون في شتى بقاع الأرض عندما يقول للعالم أجمع بلسان الحال: الزعيم إنسان؟

أردوغان يتناول طعامه مع الفقراء في بيوتهم، يأكل في أوانيهم، ومن طعامهم المتواضع، يجالسهم على الأرض، ويُجلس صغارهم على رجله وهو يحتسي معهم الشاي، ترى ما هو شعور هؤلاء الفقراء عندما يرون ذلك الاهتمام من رجل الوطن الأول؟ وأي شعور بالأمان سوف يتدفق في نفوسهم وهم يجدون قائدهم يتفقد أحوالهم؟

أردوغان يقبل يد العجوز والشيخ المسن،

يصلي على الأرض خارج المسجد عندما يأتي لصلاة الجمعة متأخرا حتى لا يتجاوز الرقاب.. يسير في الجنازة ويحمل النعش على كتفه..

يقدم واجب العزاء ويجلس متربعا على الأريكة ويتلوا آيات القرآن..

يلقي قصيدة شعرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فيبكي الجماهير…

يشارك في مباريات الكرة ويرتدي الزي الرياضي ويحرز الأهداف ويسعد الجماهير…

تلك اللمسات الإنسانية التي بدت من الزعيم منذ بداية مشواره السياسي، تركت آثارها في قلوب الملايين، فانتشر في الوطن العربي تسمية المواليد بـ رجب أردوغان، وصار أنموذجا فريدا من الزعماء يتمنى الكثيرون من أبناء الأمة أن يمن الله عليهم بمثله يُولى عليهم.

إن كلماتي هذه لا تُعبر قطعا عن رأيي الشخصي بالرجل، والتي لم أوردها في هذا المقام، لكنه من باب التنازل مع هؤلاء الأضداد من المخالفين الذين يشتركون معا – رغم اختلافهم – في مهاجمة الزعيم التركي على قاعدة التصنيف، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

المصدر: ترك برس- الكاتب: إحسان الفقيه

تنويه: المقالات تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أردوغان إسلامي أم علماني..تلك هي المعضلة!

هيومن فويس إسلامي أم علماني؟ تلك هي قضية العصر التي أشغلنا بها أناسٌ ذوو توجهات مختلفة، فالعلمانيون يصفونه بالإخواني الأصولي المتطرف، الذي يسعى لأسلمة المجتمع التركي الذي صبغه أتاتورك بالصبغة العلمانية، ويريد أن يصل بالدولة إلى حكم إسلامي رجعي على حد وصفهم. أما بعض الإسلاميين وعلى رأسهم التيار السلفي، فيصفون أردوغان بأنه علماني، وهم يشيرون إلى الدعارة المقننة، والخمارات المُرخصة، وابتعاد القوانين عن المرجعية الإسلامية. قد انشغلوا بتصنيف أردوغان هل هو إسلامي أم علماني، وبتحديد توجهاته الفكرية، لكنهم لا يشيرون من قريب أو بعيد إلى الطفرة الاقتصادية التي حدثت في ظل حكومة حزبه، التي نقلت الأحوال المعيشية للمواطن التركي نقلة

Send this to a friend