خليل المقداد

مشكلة الثورة السورية ليست وجود فاسدين من المنشقين عن عصابة الأسد، المشكلة الحقيقية تكمن في أن هؤلاء الفاسدين تبوأوا مناصب قيادية في كافة المجالات، إذ كان يكفي إنشقاق أي ضابط، أو سياسي، وحتى إعلامي صاحب شهرة أو منصب ما، كي يجد أن مقعده محجوزٌ في الصفوف الأولى لممثلي الثورة، الأمر الذي سمح بحدوث إختراق أمني وعلى كافة المستويات، وهي المعضلة الرئيسية التي عانت منها ثورتنا ولا تزال.

كثيرةٌ هي الأسباب التي سمحت بإختراق الثورة السورية، لكن يمكننا تلخيص أهمها بثلاثة عوامل رئيسية:
الأول: الثقة المفرطة بكل من ينشق عن عصابة الأسد وإعتباره بطلاً، وقبول الكثيرين منهم في مواقع القيادة والتمثيل الثوري، وهو ما سمح لهؤلاء بمساعدة المزيد من الفاسدين والعملاء على تبوأ مراكز قيادية.

ثانيا: غياب أي نوع من أنواع الرقابة المؤسساتية، ومرد هذا الأمر يعود أيضاً في جزء كبير منه، لفساد شريحة واسعة من القائمين على مؤسسات التمثيل الثوري، إذ لا يمكن لمجموعة فاسدة أو عميلة أن تشجع على إنشاء أجهزة رقابة عسكرية، سياسية، إعلامية، مالية، قد تحاسبها لاحقاً.

ثالثا: التدخل الدولي والإقليمي الهائل إضافة لصراع الأجندات والمحاصصة الذي سمح لهذه الدول بتهميش وتصفية الفاعلين، وإستقطاب الكثير من السوريين الباحثين عن الدعم المالي والعسكري والإغاثي، فتم فرض أشخاص فاسدين أو عملاء، لا علاقة لهم بالثورة من قريب أو بعيد، لكنهم تصدروا المشهد السياسي والعسكري والإعلامي للثورة، وأصبحوا ممثلين لها.

لقد مثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، أحد أكبر وأخطر السرطانات التي أصابت الثورة السورية في مقتل، نتيجة تسلقها وتعيشها على الثورة، وتحويلها لشركة مساهمة مغفلة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن إختراق أجهزة الأسد الأمنية للثورة، وهي بالتأكيد لن تكون الأخيرة، فحجم الإختراق هائل وعلى كافة المستويات، ولا أقول هذا من باب الإحباط، بل هو أمر واقع تصدقه الأحداث والوقائع والتطورات الميدانية على الأرض، إضافة لفشل التمثيل السياسي والإعلامي في طرح قضية الشعب السوري وجعلها، قضية رأي عام عربي إسلامي عالمي، حيث تقوقعت مؤسسات الثورة السياسية والإعلامية على نفسها، وبات كثير منها رهين ما يقدم لها من دعم مالي.

منذ بداية الثورة ونظام الأسد الأمني يكافح ويعمل على مدار الساعة من أجل إحباط الحراك الثوري المدني السلمي، فكان يستهدف الإعلاميين والمشافي الميدانية ومجموعات الإغاثة، فالهدف كان واضحاً وهو القضاء على هذا الحراك الذي كان يتخذ منحىً تصاعديا يوما بعد يوم، رغم الإجرام المنقطع النظير، حيث الإعتقال الذي طاول مئات ألوف السوريين، والتعذيب وصولا إلى التصفيات الميدانية للناشطين. لقد كان هدف النظام جر الثورة إلى العسكرة.

قواعد ذهبية لمخططات شيطانية
لقد بات واضحا للجميع، أن الحرب على الثورة السورية لم تقتصر على أجهزة النظام الأمنية التي فاق عددها 16 فرعا ومكتباً أمنياً، بل تعدتها لتعاون أمني إقليمي دولي مع نظام الأسد، فالثورة السورية كانت تمثل أرقاً حقيقيا للكثيرين من عرب وعجم.

عند الحديث عن عسكرة الثورة، فلابد لنا أن نستذكر كيف سُمح للجهاديين بدخول سورية، وكيف كان يتم غض الطرف عن مراكز تواجدهم ومستودعات أسلحتهم وذخائرهم، وكيف كان يتم تسهيل دخولهم إلى سورية ومن كافة الإتجاهات، وجرى إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين من سجون صيدنايا وتدمر وغيرها، حتى نظام المالكي في العراق مارس نفس الأمر وبالتوازي مع ما يحدث في سورية، ولنفس الغاية شيطنة الحراك المدني الثوري العراقي، فتم تسهيل فرار مئات المساجين ومن أكثر من سجن عراقي.

لقد كانت القاعدة الذهبية التي إستخدمها نظام الأسد الأمني في تعامله مع الجماعات الجهادية تهدف لأمرين
الأول: شيطنة الثورة والإيحاء بأنها ليست ثورة شعب، بل جماعات إرهابية تهدد أمن المنطقة والعالم، فاستقطب بهذا الأقليات السورية.
الثاني: الإيحاء بأن الجماعات الجهادية وبكافة أشكالها هي صنيعة النظام، فزرع الشك بينها وبين باقي فصائل الجيش الحر وعمق الخلافات بينها.

الولايات المتحدة الأمريكية، بدورها وجدت في الصراع السوري فرصة ذهبية لتجميع أعدائها من دول وجماعات في بقعة جغرافية واحدة، تستطيع من خلالها إستنزافهم إلى ما لا نهاية، مع ضمان عدم خروج أي من هذه الجماعات منتصراً، وعلى قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

العالم ليس غبياً ولا أعمى، كي لا يدرك ويرى حقيقة ما يحدث في سورية، فقد إستمرت ثورة الشعب السوري مدنية سلمية لتسعة أشهر، سامَهُ خلالها نظام الأسد المجرم سوء العذاب، لكنهم وكعميلهم بشار الأسد كانوا يبحثون عن شماعة يعلقون عليها تآمرهم على الشعوب العربية، لمنعها من تقرير مصيرها وإختيار نظام حكم حقيقي يلبي آمالها وتطلعاتها، فهكذا تغيير هو مصدر خطر حقيقي على السياسات الاستعمارية التي أرسيت قواعدها في المنطقة ولعقود خلت.

خليل المقداد: كاتب وباحث سياسي سوري

من هنا فقد كان من الطبيعي جداً أن تتحرك أجهزة الإستخبارات العالمية على إختلاف أشكالها وأنواعها، وعلى رأسها نظام “الأسد” لإختراق الحراك الثوري السوري بشقيه المدني والعسكري، وهو ما حدث بالفعل، حيث إتبعت أجهزة أمن الأسد كافة الأساليب والطرق الغير شريفة بل والقذرة جداً، والتي تنوعت بين إبتزاز الناشطين، وإستدراج القادة والفاعلين من خلال جيش من العملاء، أغلبهم من العنصر النسائي الذي نجح في الإيقاع بالكثيرين، إضافة لتشكيل ما أسموه “الجيش الإليكتروني”. الذي كانت مهمته إختراق حسابات الأفراد ومواقع المنظمات والدول، وشن الحروب الإليكترونية، لكن هذا ليس كل شيئ، فنظام الأسد إعتمد على ما هو أكثر دهاء من هذا.

لقد نجح نظام الأسد في ترتيب عمليات إنشقاق الكثير من موظفيه الأمنيين من سياسيين، وعسكريين، ورجال دين، وإعلاميين، والزج بهم في صفوف الثورة وبشكل ممنهج، ولا أدل على ذلك من عودة الكثير من السياسيين والعسكريين والإعلاميين، لما بات يطلق عليه “العودة إلى حضن الوطن”، الأنكى من ذلك أنه فرض على الثورة معارضين وهميين قاموا بإنشاء تجمعات “ثورية” كتيارات موسكو والقاهرة وصولا إلى قاعدة حميميم العسكرية الروسية التي أنشأ الروس فيها ما يعرف بمركز المصالحة، الذي رتب بدوره الكثير من الهدن والمصالحات المذلة.

لا أحد محصن من الإختراق
الإختراق المخابراتي لجسم الثورة، لم يقتصر على فئة أو شريحة ثورية بعينها، فقد طال الإختراق كافة التشكيلات والجماعات المسلحة، من ليبرالية وإسلامية على حد سواء، بل إن الأمر وصل حد دعم بعض فصائل المعارضة المسلحة من خلال وسطاء ورجال أعمال، وزرع الكثير من العملاء في صفوف هذه التشكيلات، من شرعيين وإعلاميين وحتى قادة عاد بعضهم إلى “حضن الوطن”.

التعاون الأمني بين نظام الأسد وكثير من أجهزة الإستخبارات الإقليمية سمح بالتنسيق فيما بينهم ضد الثورة وإعتقال الكثير من رموزها وقادتها كالمقدم حسين الهرموش، الذي تواطئ ضباط إستخبارات أتراك في عملية تسليمه لنظام الأسد، في حين سمح الإختراق الأمني للثورة بإعتقال الكثيرين والقيام بعمليات تصفية جسدية لكل من يشكل خطراً على النظام والمخطط الدولي والإقليمي على حد سواء، وما محاولات تصفية العقيد رياض الأسعد مؤسس الجيش الحر إلا خير مثال على ذلك.

هل يمكننا نسيان تسهيل البعض دخول قوات النظام لفك الحصار عن معسكر وادي الضيف الذي كان محاصراً لشهور عديدة وما تسبب به ذلك من إبادة وأسر عشرات المرابطين، ومقتل العشرات المدنيين في القرى القريبة؟ أم ننسى عودة أحد القادة الذين مثلوا الإنشقاق وهو من طائفة الأسد إلى حضن النظام معززا مكرما يقود سيارة بيك آب مزودة برشاش 14.5مم. أم ننسى ميس كريدي التي كانت تعرف نفسها بأنها سياسية معارضة وثورية ورسامة وسيناريست إلى حضن بشار بعد أن إجتمعت كريدي مع معظم الذين يتصدرون تمثيل الحراك الثوري من قادة وضباط الجيش الحر، وسياسيين وإعلاميين سوريين يتواجدون في الأردن.

هل ننسى الموقف المخزي لقادة فصائل الدولار في الجنوب وحوران، أم إقتتال البعض على الدعم المالي وتجارة الأنفاق والمعابر؟ أم لعلنا وفي خضم الأحداث المتسارعة ونكسة حلب، سننسى عودة “الشرعي” الخائن “عمر رحمون” الذي مثل نظام الأسد في مفاوضات تهجير أهالي حلب عن مدينتهم، “رحمون” الذي برر دوره في المفاوضات، من خلال ما كتبه على حسابة على تويتر بالقول إن مشاركته جاءت بناء على طلب من قادة أحرار الشام؟

هل ننسى عودة الإعلامية “لبنى البدوي” التي إخترقت كافة التشكيلات السياسية وتوجت عودتها بصورة مع أسماء الأخرس زوجة المجرم، وحمدت الله على عودتها؟ أم ننسى عودة الصحفي الكردي “دلبرين موسى” الذي إخترق كافة مؤسسات الثورة، ثم عاد ليلتحق بعمله كمعد برامج في تلفزيون النظام، مع ملاحظة أن راتبه في التلفزيون السوري لم ينقطع طوال فترة إنشقاقه، كما أكد المخرج المسرحي الأردني نبيل الخطيب؟ أم ربما ننسى عودة المخرج السينمائي في قناة الدنيا نزار السعدي؟

لعلكم تذكرون فضيحة إختراق “الائتلاف” ووفده الإعلامي الذي ذهب إلى جنيف برئاسة “جهاد بلوط” اللبناني المؤيد لنظام الأسد، ليتم فصله لاحقا بعد أن فاحت رائحته الكريهة؟ ولابد أنكم تذكرون “باسل كويفي” الذي وصل لعضوية “المجلس الوطني” ليعود لاحقا إلى “حضن الأسد” بعد إنفضاح أمر وثيقة مسربة، وصلت إلى يد المعارض السياسي “معتز شقلب” حول انتهاء دوره الخارجي.

في ثورتنا نوع آخر من عملاء الأسد، منهم من ينتعل اللحى الطويلة أو القصيرة، ومنهم من هو حليق يمثل دور الثائر، مهمتهم الإبقاء على نار العداوة والإقتتال الفصائلي، ومحاربة وإفشال أي جهد لتوحيد الفصائل ولم شملها، فتجدهم حاضرين عند كل حديث عن وحدة الفصائل، حتى بعد سقوط أكبر حواضر وحواضن الثورة السورية حلب.

في الحديث عن الإختراق، لا يمكننا إلا أن نتذكر فضائح آل الأسد الجنسية، وفضيحة إختراق البريد الإليكتروني لبشار الأسد نفسه، هذه العملية التي أثبتت سذاجة وغباء وسطحية وغراميات رئيس نظام الممانعة مع الموظفات وبنات مسؤولي نظامه، ولا حتى بلاهته التي جعلته يستخدم “كلمة سر” مؤلفة من عدة أرقام هي: (12345). وهنا لابد على التأكيد أن نظام الأسد نفسه مخترق حتى النخاع، وأنه لولا الدعم اللامحدود الذي تلقاه، ورغم كل ما مارسه وارتكبه من جرائم، لكان سقط خلال الشهور الأولى من عمر الثورة، لكنه نظام ساقط سمح باستباحة سماء سورية قبل أرضها، التي جعلها مشاعاً لكل من هب ودب من روس، وإيرانيين، وأمريكيين، وإسرائيليين، وأوروبيين، ومرتزقة طائفيون تقاطروا على وطننا من كل حدب وصوب، لكنه ومع هذا سيسقط!

سيستمر الفرز والتطهير، وسيعود الكثيرون إلى حضن سيدهم بعد إنتهاء مهامهم أو إنفضاح أمرهم، لكن الثابت في الأمر هو أن شرفاء الشعب السوري سيستمرون في كفاحهم وحتى إسقاط عصابة الأسد وكافة عملائها، وإستئصال السرطانات التي نبتت في جسد الثورة والأمة.

لقد كان أمام العرب فرصة أن ينصروا الشعب السوري دفاعاً عن أنفسهم وأوطانهم التي باتت محاصرة داخلياً وخارجياً بعدو صفوي غادر يتربص بهم الدوائر، ولن يلبث أن ينقض عليهم مالم يستيقظوا من سباتهم ويستدركوا ما ضيعوه، ومن يدري فقد لا يستيقظون البتة لأنهم فعلياً أُكلوا يوم أُكل الشعب السوري.

جميع المقالات تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

المصدر: أورينت

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

عن الثورة واختراقها والعودة لحضن بشار!

خليل المقداد مشكلة الثورة السورية ليست وجود فاسدين من المنشقين عن عصابة الأسد، المشكلة الحقيقية تكمن في أن هؤلاء الفاسدين تبوأوا مناصب قيادية في كافة المجالات، إذ كان يكفي إنشقاق أي ضابط، أو سياسي، وحتى إعلامي صاحب شهرة أو منصب ما، كي يجد أن مقعده محجوزٌ في الصفوف الأولى لممثلي الثورة، الأمر الذي سمح بحدوث إختراق أمني وعلى كافة المستويات، وهي المعضلة الرئيسية التي عانت منها ثورتنا ولا تزال. كثيرةٌ هي الأسباب التي سمحت بإختراق الثورة السورية، لكن يمكننا تلخيص أهمها بثلاثة عوامل رئيسية: الأول: الثقة المفرطة بكل من ينشق عن عصابة الأسد وإعتباره بطلاً، وقبول الكثيرين منهم في مواقع

Send this to a friend