هيومن فويس: أحمد عاصي

ليس ذنب ابن تيمية ولا محمد بن عبد الوهاب عندما تتحول مناهجهم إلى صورة من صور الحزبية المقيتة وتصبح فتاويهما أداة للسلب والنهب والقتل والاعتداء على الآخرين باسم الدين فإن يكن كلا الرجلين ثابر واجتهد في حقبة تاريخية من تاريخ الأمة الإسلامية واستطاع أن يؤسس ويؤصل لعقيدة التوحيد وأن يؤطرها في سياق منطقي منتظم فإن الذين ساروا على خطاهم كانوا أبعد الناس عن ذلك وكانوا عبارة عن ببغاوات لا تملك من فهم ما تقول شيئا ولم يخطر على بالها للحظة من اللحظات أن تعمل عقولها فيما تقول أو تتحدث.

وربما يرجع علماء التاريخ الفضل لابن تيمية في أنه أول من وضع أسس التيار السلفي في العالم الإسلامي على أن الرجل لم يكن يعني في جل ما ورد عنه أنه سلفي سياسي أو حزبي إنما كان الرجل يقتفي أثر السلف في البحث عن الحق والحقيقة سعياً منه لمحاربة الفتن والبدع التي طغت في عصره على كل شيء.

ولعل من أراد الحديث عن محاربة البدع التي طرأت في الدين الإسلامي لا بد له من أن يتذكر كلا الرجلين ولعل واقع الحال الذي تمر به معظم البلاد العربية اليوم والإسلامية على وجه العموم يتشابه في بعض جوانبه مع الواقع الذي مر به ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وزاد الأمر سوء بازدياد أعداد المفتين بشكل غير مسبوق حتى فاق أعداد المسلمين ولا سيما في البلاد الإسلامية التي أصبحت ساحة للصراع الطائفي الذي يقود زمامه التيار الشيعي المتطرف من جهة وفي مواجهته ما سوّق على أنه السلفي الجهادي من جهة أخرى ولعل فهم طبيعة المعركة الطائفية يساهم بشكل لا يقبل الشك بفهم الحالة الدينية التي نتج عنها التطرف في كلا الخطين.

وكان لا بد من ذكر ابن تيمية في معرض الحديث عن هذا الواقع حيث كل ما يلزم المرء حتى يكون صاحب عقيدة راسخة وإيمان لا يقبل الشك ويصبح قادراً على الفتوى في كل الأمور والاتجاهات أن يقرأ كتابا من كتب شيخ الإسلام ويزيد من ثقته بنفسه أكثر أنه أصبح مكروهاً وملعوناً من الطرف الآخر وهذا دليل واضح على الصدق والثبات وفي ذلك أيضاً ما يحقق الغاية المرجوة من استمرار الحرب الطائفية التي أوقدت في المنطقة لتستنزف كل مقدراتها من العنصر البشري إلى المادي والاقتصادي والتجاري وكل الميزات التي تتمتع فيها.

ويبقى السؤال الذي لا يجد جواباً لماذا لا يحفظ سلفية اليوم من فتاوي ابن تيمية إلا القتل والذبح والصلب والتكفير والتبرؤ من كل من خالف المنهج وإخراج الناس من الملة؟ ولماذا لم يأتوا على أقوال ابن تيمية وأفعاله التي ساهمت في الوقوف في وجه المحتلين التتار وغيرهم وكان لها عظيم الدور في توحيد صفوف الناس برهم وفاجرهم عالمهم وجاهلهم في خندق واحد فإن صح من فتاوي ابن تيمية قوله بقتل النصيرية عن بكرة أبيهم رجالا ونساء وصغارا وكبارا فلماذا كلما طالت المعركة كلما ازداد الصف النصيري الشيعي وحدة وتماسكا وقوة وتنظيما والصف السلفي تشرذما وتفرقا وتمزقا واتهاما وتخوينا.

لماذا يصر من يدعون أنهم حملة لواء السلف على اجتزاء النصوص من كتب ابن تيمية ويغضون الطرف عما أجمَلَه وفصّله، لماذا لا ينهلون من فقه الائتلاف والمنهج الذي يتخذ من الحوار البنَّاء قاعدة صلبة ومنطلقاً رئيسا ويُبرز من خلاله شيخ الإسلام خِصال الخير في مخالفيه قبل نقدهم.

ينبئ هذا الواقع بشكل واضح حقيقة الجهل التي تسيطر على قسم كبير من أركان المشروع السلفي السائد والاتجاه الفكري الخاطئ الذي صار عنوان المرحلة الحالية وعليه فلا ينفع بذلك لا كتاب ولا سنة ولا ابن تيمية ذاته فإذا فسدت القاعدة الفكرية فكل ما يترتب عليها من قول وعمل ونتائج لا بد أن يكون فاسداً بالمطلق فكما يقول الإمام الغزالي فإن أية عبادة مقترنة بالجهل تضر بصاحبها وبالدين.

وبذلك نستطيع أن ندرك حقيقة التوحيد التي يسير عليها حملة لواء المنهج وراية الجهاد اليوم في سوريا وفي العراق من قبل والتي تقوم على تكفير الناس وإخراجهم من الملة وتدمير الآثار بتهمة أنها أصنام تعبد من دون الله وهدم قبور الأولياء على أنها نوع من أنواع الشرك الذي أودى بالأمة إلى الحضيض وقطع الأشجار التي كان الناس يعتقدون لها بشيء من القدسية لأنها مسلك يوصل الناس إلى الشرك وبذلك تستقيم عقيدة الناس وتستقر على الحالة التي أرادها الله تعالى لهم وإذا صلحت عقيدة الناس فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

وإذا وقفنا أمام هذا الخطاب وتفحصناه بشكل دقيق يتبين لنا أن حملة الفكر والدعوى في معظمهم أبعد الناس عن فهم عقيدة التوحيد وهم في أحسن أحوالهم ليسوا إلا ببغاوات وقفوا على ظاهر العقيدة واغفلوا جوهرها وراحوا يحملون الناس على أفكارهم السقيمة التي ترسخت لديهم مع الزمن في ظل غياب المرشد والمربي على أنها أسس لا تقبل التنازل وأنهم سيصدعون بها ويجبرون الناس عليها ولا يخشون فيها لومة لائم مقتفيين أثر السلف في ذلك وقدوتهم إليها شيخ الإسلام ابن تيمية الذين عايش ذات الظروف ومر بنفس التجارب وثبت على ذات العقيدة.

ولكن ما لم يفطن إليه اولئك الدّعاة الأفذاذ أن عقيدة التوحيد التي يحملون الناس عليها بأفظ الأساليب وأرعن الوسائل لم تكن إلا سبيلاً لنشر الفرقة والتباغض والتحاسد بين الناس ليتحول على أثرها طالب العلم من مثال يحتذى بالأخلاق والفضيلة وقدوة في التعبير عن رجل العلم الذي يُقلّب الآراء على أنواعها ليصل منها إلى الصحيح المستقيم إلى إنسان منغلق متطرف يسعى جهده لاتهام الآخرين وإيجاد الحجج والبراهين التي تدينهم وتثبت ضلال منهجهم واعوجاج فكرهم وانحراف سلوكهم.

وكانت حصيلة هذه التجربة الدعوية الدينية أننا دمرنا قبور الأولياء ونسفنا كل معالم الشرك في بلادنا ورفعنا راية الإسلام خفاقة فوق مقراتنا ومعاهدنا وصدعنا بالحق ملئ حناجرنا وتبرأنا من كل الكفار والمشركين في غرب الأرض ومشرقها فلماذا خذلنا الله بعد ذلك؟

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

دمرنا قبور الأولياء وصدعنا بالحق فلماذا خذلنا الله؟

هيومن فويس: أحمد عاصي ليس ذنب ابن تيمية ولا محمد بن عبد الوهاب عندما تتحول مناهجهم إلى صورة من صور الحزبية المقيتة وتصبح فتاويهما أداة للسلب والنهب والقتل والاعتداء على الآخرين باسم الدين فإن يكن كلا الرجلين ثابر واجتهد في حقبة تاريخية من تاريخ الأمة الإسلامية واستطاع أن يؤسس ويؤصل لعقيدة التوحيد وأن يؤطرها في سياق منطقي منتظم فإن الذين ساروا على خطاهم كانوا أبعد الناس عن ذلك وكانوا عبارة عن ببغاوات لا تملك من فهم ما تقول شيئا ولم يخطر على بالها للحظة من اللحظات أن تعمل عقولها فيما تقول أو تتحدث. وربما يرجع علماء التاريخ الفضل لابن تيمية

Send this to a friend