هيومن فويس

انتهت الجولة الأولى من محادثات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة في اليومين الأخيرين. لكن وفد الحكومة برئاسة السفير بشار الجعفري هو الذي غادر المفاوضات وقال إنه ربما لن يعود الأسبوع المقبل للمشاركة في الجولة الثانية. والسبب هو رفض الحكومة لما اتفق عليه المجتمعون في مؤتمر الرياض الأسبوع الماضي والذي طالب باستثناء الأسد من أي عملية انتقال سياسي في المستقبل. وهذه مشاهد مألوفة رأيناها منذ جنيف1 عام 2012 حيث تلتقي المعارضة وتتحدث مع بعضها عبر وسيط المؤسسة الدولية سواء كان الأخضر الإبراهيمي أو ستيفان دي ميستورا وتتبادل الإتهامات والشتائم ثم تغادر لتعود من جديد. وهناك أسئلة حول موقف المعارضة السورية المتشدد، وهي التي اجتمعت في الرياض برعاية سعودية، أجبرت على ما يبدو رئيس الهيئة العليا للمفاوضات رياض حجاب، رئيس الوزراء السابق والناقد الشديد للأسد على الاستقالة، وتبعت ذلك استقالات أخرى من أعضاء الهيئة. فهل كانت تريد السعودية تخريب المؤتمر بتوجيهها المؤتمرين لتبني قرار كهذا أم أن المعارضة لم يعد لديها الكثير لقوله في العملية السياسية التي انتقلت أوراقها للاعبين بيدهم القوة الحقيقية لفرض ما يرونه من حل؟ وهنا نتساءل إن كانت جنيف ضرورية فعلا؟ ربما، لو كان الصوت الأمريكي حاضرا فيها. فجولات جنيف السابقة كانت تتم برعاية روسية – أمريكية وفي الفترة الأخيرة لم نعد نرى أو نسمع صوتا أمريكيا.

أين أمريكا؟

وهذا نابع كما تقول مجلة «إيكونوميست» (2/12/2017) من غياب الإستراتيجية الأمريكية الواضحة في سوريا. ففي الوقت الذي التأمت فيه الوفود في جنيف أعلنت واشنطن عن سحب 400 من جنودها في سوريا ووعدت بوقف الدعم لقوات سوريا الديمقراطية التي يسيطر عليها الأكراد في محاولة لترضية تركيا. مع أن المعركة في شرقي سوريا التي تحاول فيها القوى المؤيدة للنظام المدعوم من روسيا وإيران وتلك المدعومة من أمريكا السيطرة على مناطق تنظيم «الدولة» السابقة مستمرة. ما يعني استمرار السياسة الأمريكية المتخبطة في سوريا التي بدأت في عهد الرئيس باراك أوباما الذي وضع خطوطا حمراء لم يحترمها وطالب برحيل الأسد ولم يقدم الدعم للمعارضة السورية حتى تطيح به. وها هو الرئيس دونالد ترامب يسير على طريق سلفه، مع أنه وللحق، لم يدع لرحيل الأسد. وباستثناء الهبة العنترية التي أبداها بعد هجوم خان شيخون وضربه لقاعدة الشعيرات – وسط سوريا في نيسان (إبريل) لم يفعل الكثير، واعترف على ما يبدو بغياب الخيارات أمامه كما وضحها السفير الأمريكي السابق في دمشق، روبرت فورد في مقالة واسعة نشرتها دورية «فورين أفيرز» (نوفمبر/ديسمبر 2017) وقال إن خيارات أمريكا سيئة ولا يمكنها حرف ميزان المعركة على الأرض الذي خسرته، عندما قررت روسيا مساعدة الأسد ايلول (سبتمبر) 2015. والخيار الوحيد الذي يراه الكاتب هو مساعدة اللاجئين السوريين ومشردي الحرب في مصر ولبنان والأردن حيث تعاني هذه الدول وغيرها من متطلبات اللاجئين الذين لن يعودوا في المستقبل إلى بلادهم بعدما سيطر النظام على ممتلكاتهم. ومن هنا فمساعدتهم ستمنحهم نوعا من الكرامة والإنسانية وتقلل من جاذبية المتطرفين الذين يستغلون وضعهم. وعمل «صغير» كهذا هو «رد حزين» على انتفاضة بدأت بالمطالبة بالكرامة والإصلاح «وهو أحسن ما يمكن لأمريكا عمله». وفورد الذي استقال احتجاجا على مواقف إدارة أوباما من الأزمة السورية يلخص الوضع الراهن. ونقل مايكل كرولي عن مسؤول في الإدارة قوله إنه سمع الرئيس وهو يقول إن سوريا هي فشل ورثه من أوباما ولا يمكنه ان يفعل الكثير بشأنه. وبهذا اعتراف بانتصار بوتين في الحرب. ونقل كرولي بمقالته في «بوليتكو» (21/11/2017) عن المسؤول السابق في إدارة أوباما، إيلان غولدنبيرغ: «لقد ربح بوتين الحرب».

الرابح

ومن هنا تفسر الخطوات التي اتخذها من فرض واقع «خفض مناطق التوتر» ومحادثات أستانة وعناقه الحار للأسد في سوتشي وقمته الثلاثية مع رئيس تركيا وإيران والتي ذهب البعض بعيدا في تشبيهها بقمة يالطا التي جمعت ستالين وروزفلت وتشرتشل لترتيب العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وفي الحقيقة هناك ثلاثي يملك القوة على الأرض في سوريا وهي روسيا التي أكدت حضورها وأمنت قواعدها العسكرية وتأكدت من بقاء الأسد في السلطة حتى تعثر على بديل مناسب له، وإيران التي استثمرت الكثير في الورقة السورية وتريد أن تحافظ على مكتسباتها هناك، وبالنسبة لتركيا فهي راغبة بمنع المشروع الكردي من التطور إلى شبه دولة «بي كا كا» على حدودها وهي لم تعد معنية بالأسد، بقي أم ذهب. ولكن التحالف الثلاثي وعلى خلاف يالطا، ينطلق من أهداف ذاتية قد تتلاقى في مرحلة ولكنها تختلف طوال الوقت. فقد تعلم بوتين من الدبلوماسي والجاسوس يفغيني بريماكوف كيف يلعب ورقة سوريا للضغط على الولايات المتحدة ويؤكد على اعتبار بلاده لاعبا مهما في الشرق الأوسط. وقد لعب بوتين الورقة جيدا، فهو الآن يقيم علاقات مع الأضداد في الشرق الأوسط من إسرائيل إلى السعودية ودول الخليج ومصر. أما إيران وتركيا فدائرة الأصدقاء محدودة، ومن هنا فإمكانية تمزق التحالف قائمة. فالموضوع الكردي لا يزال محل خلاف وقد استخدمته روسيا سابقا للضغط على تركيا.

الحرس الثوري

ولاحظ المتخصص في شؤون إيران أليكس فاتنكا، أن الحرس الثوري قد يكون الشعرة التي تنهي تحالف إيران – روسيا في سوريا. وكتب في دورية «فورين أفيرز» (29/11/2017) معلقا، أن مكاسب الحرس الثوري التي بناها في سنوات الحرب الماضية وخططه لتحويل الجماعات الوكيلة التي أنشأها في سوريا كقوى شبه دولة على شاكلة حزب الله اللبناني، قد تفجر نزاعا علنيا مع روسيا وحتى بين المعسكر الإيراني نفسه أي روحاني – الحرس الثوري. ويعتقد فاتنكا أن بقاء القوى المسلحة في سوريا ستظل عقبة أمام تحقق السلام. وبالمقابل فالحرس الثوري يرى ان أي تلاعب بالقوى التي رعاها وشكلها لحماية الأسد مهمة للحفاظ على الزخم ضد إسرائيل والسعودية. كما أن خوف إيران من محاولات روسيا تمرير حلول من وراء ظهرها وانفتاحها على معظم الأطراف بالمنطقة بما فيها إسرائيل يجعلها لا تثق بمشاريع الحل الروسي.

شرعنة

ويتفق الجميع أن فكرة «دستور» و «انتخابات حرة» التي أسفرت عنها القمة الثلاثية ما هي إلا عملية تجميل. فروسيا في النهاية تحتاج لشرعية دولية للخطوات التي تقوم بها، وهي لا تستطيع مواصلة الحرب للأبد، فلديها حساباتها الداخلية وانتخابات مقبلة يريد بوتين الفوز فيها. وقد نجح الرئيس الروسي في سوريا لأنه تعلم الحكمة من بريماكوف ولأنه استغل أخطاء الولايات المتحدة الكارثية وتردد الغرب لدعم الشعب السوري. وتجاهلت روسيا الأمم المتحدة طوال الفترة الماضية وعرقل «الفيتو» أي محاولة لمعاقبة الأسد أو تحقيق تسوية. ولكن بوتين الآن كما تقول «الغارديان» (28/11/2017) يريد الحصول على دعمها كي يقوي من مكاسبه. وروسيا في هذا السياق لديها مصالح خاصة من الحصول على مصادقة من الأمم المتحدة على خططها. فالحرب المستمرة تؤثر على المصادر وثروات الأمم كما أن إعمار سوريا بحاجة لتمويل لا تستطيع روسيا تحمله بنفسها ولا حتى تأمينه. وبوتين بحاجة في الوقت نفسه لان يظهر أن اتفاقيات أستانة تعمل وأن جهوده لجمع المعارضة التي أعاد تشكيلها تستطيع تمرير «الدستور» مع أنه اكتشف محدودية ما يمكنه عمله عندما أجل مؤتمرا لمناقشة مسودة الدستور لوقت لاحق من هذا الشهر. والمهم في الأمر ان تحركات بوتين ما هي إلا صورة عن منتصر يحاول تحديد شروط اللعبة، واللافت في الامر أن الرئيس الأمريكي قبل بها. وكما علقت صحيفة «واشنطن بوست» (29/11/2017) فقد حلت روسيا محل الولايات المتحدة كقوة مؤثرة في أهم نزاع بالمنطقة. وتعلق الصحيفة أن قبول ترامب بالتطورات هو مثال آخر عن تبعيته للكرملين. ويأتي هذا بعد السجل الكارثي لباراك أوباما والذي سرع بنهاية القيادة الأمريكية للعالم. ورغم صحة هذا الكلام نسبيا إلا أن الرئيس يقوم بتكرار أخطاء سلفه، فكما اهتم أوباما لحد الهوس بتحقيق الاتفاقية النووية مع إيران متناسيا الواجبات الأمريكية الأخرى، يقوم ترامب وبهووس بتفكيك الاتفاقية النووية بدون أن يؤكد أي استراتيجية واضحة في سوريا. فالرئيس الذي يريد ملاحقة التأثير الإيراني بالمنطقة بحاجة إلى مدخل صحيح في سوريا. وورد هذا في دراسة أعدتها مجموعة مهام مكونة من جنرالات ودبلوماسيين سابقين لصالح معهد يهودي أمريكي وعكست النتائج موقف إسرائيل التي تريد منع إيران من تحقيق نصر واضح في سوريا. وأشارت الدراسة إلى الدور البارز لطهران من الناحية الاقتصادية والعسكرية وإلى الممر البري الذي يبدأ من حدودها مرورا بالعراق وسوريا إلى لبنان. ولكي تظل أمريكا مهمة في سوريا، فقد دعت الدراسة إلى بقاء قواتها هناك، سواء على الأرض حيث يوجد الآن حوالي 2.000 جندي وفي السماء وذلك لتوفير الأمن أثناء عملية الإعمار ولمنع ظهور تنظيم «الدولة» من جديد أو سيطرة الأسد عليها. وطالب التقرير بدعم قوات سوريا الديمقراطية للحفاظ على المناطق التي تسيطر عليها وذلك لمنع عودة التنظيم من جديد أو سيطرة نظام الأسد عليها، مما سيسهم في تشكيل سوريا ما بعد الحرب.

ويدعو التقرير إلى تعاون أمريكا مع الحلفاء (إسرائيل) لاعتراض الشحنات العسكرية القادمة من إيران إلى سوريا عبر البر العراقي مما سيسهم في إضعاف قدرة إيران على الاحتفاظ بوجود عسكري في سوريا ويؤثر على فاعلية الجماعات الوكيلة لها. ويدعو التقرير واشنطن العمل مع حلفائها لدمج أنظمة الدفاع الصاروخية بدرجة تمنع توسع العدوان الإيراني بالمنطقة ومحاولاتها المستمرة نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى حزب الله. ورغم اعتراف مؤلفي التقرير أنه لا يمكن تحقيق انتصار والإطاحة بالأسد بعد فشل الإدارتين الذريع، إلا أن الخطوات المقترحة تساعد على الأقل في بناء نوع من النفوذ ضد إيران. وبدون هذه الإجراءات فمخاطر مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحلفاء إيران (حزب الله والنظام السوري) تتزايد وهو نزاع قد يدخل المنطقة في جولة جديدة من الحرب. لكل هذا تبدو الصورة من جنيف قاتمة، ففرص نجاحها قليلة ولكن إطالة حرب لا منتصر فيها أو مهزوم يعني استمرار الدم والقتل. وليس غريبا أن يجري القتال على صوت الغارات الجوية ضد الغوطة التي كانت يوما ما سلة غذاء سوريا ولكنها اليوم محاصرة وجائعة وخائفة. فطالما لم تنته الحرب والحديث عن «مخرجات» (وهي كلمة مقيتة تدور في الخطاب السياسي اليوم) جنيف، الرياض، سوتشي وأستانة مجرد إطالة لمعاناة السوريين والإقتتال على ركام، وكما قال المؤرخ الروماني تاكيتوس «خلقت صحراء وسميتها سلاما» وليس مصادفة أن تجري الدفعة الدبلوماسية الأخيرة بعد عام من سقوط مدينة حلب في يد النظام بعد معركة شرسة. وحلب هي تذكير بحجم الدمار والحاجة لوقف الحرب.

المصدر: القدس العربي

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

ما حاجة جنيف والمنتصر حدد شروط اللعبة؟

هيومن فويس انتهت الجولة الأولى من محادثات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة في اليومين الأخيرين. لكن وفد الحكومة برئاسة السفير بشار الجعفري هو الذي غادر المفاوضات وقال إنه ربما لن يعود الأسبوع المقبل للمشاركة في الجولة الثانية. والسبب هو رفض الحكومة لما اتفق عليه المجتمعون في مؤتمر الرياض الأسبوع الماضي والذي طالب باستثناء الأسد من أي عملية انتقال سياسي في المستقبل. وهذه مشاهد مألوفة رأيناها منذ جنيف1 عام 2012 حيث تلتقي المعارضة وتتحدث مع بعضها عبر وسيط المؤسسة الدولية سواء كان الأخضر الإبراهيمي أو ستيفان دي ميستورا وتتبادل الإتهامات والشتائم ثم تغادر لتعود من جديد. وهناك أسئلة حول موقف المعارضة

Send this to a friend