هيومن فويس: مركز المستقبل للدراسات

تمكنت ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” من تحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم “داعش”، في 17 أكتوبر الجاري، بعد مرور نحو أربعة أعوام على إعلان المحافظة عاصمة للتنظيم، وذلك عقب انتهاء عمليتها العسكرية التي بدأت في 6 يونيو 2017، وسيطرت عبرها على معظم قرى وبلدات المحافظة، وهو ما توازى مع خروج الكوادر والعناصر المحلية التي انضمت للتنظيم وعدد كبير من المدنيين بعد تدخل بعض وجهاء وشيوخ العشائر في المدينة.

ومن دون شك، فإن هذا التطور يكتسب أهمية وزخمًا خاصًا، لا سيما على مستوى تداعياته القوية التي ستؤثر على تماسك التنظيم وربما تساهم في تفككه وانحسار دوره تدريجيًا خلال الفترة القادمة، كما أنه سوف يفرض مزيدًا من الضغوط على المقاتلين الأجانب، الذين تباينت التقارير حول خروجهم مع المدنيين والمقاتلين المحليين أو استسلامهم أو بقاءهم داخل الرقة أو القضاء عليهم.

وقد أشارت تلك التقارير إلى أن ميليشيا “قسد” ما زالت تبحث عن بعض “الخلايا النائمة” التي قد يكون المقاتلون الأجانب قاموا بتكوينها في الفترة الماضية، حيث ما زال بعضهم يتحصن داخلها مع عوائلهم، ويصر على عدم الاستسلام لميليشيا “قسد”، رغم محدودية الخيارات المتاحة أمامهم للتعامل مع التطورات الميدانية التي شهدتها الرقة في الفترة الأخيرة، فيما يبحث البعض الآخر عن بدائل مختلفة، خاصة وأنهم لا يستطيعون الاندماج بسهولة مع المكونات الاجتماعية في المدينة على عكس المقاتلين المحليين الذين تبنى بعضهم هذه الآلية بعد الهزيمة التي منى بها التنظيم في مدينة الموصل شمال العراق التي أعلن عن تحريرها في 10 يونيو 2017.

وبعد أن ظهرت تقارير عديدة تشير إلى خروج بعض المقاتلين الأجانب في إطار الاتفاق الأخير وتستند في هذا السياق إلى تصريحات لبعض المسئولين المحليين، أعلن المجلس المدني بالرقة، الذي يضم ممثلين عن العشائر، في 15 أكتوبر 2017، أن “المقاتلين الأجانب ليسوا ضمن اهتمامات المجلس المدني ولجنة العشائر، ولا يمكن الصفح عنهم”، مضيفًا أن “المستسلمين هم فقط سوريون وعددهم مع عوائلهم 275 شخصًا”.

وبالتوازي مع ذلك، أعلن المتحدث باسم التحالف الدولي ضد “داعش” العقيد رايان ديلون، في اليوم نفسه، أن “التحالف لن يسمح للمقاتلين الأجانب في داعش بمغادرة الرقة”، بما يعني أن القوى الدولية المنخرطة في الحرب ضد التنظيم تبدي اهتمامًا خاصًا بتلك القضية، التي ترى أنها فرضت تداعيات مباشرة على أمنها خلال المرحلة الماضية، بعد العمليات الإرهابية التي وقعت في العديد من العواصم الغربية، على غرار باريس وبروكسل ولندن. ويبدو أن ذلك سوف يساهم بدوره في تحديد الخيارات المتاحة أمام المقاتلين الأجانب الذين ما زالوا موجودين داخل الرقة.

سمات خاصة:

مارس بعض المقاتلين الأجانب أدوارًا بارزة داخل تنظيم “داعش” على المستويات العسكرية والتنظيمية والإدارية خلال الأعوام الأربعة الماضية، خاصة بعد تمكنهم من اكتساب ثقة القيادات الرئيسية في التنظيم، في ضوء حرصهم على الالتزام بالتوجهات الفكرية والقواعد التنظيمية التي اعتمدها “داعش”، وقدرتهم على القيام بعمليات إرهابية غير تقليدية، مثل “الهجمات الانغماسية” التي ركز عليها التنظيم في بعض عملياته داخل وخارج المنطقة.

وبالطبع، فإن ذلك يعود، في قسم منه، إلى انخراط كثير منهم في الصراعات المسلحة التي شهدتها بعض الدول والمناطق التي ينحدرون منها منذ عقود عديدة، على غرار الشيشان وجنوب شرق آسيا، فضلاً عن أن بعضهم كان له سوابق إجرامية حاول التنظيم استغلالها في العمليات الإرهابية التي قام بها في المناطق التي سيطر عليها خلال الفترة الماضية.

وبالإضافة إلى ذلك، يتسم بعض المقاتلين الأجانب بالتشدد الفكري والالتزام القوي بتوجهات “داعش”، وهو ما يمكن أن يفسر، طبقًا لتقارير عديدة، بعض أسباب حرصهم على عدم الانضمام للاتفاق الأخير الذي خرج بمقتضاه المقاتلون المحليون وبعض المدنيين الذين تم استخدام عدد منهم كدروع بشرية لتأمين خروج هؤلاء المقاتلين.

بدائل ضيقة:

مع حرص ميليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” على الانتهاء من تحرير محافظة الرقة في أقرب وقت ممكن، خاصة في ظل التراجع الحاد الذي يتعرض له التنظيم على كافة المستويات بعد الهزائم المتوالية التي منى بها في أكثر من منطقة، يمكن القول إن ثمة مسارات محتملة قد يتجه إليها هؤلاء المقاتلون، ويتمثل أبرزها في الآتي:

1- مواصلة الانخراط في مواجهات مسلحة: خاصة في ضوء الأهمية الخاصة التي يبديها بعض مقاتلي التنظيم لمحافظة الرقة تحديدًا، التي مثلت المعقل الرئيسي للتنظيم وعاصمته، بشكل سوف يدفع العديد منهم إلى تفضيل البقاء داخل المدينة على الخروج منها إلى مناطق أخرى يسيطر عليها التنظيم. بل إن بعضهم قد يستمر في قتال عناصر ميليشيا “قسد” تجنبًا للوقوع في الأسر.

2- الهروب من المدينة: ربما يحاول بعض المقاتلين الأجانب الهروب من المدينة والانتقال إلى المناطق الأخرى التي يتواجد بها التنظيم أو إلى أى منطقة أخرى، خاصة أن بعضهم لم ينضم إلى الأخير بسبب توجهاته الفكرية، وإنما لاعتبارات أخرى يأتي في مقدمتها الحصول على موارد مالية. ومن هنا، فإن هذا الفصيل قد يسعى إلى تجنب خيارى الأسر أو القتل، من خلال العمل على البحث عن مسارات للخروج من المدينة، إلا أنه قد يواجه صعوبات في هذا السياق بسبب الحصار الذي تفرضه ميليشيا “قسد” على المدينة.

3- الاستسلام لميليشيا “قسد”: لا سيما أن الأخيرة نجحت في السيطرة على معظم أنحاء المحافظة، وقد أشار المرصد السوري لحقوق الإنسان بالفعل إلى أن ما بين 130 إلى 150 مقاتلاً أجنبيًا استسلموا لميليشيا “قسد” قبل انتهاء المعارك. وترجح تقارير عديدة أن تقوم الميليشيا الكردية بفتح قنوات تواصل مع الدول التي ينحدر منها هؤلاء المقاتلون من أجل البحث في الآليات المتاحة لإعادتهم إليها من أجل محاكمتهم.

ويبدو أن هذا الملف تحديدًا سوف يحظى باهتمام خاص من جانب القوى المعنية بالحرب ضد الإرهاب، خاصة في ضوء حرصها على التعامل مبكرًا مع التداعيات المحتملة التي قد تفرضها هزائم “داعش” في كل من الموصل والرقة، والتي يأتي في مقدمتها تصاعد ظاهرة “العائدين من مناطق الصراع”، التي باتت تهدد أمنها واستقرارها بشكل مباشر.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مسارات محتملة للمقاتلين الأجانب بعد الرقة

هيومن فويس: مركز المستقبل للدراسات تمكنت ميليشيا "قوات سوريا الديمقراطية" من تحرير مدينة الرقة من قبضة تنظيم "داعش"، في 17 أكتوبر الجاري، بعد مرور نحو أربعة أعوام على إعلان المحافظة عاصمة للتنظيم، وذلك عقب انتهاء عمليتها العسكرية التي بدأت في 6 يونيو 2017، وسيطرت عبرها على معظم قرى وبلدات المحافظة، وهو ما توازى مع خروج الكوادر والعناصر المحلية التي انضمت للتنظيم وعدد كبير من المدنيين بعد تدخل بعض وجهاء وشيوخ العشائر في المدينة. ومن دون شك، فإن هذا التطور يكتسب أهمية وزخمًا خاصًا، لا سيما على مستوى تداعياته القوية التي ستؤثر على تماسك التنظيم وربما تساهم في تفككه وانحسار دوره

Send this to a friend