هيومن فويس: القدس العربي- وائل عصام

في خطابه الاخير بدا زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» متفائلا بإمكانية وضع حد للهزائم المتتالية لجماعته الجهادية، وأكثر ما ركز عليه هو شحذ همم مقاتليه وحثهم على مواصلة القتال.

وكما هي العادة في خطابات البغدادي ومن قبله العدناني، شن التنظيم هجوما كبيرا على أطراف بلدة السخنة، مستغلا مساحات الصحراء الواسعة، التي ما زال تتمركز فيها عناصره جنوب دير الزور، وسرعان ما بدأ المراقبون يتساءلون، هل يستطيع التنظيم فعلا استرداد ما فقده وعكس مجريات الأمور لصالحه ميدانيا؟ أم أن النظام والحشد الشعبي العراقي سيواصلان التقدم، وإن ببطء، حتى يكملان سيطرتهما على آخر معاقل تنظيم «الدولة» الحضرية المهمة في الحويجة في العراق وريف دير الزور في سوريا؟

من الواضح أن التنظيم استعاد جزءا من قوته، ولكن يبدو من المستبعد أن يتمكن من تغيير مسار العمليات العسكرية، ومنع المزيد من التراجع الميداني في سوريا والعراق، الأمر الوحيد الذي قد ينجح فيه، هو إطالة أمد المعارك، وإلحاق المزيد من الخسائر بالقوات المهاجمة، خصوصا في معقلين يتمتع فيهما بحضور عميق، هما الحويجة وريف دير الزور، فحتى اليوم تواجه قوات الحشد الشعبي مصاعب جمة خلال هجومها على الحويجة، بعد أيام من بدء عملية عسكرية كبيرة لم تشارك بها قوات البيشمركه الكردية، وهو مؤشر مهم على الإرباك الحاصل في التحالفات القائمة، إثر النزاع الكردي الشيعي بعد الاستفتاء، رغم إن الحويجة شبه محاصرة من البيشمركه منذ أشهر طويلة، وقد ينجح التنظيم في إطالة أمد المعارك في الحويجة لعدة أيام مقبلة، مسببا خسائر كبيرة للقوات المهاجمة، مستفيدا أيضا من سلسلة جبال حمرين القريبة، التي يختبئ فيها مقاتلوه منذ سنين طويلة، من دون أن تتمكن القوات الحكومية من التعامل معها.

أما ريف دير الزور ووادي الفرات المتصل بالحدود العراقية السورية، فهي المنطقة الأكثر أهمية الآن للتنظيم، حيث تتواجد فيها معظم قياداته، ولعل مقتل الضباط الروس الكبار في دير الزور يعطي مؤشرا على نوعية الهجمات الشرسة التي سيشنها التنظيم على قوات النظام كلما تقدمت أكثر نحو الريف. والأمر الذي يدفع التنظيم للقتال بشراسة هذه المرة، هو أن معظم المساحات الصحراوية التي كانت متاحة سابقا في بادية الشام والأنبار، باتت بيد أعدائه، وإن كان من الصعب السيطرة على كثير من المواقع الصحراوية التي اعتاد التخفي فيها، كما حصل عام 2009 في العراق، إلا ان الحملة المنسقة للقوات العراقية والسورية والميليشيات الطائفية المشاركة معهما، جعلت مهمة إيجاد ملاذات صحراوية آمنة للتنظيم أمرا أكثر صعوبة، لذلك فلا خيارات كثيرة متاحة أمام عناصر التنظيم سوى الاختباء في المدن الكبيرة التي لا تعرف انتماءاتهم، أو الاحتماء بقراهم العشائرية الريفية.

ولعل أكثر ما أنهك التنظيم في الأشهر الأخيرة، إضافة للضغط العسكري الهائل من الأطراف الإقليمية والدولية، هو النزاع الداخلي الحاد الذي تسبب فيه جناح غاية في التطرف، اشتهر بتكفير عوام المسلمين والكثير من علماء السنة الأصوليين، واستغرق الأمر عدة أشهر حتى تمكن التنظيم من اعتقال واحتجاز، بل إبعاد أبرز وجوه وعناصر هذا التيار، ليصدر بعدها بيان نادر يقر فيه بالنزاع الحاصل، وتعقبه سلسلة اذاعية صوتية تتحدث عما اعتبرته انحرافات هذا التيار العقدية، ورغم شدة تأثير هذا النزاع، إلا إنه لم يؤثر بشكل مفصلي في التراجعات العسكرية، وإن كان بعضها قد حصل خلال هيمنة بعض رموز هذا التيار على بعض المناطق، كما حصل في الطبقة، حسب بعض المصادر المقربة من التنظيم، بينما كان العامل الأبرز للتراجع، هو اختلال توازن القوى بين التنظيم وخصومه الإقليميين المدعومين، روسياً وأمريكيا، فالموصل مثلا، شهدت أشرس أداء عسكري للتنظيم، وهو بعيد عن أزمته الداخلية، ومع ذلك لاقت مصير السقوط بيد قوات الحكومة العراقية والحشد الشيعي، وان بعد مطاولة ومقاومة عنيدة استمرت لأشهر، لتعد من ضمن أطول معارك المدن في التاريخ.

الحاصل، إن خطاب البغدادي، الذي قد يكون الاخير، يأتي في إطار حملة جديدة للتنظيم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة لملمة صفوفه، وسينجح ربما في إطالة المعركة واستنزاف الخصوم أكثر، لكنه لن يتمكن على ما يبدو في تغيير النتيجة والمآل النهائي للمعارك الجارية في العراق وسوريا، التي ستؤول على الاغلب الى خروج التنظيم من كافة معاقله الحضرية في نهاية هذا العام، إلا إذا طرأت مستجدات مفاجئة، تربك تحالفات خصومه من حوله، كانفجار النزاع الكردي الشيعي في العراق.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل هو خطاب البغدادي الأخير؟

هيومن فويس: القدس العربي- وائل عصام في خطابه الاخير بدا زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» متفائلا بإمكانية وضع حد للهزائم المتتالية لجماعته الجهادية، وأكثر ما ركز عليه هو شحذ همم مقاتليه وحثهم على مواصلة القتال. وكما هي العادة في خطابات البغدادي ومن قبله العدناني، شن التنظيم هجوما كبيرا على أطراف بلدة السخنة، مستغلا مساحات الصحراء الواسعة، التي ما زال تتمركز فيها عناصره جنوب دير الزور، وسرعان ما بدأ المراقبون يتساءلون، هل يستطيع التنظيم فعلا استرداد ما فقده وعكس مجريات الأمور لصالحه ميدانيا؟ أم أن النظام والحشد الشعبي العراقي سيواصلان التقدم، وإن ببطء، حتى يكملان سيطرتهما على آخر معاقل تنظيم «الدولة» الحضرية

Send this to a friend