هيومن فويس: صدى الشام

تروّج دوائر إعلامية وسياسية دولية ومحلية لفكرة انتصار بشار الأسد طاغية العصر على الشعب السوري البطل. لكن هل كان هذا الجزار قادراً على اتخاذ هكذا قرارات إجرامية لولا وقوف قوى الإجرام العالمي المتمثلة بايران وروسيا وراءه؟

لم يشهد التاريخ الحديث ثورة تحفل بالعزة والفخار الذي نالته الثورة السورية بصبر ومثابرة وثبات الشعب السوري على أهدافه، فقد اشترك فيها أكثر من 70 % من الشعب السوري البالغ عدده 23 مليون نسمة أي ان عدد المشاركين فيها لا يقل عن 16 مليون مواطن سوري، وهناك نسبة كبيرة من المتبقين كانت لا تستطيع التعبير عن رأيها نتيجة القمع الممارس ضد الشعب السوري قبل الثورة وأثناءها، فهي ثورة شعبية بكل المعايير. تلك الثورة التي تعتبر مدرسة حديثة في ثورات الشعوب حيث كانت شرارتها الأولى من المدن الصغيرة والأرياف والتي تضم غالبية الشعب المثقف والمتنور، خلافاً للمعتاد من انطلاق الثورات عموماً من العواصم والمدن الكبرى، وما منع الثورة السورية من التحرك داخل العاصمة أو المدن الكبرى عموما هو احتلال العصابة الحاكمة لمفاصل تلك المدن بأجهزة المخابرات المتعددة المتنوعة الموزعة على الأحياء السكنية والمدارس والمساجد والكنائس، والمطاعم والملاهي وكل الأرصفة، فعدد عناصر المخابرات والجيش المتواجدون في دمشق وحدها مثلاً يفوق سكان دمشق الأصلاء أكثر من مرة، ومثلها حلب، مما قيّد وكبّل الحلبيين لفترة ليست بالقليلة، والدمشقيين إلى اليوم، فبنية الدولة أمنيّة بامتياز، لكنها ليست دولة أمان، وعندما انطلقت شرارة الثورة في المدن الصغيرة والأرياف، كانت استجابة العصابة بطريقتين: الأولى مواجهة المظاهرات السلميّة بدمويّة شديدة لمحاولة قمعها ووأد الثورة في مهدها (الأرياف).

والثانية تركيز السيطرة الأمنية على المدن والاستشراس في إرهاب سكانها لإبقائهم ضمن حظيرة العصابة. ومع ذلك فقد سجّلت الثورة نصرها على العصابة الحاكمة عام 2012 عندما استجارت العصابة بايران وعصائبها الطائفية، وبعد فشل الطرفين الباغيين استنجدوا بروسيا وريثة الشيوعية التي دعمت الشيعة عوضا عن الشيوعية، مما حدا بقوى الثورة للتمدد في المدن الصغيرة والأرياف، وهو ما سهّل على العصابة تطويق البؤر الثائرة وحصارها الواحدة تلو الأخرى، وهذا ما جعل الثورة تستغرق زمناً طويلاً وأطال في عمر النظام الباغي إلى اليوم بعد مضيّ قرابة سبع سنوات وهو زمن لم تستغرقه ثورة في التاريخ ما عدا الثورة الفرنسية، مع الفارق الكبير في طرق قمع الثورتين فقد تحمل الفرنسيون الملاحقة لأفراد أو جماعات قليلة، واستخدمت المقصلة كوسيلة للقتل، بينما كان قتل الشعب السوري قتلاً جماعياً بكل انواع الأسلحة الحديثة الفتاكة بدأ من الأسلحة النارية الخفيفة مروراً بالدبابات والطيران بكل أنواعه وانتهاءاً بأسلحة الدمار الشامل المحرمة دولياً في الحروب بين الدول، وليس ضد شعب أعزل، أو تجمعات سكانية لا تملك أي وسيلة للدفاع عن نفسها.

لقد ارتكبت العصابة الحاكمة في دمشق جريمة القرن، لا بل أبشع جريمة في التاريخ، حيث استخدمت الغازات السامة مرات ومرات على مرأى ومسمع المجتمع الدولي بأسره، وهو من أعطى العصابة المهلة تلو المهلة للاستمرار في قتل الشعب السوري الثائر الذي تحمّل كل ذلك بقوة وإيمان منقطع النظير ضارباً مثلاً أعلى لكل شعوب العالم في القدرة على التحمل والثبات على هدف إسقاط نظام العصابة الحاكم منذ نصف قرن من الزمن، رافضاً الإذعان والتنازل عن حقوقه في الحرية والحياة الحرة الكريمة رغم تقلبات السياسة الدولية المتمثلة بالسياسة الأمريكية التي تراعي مصالحها ومصلحة إسرائيل وتقاسُم المصالح مع روسيا حليفة النظام، مستخدمين ايران وميليشياتها الطائفية كوسائل في تحقيق هدفهم، و”داعش” كصنيعة تشوه الإسلام وتقاتل قوى “الجيش الحر”، وفي الوقت ذاته تستخدمها الولايات المتحدة الأميركية وما سمي التحالف الدولي هدفاً لإكمال تنفيذ هدفهم في تقتيل الشعب السوري وترويعه،  فمجموع هذه القوى والتحالفات تضع قتل الشعب السوري لبعضه وفناءه وتدمير تاريخه وحضارته هدفاً لها، ومع كل هذا التحالف والتناغم بين كل تلك القوى المتنافرة، كان الشعب السوري يقاوم مخططاتهم ويناجزهم مجتمعين وهذا بحد ذاته نصر كبير لهذا الشعب البطل. أليس هذا نصراً؟

ولكن تصريحات بشار “الحيوان” (كما سماه ترامب ) تتحدث عن انتصارات جيشه الذي يمثل الشعب. ليتساءل المستمع: إذا كان نصف الشعب السوري مهجّراً ومعارك البغاة مستمرة مع النصف الآخر، فعن أي شعب يتحدث؟ وهل انتصر بشار وانهزم الشعب بعد كل هذا الثبات زمنياً منذ سبع سنوات، وتضحيات بلغت المليون شهيد ومليون معاق وعشرة ملامين مهجّر في بقاع الارض، وما زال الشعب يقاوم كل آلات الحرب العسكرية والإعلامية؟ هل هذا الشعب في موقع الهزيمة؟ كلا إنه النصر ولو لم يكن ناجزاً الآن، وستُكتمل أركانه لاحقاً.

فهل الثورة أرض أو قصر أو بستان ليرفع المنتصر علمه عليه ويعلن عن انتصاره؟ الثورة فكر يعشش في عقول الأحرار لا يصل إليه طاغية او مجرم أو جزار، وهذه حال الشعب السوري الذي يواجه حرباً عالمية ضده ، ولا بد لهذا الشعب أن ينتصر، ولا بد لهذا الجلاد الغاشم من السقوط طال الزمن أم قَصُر.

الكاتب: محمد العطار محلل سياسي وعسكري

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

هل انتصرت العصابة وهُزِم الشعب؟

هيومن فويس: صدى الشام تروّج دوائر إعلامية وسياسية دولية ومحلية لفكرة انتصار بشار الأسد طاغية العصر على الشعب السوري البطل. لكن هل كان هذا الجزار قادراً على اتخاذ هكذا قرارات إجرامية لولا وقوف قوى الإجرام العالمي المتمثلة بايران وروسيا وراءه؟ لم يشهد التاريخ الحديث ثورة تحفل بالعزة والفخار الذي نالته الثورة السورية بصبر ومثابرة وثبات الشعب السوري على أهدافه، فقد اشترك فيها أكثر من 70 % من الشعب السوري البالغ عدده 23 مليون نسمة أي ان عدد المشاركين فيها لا يقل عن 16 مليون مواطن سوري، وهناك نسبة كبيرة من المتبقين كانت لا تستطيع التعبير عن رأيها نتيجة القمع الممارس

Send this to a friend