هيومن فويس: محمد العطار

في الفترة التي بدأت تميل فيها كفة النزاع في سوريا لصالح عصابات الأسد نتيجة انعدام الإنسانية ومحاباة المصالح السياسية وتفضيلها على الدم السوري المراق ، وبعد التدخل الروسي وإحراق الأخضر واليابس في سوريا للإسراع في إنجاز مهمة إجهاض الثورة وتمكين نظام العصابة الأسدية من إعادة فرض سيطرته بالقوة على أوسع مساحة يستطيع استعادتها من الأرض السورية، مستفيدا من كل أنواع الدعم المقدم من الروس والايرانيين والميليشيات الشيعية الداعمة والقوات التي تسمى رديفة وكل مجرمي الأرض، وسكوت كل الدول التي تسمى العالم المتحضر، والمنظمات الإنسانية، لا بل انحيازها للطرف المعتدي.

بدأ سؤال يتردد على ألسنة بعض محبي اردغان وتركيا وبعض الكارهين والمغرضين

ماذا فعل لنا أردغان؟

ماذا قدمت لنا تركيا؟

بداية لست بصدد الدفاع عن اردغان أو عن تركيا، ولكني سأحاول تسليط الضوء على الدور التركي مقارنة مع بعض الأدوار التي اضطلعت بها دول عربية أو إقليمية، سيما وأن الفترة الزمنية التي مرت من عمر الثورة طويلة إلى الحد الكافي لكشف أدوار الجميع وتوضيح أهداف الجميع .

كانت العلاقة التركية السورية قبل بدء الثورة علاقة ممتازة مقارنة بفترة حكم حافظ الأسد الذي جعل العلاقة بين البلدين متوترة لأسباب كثيرة منها احتضانه لعبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني المناوئ لتركيا وانطلاق الكثير من عملياته الإرهابية ضد تركيا انطلاقا من الأراضي السورية، إلى الحد الذي جعل تركيا تلجأ للتهديد العسكري لسوريا إذا لم تتخلى عن دعمه أو تسلّمه لتركيا، مما جعل النظام السوري يتخلى عن اوجلان لتعتقله تركيا فيما بعد.

وبعد استلام بشار السلطة في سوريا وراثيا عن أبيه، تحسنت العلاقة مع تركيا تحسنا ملحوظا الى الحد الذي جعل البعض يعتبر بشار ثائرا على سياسة أبيه الفاسدة، فقد فتحت الحدود بين الطرفين تنشيطا للسياحة البينية وصار التنقل بينهما على الهوية دون الحاجة لجواز سفر أو لفيزا، مما فتح الطرق التجارية على مصراعيها بين البلدين، وسمح لتركيا برعاية محادثات سورية إسرائيلية حول إطلاق عملية سلام في المنطقة، وتطورت العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا حتى بلغ حجم التبادل التجاري ثلاثة بليون دولار، وهو رقم هائل قياسا بانعدام التبادل التجاري تقريبا قبل سنوات، كما فتحت وزارة الثقافة ومحطات التلفزة السورية الباب أمام المسلسلات التركية التي تعرف المواطن السوري بالثقافة التركية التي كانت تُهاجم قبل فترة وجيزة وعاد النظام لمهاجمتها أشد ما كان( اليوم في الكتب المدرسية والثقافة العامة) ،  إضافة إلى نشوء علاقة شخصية بين أردغان وبشار كانت توصف بالعائلية والحميمية،

بداية لا بد من التذكير أن السيد رجب طيب أردغان رئيس جمهورية تركيا يسعى لمصلحة بلده وشعبه، وهذه مهمته الأساسية، وكل ما يصدر عنه من تصريح أو فعل أو مشاركة  انطلاقا من هذه المسلّمة ،إذ لم يكن اردغان قائدا للثورة السورية أو عضوا فيها أو قادح شرارتها  ولا ممثلا لها.

 ما قدمته تركيا للثورة

1: أول ما قدمته تركيا للثورة السورية (بالطبع بعد محاولات أردغان التدخل لإصلاح النظام ) هو التخلي عن مصالح تركيا بقطع العلاقة مع نظام العصابة الحاكم في سوريا وهي خسارة اقتصادية وسياسية وثقافية لتركيا، لم تقدم عليها إلا لقناعتها أن مصلحة تركيا تتقاطع مع مصلحة الشعب السوري والثورة السورية لا مع نظام القمع القائم .

2: ثم استقبال اللاجئين السوريين الفارين من أتون الحرب بأعداد كبيرة لم يماثلها فيها أي من الدول الشقيقة المجاورة، التي استقبلت أعدادا أقل بكثير وجعلت السوريين وسيلة تسول لها، إضافة لسرقة أموال الدعم المقدمة للسوريين كما فرضت على المنظمات تشغيل مواطنيها في منظمات الدعم والإغاثة دعما لاقتصادها، هذه المنظمات الموجهة أصلا ليستفيد منها السوريون في التشغيل والتوزيع .

3: تبني بعض الفصائل العسكرية السورية، وتمرير الدعم لها.

4: استقبال المنظمات السورية كالائتلاف والمجلس الوطني على اراضيها، ولا يضر تركيا إن كانت هذه البنى فاشلة أو عاجزة عن تقديم ما يلزم تقديمه

5: تسخير عملها الدبلوماسي لخدمة الثورة وأهدافها في المحافل الدولية، في حين كانت دول عربية تتبنى إفشال الثورة، وتقدم المال إمعانا منها في زيادة القتل للسوريين والتدمير للبنى التحتية لسوريا، في الوقت الذي تتبنى فيه هزيمة الثورة والحفاظ على قاتل الشعب السوري ومدمر حضارته، ودول أخرى تهيمن على قرار الثوار وتمنعهم من مهاجمة قوات النظام وتجمعاته بناء على تسلطها على ميزانيات الدعم المقدم عبر غرفة الموك، ودول عربية أخرى سلطت جيشها وحثالات شعبها على اللاجئين السوريين المتواجدين على أراضيها، والجميع تقريبا رفض استقبال السوريين على أراضيه، في حين رحبت بهم تركيا والدول الاوربية، هذا من باب المقارنة .

6: محاولة دمج اللاجئين السوريين في المجتمع التركي، وإدخال بعضهم في سلك العمل الوظيفي والمهني في تركيا، والسماح بترخيص الشركات، على عكس ما قامت به بعض دول الجوار العربي من فرض عقوبات على المؤسسات التي توظف السوريين وجعلتهم كالمعتقلين مقيدين داخل مخيماتهم . وفرض دول عربية أخرى ضريبة شهرية على اللاجئ السوري الذي لا يجد الكفاف فضلا عن دفع ضريبة .

ولكن لماذا اتخذت تركيا هذه الإجراءات؟

1: تركيا بلد مجاور لسوريا جغرافيا والحدود المشتركة تصل الى حوالي 850 كم وتحوي التركيبة السكانية ذاتها تقريبا وفيها ذات التداخلات الموجودة في سوريا، مما يجعل تركيا تتأمل كل حركة اجتماعية داخل المجتمع السوري، وترقب أبعادها، مميزة النافع منها والضار، خوفا من انتقاله إلى الداخل التركي، فالحدود طويلة والتداخلات العائلية والاجتماعية والعرقية كثيرة، من هنا كان اهتمام القيادة التركية بما يجري على الأرض السورية أشد مرات عديدة من اهتمامها فيما حصل بتونس وليبيا ومصر في ثورات الربيع العربي،

 عدم ثقة تركيا بالشريك الأمريكي والحليف الأوربي

على مدى قرن من الزمن اكتشفت تركيا موقعها الحقيقي في حلف شمال الأطلسي وعرفت انها استُخدمت لتحجيم الاتحاد السوفيتي سابقا، وسُلحت لتضخيم حلف شمال الأطلسي و لتكون أداة بيد أمريكا والغرب لا لتكون شريكا حقيقيا لهما، لذا كان لا بد لتركيا الجديدة الناهضة من البحث عن شخصيتها المستقلة عن الغرب والشرق الباحثة عن مصالحها وسلوك الطرق التي تخدم أهدافها، لا سيما بعد الانقلاب الفاشل في 15 تموز 2016 ، وبعد وقوف غالبية الدول الاوربية مع المعارضة التركية في الخارج والداخل في وجه القيادة التركية أثناء اجراء التعديلات على الدستور التركي في نيسان الماضي، فتركيا تحدد موقعها على الخريطة السياسية الدولية بدقة متناهيه .

بناء على سبق كانت الرغبة التركية في تبديل اتجاه حركتها من الغرب الى الشرق نتيجة لرفض الاتحاد الأوربي المسمى النادي المسيحي دخول تركيا المسلمة إليه، وسوريا هي باب الشرق بالنسبة لتركيا وثورة الشعب السوري ثورة شعب ضد حكم فئوي فاسد، ومطالب الشعب السوري مطالب محقة، كانت أهداف الجمهورية التركية تتقاطع تقاطعا كبيرا مع أهداف الثورة السورية والشعب السوري كان لا بد أن يكون موقفها يتوافق مع موقف الثورة والشعب السوريين، لا سيما اكتشاف تركيا الحقد الأوربي والأمريكي عليها وعلى الشعوب الإسلامية عموما.

ولكن تركيا دولة إقليمية لها إمكانيات ومصالح، فالقيادة التركية تقف مع الشعب السوري ضمن إمكانياتها المتاحة بحيث لا تضر بلدها وشعبها، ومن الطبيعي أن تتجنب الدخول المباشر في سوريا، أو أن تفرض على نفسها خوض حرب غير محسوبة النتائج مع أي جهة كانت، أو أن تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع أمريكا او روسيا لتحافظ على بلدة أو مدينة سورية بيد الثوار، فالمصالح الدولية معقدة متشابكة تتقاطع كلها على الأرض السورية، وعلى تركيا القبول بالحد الأنى من الفوز بالسلامة على أن تزج نفسها في خضم صراعات دولية ليست هي بواردها

إن الهجمة على تركيا اكبر من أن يدرك حجمها ناشط فيسبوكي يتهجم على تركيا أو يتهمها بالتقصير، والجهود التي تبذلها تركيا على صعيد الداخل والخارج لتثبيت ذاتها وإنشاء مصدات لصد محاولات الاختراق الكثيرة جدا والمتعددة المصادر أكثر من أن تحصى، فتركيا في عين العاصفة

ولكن هل غيرت تركيا موقفها من الثورة السورية رغم كل المصاعب التي تواجهها، إن مستجدات الأحداث تثبت أن لتركيا ذات الموقف المبدئي الذي لم يتغير، لأن موقف تركيا مبدئي نابع من مصالحها أولا، إنما تغير الظروف والمعطيات، يجبر تركيا على التعامل معها بأفكار جديدة وأساليب مختلفة حفاظا على مصالحها بالدرجة الأولى.

جميع الآراء تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

أردوغان والثورة السورية

هيومن فويس: محمد العطار في الفترة التي بدأت تميل فيها كفة النزاع في سوريا لصالح عصابات الأسد نتيجة انعدام الإنسانية ومحاباة المصالح السياسية وتفضيلها على الدم السوري المراق ، وبعد التدخل الروسي وإحراق الأخضر واليابس في سوريا للإسراع في إنجاز مهمة إجهاض الثورة وتمكين نظام العصابة الأسدية من إعادة فرض سيطرته بالقوة على أوسع مساحة يستطيع استعادتها من الأرض السورية، مستفيدا من كل أنواع الدعم المقدم من الروس والايرانيين والميليشيات الشيعية الداعمة والقوات التي تسمى رديفة وكل مجرمي الأرض، وسكوت كل الدول التي تسمى العالم المتحضر، والمنظمات الإنسانية، لا بل انحيازها للطرف المعتدي. بدأ سؤال يتردد على ألسنة بعض محبي

Send this to a friend