هيومن فويس: خليل المقداد

سررت كثيراً أن صحيفة الحياة اللندنية، قد نشرت في عددها بالأمس مقالاً للأستاذ جمال خاشقجي، المقال حمل عنوان: “دكان العلمانية” فطفقت باحثاً وبلا تردد باحثاً عن جديد الكاتب بين ثنايا مقالته، خاصة وأنه المقال الأول بعد انقطاع عن الكتابة منذ شهر نوفمبر \ تشرين الثاني من العام 2016، بالنسبة لي كان العنوان مغرياً لدرجة توقعت معها أنه سيكون نقداً لموجة العلمانية التي يروج لها في المنطقة.

للأسف كان المقال باهتاً وعلى غير المأمول والمتوقع من كاتب كبير مخضرم، لكن وعلى ما يبدو فإن المقال الجديد كان ثمن العودة إلى الكتابة التي حرم منها، أو اعتكف عنها الكاتب منذ تسعة أشهر بالتمام والكمال، كان آخر مقال قد نشر له على نفس الصحيفة بتاريخ 19/11/2016 ليعود بمقال نشر اليوم 19/08/2017.

يتحدث الأستاذ جمال في مقاله عن العلمانية ومدى موائمتها كنظام حكم لدول الخليج والمنطقة، فيركز على السعودية كمثال مقدما نظام الحكم فيها على أنه قبلي بمنهج إسلامي صمد منذ نشأة المملكة، لكنه يقارب ويقارن في نفس الوقت، ويقدم نظام الحكم في السعودية على أنه وطني إسلامي معتدل ما جعله يصطدم منذ بدايات التأسيس بما أسماه الإسلام المتشدد، مستشهدا بعدة أحداث صاحبت نشوء المملكة وذكر منها ما أسماه «فتنة الإخوان» عام 1929، وتجدد الصدام مرات بعده في «حركة جهيمان» عام 1980، وصولاً لإرهاب «القاعدة» بعد 2003.

يحاول الأستاذ خاشقجي المزاوجة بين الإسلام والوطنية مقدما نظام الحكم في السعودية على أنه النظام المعتدل المحارب للتطرف والفكر الذي حمله رجال الدين في السعودية، ويؤكد على مقولة أن قطر راعية الإرهاب والتشدد والدعوة لنشر إيديولوجيات متطرفة، وبالتالي فهو يبرر للمستشار القحطاني انتقاده لممارسات ما أسماه التحجر الفكري، والهجوم على قطر، لكنه وفي نفس الوقت يتجاهل حقيقة أن ميلاد المملكة بنظامها الحالي، كان نتيجة المزاوجة بين النظام القبلي الوراثي مع حركة الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث كانت الشراكة وبكل بساطة عضوية تقوم على مبدأ التمكين لدعوة الإمام المجدد، مقابل شرعنة حكم آل سعود وأخذ البيعة لهم.

يتغافل الكاتب عن حقيقة أن المملكة هي من صنعت الجهاد في أفغانستان، يوم كان حاجة غربية، وان الملك سلمان نفسه كان هو المشرف على لجان جمع التبرعات.

وهنا يؤكد الكاتب أن الإسلام من المرونة بمكان بحيث يستطيع أن يمكن للحاكم ويمنحه شرعية لا تتوفر في أي نظام أو أيديولوجيا أخرى، الأمر الذي ينفي بحسب رأيه الحاجة لابتكار نظام حداثي جديد يتساير مع متطلبات العصر والمزاج الأممي السائد الرافض والمحارب لكل ما هو إسلامي.

بعد هذه المقدمة ينتقل الأستاذ الخاشقجي للدفاع عن تصريحات سفير الإمارات في واشنطن “العتيبة”، مبرراً دفاعه بأن العتيبة لم يقصد أن العلمانية هي التي يجب أن تحكم في السعودية والخليج، وأن كافة المقالات التي تصدت لتصريحاته قد جانبت الصواب، حيث يرى الأستاذ جمال أن ما قصده السفير العتيبة موجه بالدرجة الأولى لدول أخرى مثل العراق وسورية ومصر، مبرراً ذلك بأنها دول حكمها علمانيون بشعارات حرية زائفة.

ما ذكره الأستاذ خاشقجي كلام حق أريد به باطل، فهو يبرر تصريحات العتيبة من خلال أنظمة عربية ثارت عليها الشعوب، وبالتالي فهو ينكر على هذه الشعوب الحق في اختيار نظام الحكم الذي تراه مناسبا لها، بينما نراه يبيح للعتيبة أن يقرر نيابة عن الآخرين، ولكن بشرط أن يبتعد عن السعودية ومحيطها الخليجي.

تتحدث الكاتب ناصحاً بشكل مبطن، دعاة العلمانية أو المخدوعين بها في السعودية بالقول: “الإسلام من السماحة والمرونة والعصرنة والقدرة على التجديد ما يغني عن البحث عن «أيديولوجيا» أخرى، كما أن الشرعية الحقيقية التي تمثلها الأسرة الحاكمة والوطنية السعودية تحتاجان دائماً إلى أيديولوجيا يقبلها الشعب وتحدد العلاقة بينه وبين الحاكم، والزج بمفهوم العلمانية وبخاصة في السعودية سيربك تلك العلاقة المريحة والتي يستفيد منها الطرفان، إذ إن السمع والطاعة أساسهما «إسلامي»، ذلك أن الحاكم هو «ولي أمر المسلمين»، وهو أيضاً «الإمام»، وهي مزايا لن توفرها العلمانية، بل تنقضها تماماً”

وكأني بالسيد خاشقجي يقول لهم، إن اعتماد العلمانية أو حتى بجزء منها يعني قلب نظام الحكم في المملكة، فدعوا عنكم ترهاتها، واتركوها لتلك الدول التي أسماها “بائسة”، يقصد دول الربيع العربي، التي ما كانت لتكون بائسة لولا التدخل الخليجي لمصلحة أنظمة ديكتاتورية فاسدة عفا عليها الزمن.

مقال السيد جمال خاشقجي يبرر انتقاد المستشار سعيد القحطاني للإسلام ودعوة السفير العتيبة للعلمانية، ثم يختم بأن العلمانية فكرة جيدة ولكن بشرط أن تؤخذ كلها كما هي أو تترك، لكن ما يؤخذ على الكاتب نسيانه أو تناسيه، لحقيقة، أنه مثلما أن العلمانية أيديولوجيا تؤخذ أو تترك كلاً لا جزءاً، وأنها لا تناسب نظام الحكم في المملكة، فإن الإسلام أيضا منهج حياة كامل متكامل لا يقبل القسمة على إثنين يؤخذ كما هو دون أي تحوير أو تحريف، نولا عند رغبة البعض وطموحاتهم.

لقد جانب مقالك الصواب والحكمة لأنه جاء كتبرير لتصريحات واسع النفوذ “العتيبة” ومقالة صديق الصحفيين “القحطاني” كما أسميتهم.

إن من حق شعوب المنطقة أن تختار شكل ونوع نظام حكمها، دون وصاية من أنظمة متحجرة، لا تملك أية رؤية أو استراتيجية، وكل ما فعلته أنها ومن خلال مالها الفاسد قد عبثت بمصائر أوطان وشعوب المنطقة وحولت حاضرها لجحيم ومستقبلها لليل مظلم حالك السواد.

جميع الآراء تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

جمال خاشقجي إذ يحرم العلمانية عندهم ويحللها لنا!

هيومن فويس: خليل المقداد سررت كثيراً أن صحيفة الحياة اللندنية، قد نشرت في عددها بالأمس مقالاً للأستاذ جمال خاشقجي، المقال حمل عنوان: "دكان العلمانية" فطفقت باحثاً وبلا تردد باحثاً عن جديد الكاتب بين ثنايا مقالته، خاصة وأنه المقال الأول بعد انقطاع عن الكتابة منذ شهر نوفمبر تشرين الثاني من العام 2016، بالنسبة لي كان العنوان مغرياً لدرجة توقعت معها أنه سيكون نقداً لموجة العلمانية التي يروج لها في المنطقة. للأسف كان المقال باهتاً وعلى غير المأمول والمتوقع من كاتب كبير مخضرم، لكن وعلى ما يبدو فإن المقال الجديد كان ثمن العودة إلى الكتابة التي حرم منها، أو اعتكف عنها

Send this to a friend