هيومن فويس: د. عبد المنعم زين الدين

لم أكنْ يومها ممن أظهر تعاطفاً خاصاً مع الطفل “عمران دقنيش” الذي تصدّرت صورته مواقع الصحف والأخبار العالمية، لأني في الحقيقة كنتُ -ولا أزال- متعاطفاً مع 40 ألف طفلٍ سوريّ قتلتْهم طائراتُ الأسد وبوتين، ومتعاطفاً مع 400 ألف طفلٍ سوريّ يتيم، حرمتْهم عصابات الأسد وخامنئي وبوتين من آبائهم وأمهاتهم بالقصف والقتل، لذا فإن حالة الطفل “عمران” ما كانت لتشكل لي فارقاً يستدعي التوقف عنده دون غيره من عشرات الآلاف من أطفال سورية من ضحايا الأسد وبوتين ما بين شهيد وجريح ويتيم، لم تصل صورهم للإعلام إلا أشلاء ممزقة أو أجساداً هزيلة أمام خيام ممزقة في العراء يعلوها الغبار وتكاد تقتلعها الرياح.

خاصة أن الإعلام الغربيّ تناقل صورته المُدماة متألماً على حالته، لكنه في ذات الوقت تصنَّع الجهل بمن قصف بيته، وأدمى وجهه، في تآمرٍ مفضوح مع الجاني الذي كانت طائراته تقصف المدنيين في وضح النهار، وعدساتُ الناشطين توثّق سقوط البراميل والصواريخ المتفجرة من لحظة إلقائها من الطائرات الحربية إلى لحظة فتكها بأجسام الشيوخ والنساء والأطفال وتحويلها لأشلاء مبعثرة تحت الركام.

وحده إعلام النظام المجرم، والإعلام المتآمر معه من تصنّع الجهل بالحادثة، أو نشرها وتستر على مرتكبها، كما فعلت مذيعة قناة CNN الأمريكية، التي بكت الطفل “عمران” دون أن تحدّد المجرم الذي قصف منزل أسرته، ليأتي دور “بشار ذيل الكلب” في متابعة استحمار مؤيديه حين صرّح في حوار مع التلفزيون السويسري أن صور الطفل “عمران” مفبركة من قِبل رجال الدفاع المدني، في الوقت الذي كانت فيه زوجته تحكي رواية أخرى متألمة على حاله، معتبرة أنه خسارة كبيرة، مكذبة بذلك رواية زوجها الحيوان، في حوار لها مع قناة “روسيا 24″.

مرّت ستة أشهر منذ احتلال أحياء حلب الشرقية من قبل عصابات الأسد وروسيا وميليشيات إيران، ونسي الكثير منا قصة “عمران” إلى أن ظهر إعلانٌ رمضانيٌّ على قناة MBC لشركة “زين” للاتصالات الكويتية، يقدّم فيه صورة الطفل “عمران” على أنه ضحية للتنظيمات الإرهابية، مزوراً حقيقة أن من قصف منزل عمران هو الطيران الروسي الأسدي، وأن الإرهابي الذي استهدفه هو “بشار الكيماوي” ذيل السفاح “بوتين”، مما خلق ضجة في أوساط الناشطين الذين شنوا حملة إعلامية ندّدت بما فعلته الشركة من دعاية، تزور الحقائق وتبرئ القاتل.

ولعل هذا الإعلان وما رافقه من ضجة قد فتح عيون النظام المجرم وذكّره بقصة “عمران”، فحرّك جواسيسه لمعرفة مكانه ومكان أسرته، فاتضح له أنه تحت سيطرته في مناطق حلب التي احتلها، فما كان منه إلا أن أرسل ” شبيحة” إعلامه القذرين ليتنزعوا -كعادتهم- رواية من والد “عمران” يكذّب بها رواية الثوار، وكعادتهم أيضاً كان الإخراج فاشلاً بامتياز حيث وقع الإعلام في تكذيب رواية “بشار الحيوان” نفسه الذي نفى في وقت سابق أصل الإصابة والحادثة كلها، حيث أثبت الإعلام أن الطفل عمران ليس وهمياً وأنه بالفعل كان مصاباً، وأن رجال الدفاع المدني ليسوا شخصيات خيالية كما زعم بشار من قبل، ولم ينجح المخرج سوى في جعل القصف الذي تسبب بإصابة “عمران” مجهول المصدر لا علاقة له بالطيران، في استخفاف واضح بعقول مؤيديه قبل معارضيه، وكأن الثوار بحاجة إلى أن يفجّروا بيوتاً ليسعفوا أهلها، ثم ليقدّموا لهم الأموال، وكأنّ عدسات الناشطين الثوريين مفتقرة إلى مشاهد أشلاء النساء والأطفال اليومية المتناثرة في الطرقات من قصف طيران عصابات الأسد وروسيا التي لا توفّر شيخاً ولا طفلاً.

لا تعنيني كثيراً مناقشة شخصية والد “عمران” ورفضه لعروض الخروج كي لا يتحكم فيه النظام المجرم، مع أني لا يعجبني هذا النوع من الجهلة الأغبياء، الذين يظنون أن موقفهم هذا سينجيهم من بطش النظام المجرم، ومن يعلم حقيقة هذا النظام يدرك أن العقوبة تنتظره بعد انتهاء التصوير، على جرائم عدّة في نظره أقلّها أنه لم يظهر طوال الأشهر الماضية ليكذّب رواية الثوار، إلى أن وقع في يدّ النظام، بعد أن فشلت محاولات التخفّي وقصّ شعر “عمران” لإخفائه عن جواسيس النظام.

لكن يعنيني الرسالة التي يجب أن نتوقف عندها – كشعب سوري ثائر- أنه لا خيار لنا إلا باقتلاع هذه العصابة الأسدية وطرد الاحتلال الإيراني الروسي الذي جلبته للبلاد، مهما كلفنا ذلك من تضحيات، لأنها إن عادت وتحكّمت بالشعب، فستجعل الشعب المقهور المضطد يشتم شهداءه، ويغيّر تاريخه بيده، ويكتب بيديه ما ينكر به أحداثاً عاينها وكان ضحية فيها، نعم إن عادت هذه العصابة للحكم فستفرض على الطفل في مقعد الدراسة كتابة موضوع يصف والده الشهيد بالمجرم الخائن، وستفرض على الأشبال في المدارس الإعدادية ترديد شعار صباحيّ يطعن بثورة آبائهم، ويمجّد القاتل السفاح، نعم لأن الذي أرغم والد “عمران” على أن يرفع أصبعه تأييداً لقاتل ابنه الكبير، وتمجيداً لمن قصف منزله ودمّره وكاد يقضي على ابنه عمران، لن يكون حاله مع بقية الشعب -إن بقي في السلطة وعاد لحكمهم- سوى متابعة ظلمهم والبطش بهم مع إجبارهم على شتم شهدائهم، وتمجيد قاتليهم.

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

الرسالة الواجب فهمها من والد الطفل "عمران"

هيومن فويس: د. عبد المنعم زين الدين لم أكنْ يومها ممن أظهر تعاطفاً خاصاً مع الطفل "عمران دقنيش" الذي تصدّرت صورته مواقع الصحف والأخبار العالمية، لأني في الحقيقة كنتُ -ولا أزال- متعاطفاً مع 40 ألف طفلٍ سوريّ قتلتْهم طائراتُ الأسد وبوتين، ومتعاطفاً مع 400 ألف طفلٍ سوريّ يتيم، حرمتْهم عصابات الأسد وخامنئي وبوتين من آبائهم وأمهاتهم بالقصف والقتل، لذا فإن حالة الطفل "عمران" ما كانت لتشكل لي فارقاً يستدعي التوقف عنده دون غيره من عشرات الآلاف من أطفال سورية من ضحايا الأسد وبوتين ما بين شهيد وجريح ويتيم، لم تصل صورهم للإعلام إلا أشلاء ممزقة أو أجساداً هزيلة أمام خيام

Send this to a friend