هيومن فويس

يؤكد العديد من زملاء سجن “عدرا” في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، أن “حنّا” اعتاد على الاستيقاظ في وقت مبكر كل يوم، وعند تمام الساعة السابعة والربع كان سيشغل جهاز الراديو الصغير خاصته، ويدير إبرة المذياع على الإذاعة السورية. إنه موعد النشرة الإخبارية الصباحية الأولى. عند انتهاء الشارة الموسيقية كان حنا سيستمع إلى عنوان الخبر الأول في الموجز الذي يسبق النشرة، وما أن ينتهي موجز الخبر حتى يطفئ الراديو، أو يغير الإبرة إلى أي من الإذاعات الأخرى، ولن يعود حنّا لسماع الإذاعة الوطنية إلا صباح اليوم التالي، في نفس الموعد، وبذات الآلية.

داوم حنّا نادر (السجين السياسي) على هذه السلسلة من الاستماعات الخاطفة لإذاعة دمشق سنوات طويلة دون ملل، كذلك دون زيادة أو نقصان لهذا الروتين الصارم، آملاً في كل يوم أن يسمع الخبر الخاص الذي ينتظره. كان حنا وإضافة لحديثه الدائم عن بلدته “حب نمرة” في وادي النصارى، ومبالغاته (التي يخلقها الحنين إلى الأماكن) في وصف جمال وسحر طبيعتها، يطيب له أن يفسر عادته الإذاعية تلك لمن يستغرب تواترها اليومي الصارم، خصوصاً من النزلاء الجدد الذين يفدون إلى السجن كل فترة: “إنه خبر واحد ولا يوجد غيره. وهو حتماً لن يأتي إلا كخبر أول. سوف يكون الخبر الوحيد المؤثر في هذا البلد، أن يرحل حافظ الأسد بطريقة ما، وأي خبر آخر سوف لن يعني لي أي شيء”.

وحين كان أحدهم يشاكسه، ويتهمه بالحقد الشخصي على الأسد بسبب سجنه، كان حنا يبتسم بطيبته المعهودة ويجيب مستنكراً “الله يسامحك، أنا أحقد؟ الأسد قفلُ سوريا الأسود، ولن تعود سوريا لأهلها ما دام الديكتاتور يغلقها”.

كان حنّا يعلم، كالكثيرين من أصدقائه، أن لا شيء، سوى رحيل الديكتاتور، سوف يكسر السكون المميت للأبد السوري المشدود بإحكامٍ إلى قبضة حافظ الأسد. ولذا لم يكن يعنيه من الأخبار السورية سوى هذا الخبر (الحلم). بعد سنواته الطويلة هناك، جاء يومٌ، وغادر حنا نادر السجن بعد أن قضى بين جدرانه خمسة عشر عاماً. عاش حنا بعدها حياة لم تكن ظروفها لطيفة خارج سجنه أيضاً، حاله كحال معظم المعتقلين.

في السابع من شهر أيار عام ٢٠٠٠ مات حنا في بلدته، بعد أن عانى وصارع طويلاً ما خلفته سنوات السجن الطويلة في جسده من أمراض. أجل، يا للمفارقة، مات حنا قبل حافظ الأسد بشهر واحد فقط. لم تمهل الحياة وتصاريف القدر حنا نادر شهراً إضافياً، شهراً واحداً كان كافياً ليستمع إلى الخبر الذي قضى عمره منتظراً في كل صباح أن يسمعه.

وللمفارقة الزمانية أيضاً، كان حنا نادر قد توصل إلى قناعته تلك، وخلص قبل حوالي خمس وثلاثون عاماً إلى النتيجة البسيطة وساطعة الوضوح التي خلص إليها السوريون اليوم، بعد مقتل قرابة مليون سوري ودمار البلد. عرف ببساطة وعمق شديدين أن أي تطور لسوريا لن يحدث ما دامت مغلقة بإحكام بأقفال الديكتاتورية والاستبداد وما يخلفه هذا من عاهات اجتماعية وسياسية وإنسانية في كل المستويات الوطنية.

يوم موته قال المخبرون في القرية “كان عقاباً طبيعياً لمن يعارض السيد الرئيس”. وقال أصدقاء حنّا “يا للخسارة. مآلات الحياة أحياناً غير منصفة، وهي غالباً عصيّة على التفسير”، ومع ذلك يبقى أهم ما قيل يومها، هي تلك الكلمات التي همست بها عجوز من البلدة رافقت جنازته الفقيرة إلا من بعض الحضور الخائفين “حنّا لا يشبه هذه البلاد. كان يرى ما لا نرى. كان يشبه اسمه. حنا (نادر)”

مات حنا قبل سبعة عشر عاماً. لكن حكايته، على غرابتها، لا تختلف سوى ببعض المعاكسات المربكة للزمن، عن حكايتنا نحن باقي السوريين. نعم، رأينا جنازة حافظ الأسد بعد موت حنا بشهر، لكننا حتى اليوم لم نحضر دفن نظامه، رأينا تكسير الصمت عام 2011، لكننا لم نصل بعد إلى سوريا التي حلم بها حنا. أجل، لم يأتِ بعد ذاك الصباح، لنستيقظ ونستمع إلى صوت مذيع نشرة السابعة والربع وهو يخبرنا أن حلم حنا قد تحقق.

عن باقي السوريين لا أعلم، ولكن عن نفسي، فإني، لو قُيّد لي أن أحضر ذاك الصباح، فإني سوف أحمل يومها جهاز راديو صغير، وأذهب لأجلس قرب قبره في بلدته الجميلة “حب نمرة”. سوف أرفع صوت الراديو إلى أقصاه، علَّ حنا يستطيع سماع خبره الأثير الذي طالما انتظره.

مصدر الخبر تجده هنا

شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي

مالك داغستاني: راديو "حنّا" وخبر الأسد

هيومن فويس يؤكد العديد من زملاء سجن “عدرا” في ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي، أن “حنّا” اعتاد على الاستيقاظ في وقت مبكر كل يوم، وعند تمام الساعة السابعة والربع كان سيشغل جهاز الراديو الصغير خاصته، ويدير إبرة المذياع على الإذاعة السورية. إنه موعد النشرة الإخبارية الصباحية الأولى. عند انتهاء الشارة الموسيقية كان حنا سيستمع إلى عنوان الخبر الأول في الموجز الذي يسبق النشرة، وما أن ينتهي موجز الخبر حتى يطفئ الراديو، أو يغير الإبرة إلى أي من الإذاعات الأخرى، ولن يعود حنّا لسماع الإذاعة الوطنية إلا صباح اليوم التالي، في نفس الموعد، وبذات الآلية. داوم حنّا نادر (السجين السياسي) على هذه

Send this to a friend