دراسات

قصة جندي يابانى ظل يحارب لمدة 30 عامًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

هيومن فويس

قصة جندي يابانى ظل يحارب لمدة 30 عامًا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

يحاول “أونودا” إكمال عيشه في الأدغال مع صديق بقي معه إلى ما قبل النهاية بسنتين، يتحمل مخاطر الطبيعة، ويبني فيها، ويبني في شخصيته، يتعامل بإنسانية مع الجنود الآخرين، وينسج معهم علاقات صداقة، ويحاول الاحتفال بذكرى هؤلاء الذي رحلوا فداء للوطن، فيقيم نصبا تذكاريا لهم، وكلما تقدم السرد فرغ عالمه من الناس

والتحم جسده أكثر بالطبيعة، وابتعد أكثر عن الواقع وعن الحاضر ليعيش في الماضي مع رفاقه الذين رحلوا، وفي المستقبل مع آماله بانتصار اليابان.

إن الاستسلام يمثل له أيضا انهيار العالم القديم الذي بات ينكر مطالبه، بل ويعطي أوامر متناقضة (كلهم يأتون -حتى معلمه الذي أعطاه التعاليم- لإقناعه بالتخلي).

يقدم المخرج شخصية غنية عميقة تبعث مواقفها على تساؤلات وجودية ومصيرية لا تنتهي، يبديها ببساطة دون كثير من النقاش. تكفي المشاهد والمواقف للدلالة عليها ومحاولة فهمها.

“أونودا” يحاول إكمال عيشه في الأدغال مع صديق بقي معه إلى ما قبل النهاية بسنتين

شكوك كثيرة أيضا تسيطر منذ البداية، وأسئلة إضافية عن هذه الشخصية الغريبة، أكانت تنشد البطولة، أم احترام الذات أم الوفاء بالتعهد، وهذا ما يثبته المشهد الأخير؟ أم أنه هروب من قبول الواقع المهين ورفض للهزيمة وللاستسلام؟

أونودا.. بطل أعاد اختراع واقعه وحقيقته

تتمازج في الفيلم معان عدة ويسيطر بعضها على حساب بعض آخر بحسب نظرة المتلقي وما يهمه هو في الفيلم، قد يجد بعض المشاهدين أن الوفاء لفكرة أو لشخص أو للوطن وللضمير هو المحرك الرئيسي للشخصية، وذلك نتيجة كل ما تراكم في المخيلة عن الشخصية اليابانية من خلال الأدب أو السينما، وقد يميل بعض آخر أكثر إلى فكرة رفض “أونودا” الواقع، فخياله يسمح له بتصور عالم خال من الهزيمة والعار، ويصوّر له عالما يتماشى مع تطلعاته، وما يبدو جنونا للآخرين يسمح له بعدم الإذعان ومواجهة واقع مزر لا يحتمله.

كان يمكن للبطل “أونودا” أن يستسلم وقد يصاب بعدها بالجنون، أو يدان بالقتل من الأمريكيين، لكنه أصبح بطلا أعاد اختراع واقعه وحقيقته، وبات يمثل كل ما يجعل منه أسطورة. هذا ما يبرع الفيلم في تصويره مع مسارات للسرد الحدثي تتلاقى مع المعاني المنشودة.

لقد صُوِّر الفيلم في كمبوديا، حيث أعيد تركيب المناظر، وساهمت اللقطات الواسعة التي استخدمت بكثرة في إظهار محيط خصب باخضراره، لكنه موحش بفراغه، كأنها جزيرة مهجورة مع أنها لم تكن، مما زاد في الإيحاء بعزلة الشخصيات.

وقد اختار المخرج ممثلين يابانيين وأدارهم بإتقان مدهش، بحيث يصعب القول إن الفيلم إخراج فرنسي وليس ياباني. تجلى هذا في إدراكه التام للشخصية اليابانية من حيث طريقتها في التعبير عن انفعالاتها بأسلوبها الخاص.

“حربي في 30 سنة على جزيرة لوبانغ”.. من الورق إلى السينما

هذا هو الفيلم الثاني للمخرج “آرتور آراري”، وهو فيلم ذو أبعاد نادرا ما نراها في السينما الفرنسية، إنه مليء بالانفعالات والشاعرية والتأمل.

ليس فيلما عن الحرب يماثل إنتاجات الأفلام الحربية، صحيح قد يبدو في بعض مشاهده وشخصياته كفيلم حربيّ، لكنه فيلم يهتم أكثر بالجانب الإنساني ومعاني الشرف والإيمان والصداقة والعزلة، فيلم لا تهم فيه الحقيقة.

فالمخرج كان ينوي القيام بفيلم مغامرات، لكن حديثا مع والده أخبره فيه عن قصة حقيقية لجندي ياباني بقي 30 سنة في جزيرة فليبينية جعلته يهتم فورا بها، ويبحث عن وثائق ومعلومات، إلى أن وقع على كتاب “أونودا، في الحرب وحيدا في الأدغال” لـ”برنار سندرون” و”جيرار شنو”، فالتقى بأحد الكاتبين وكتب السيناريو، ثم قرأ سيرة كتبها “أونودا” نفسه بعنوان: “حربي في 30 سنة على جزيرة لوبانغ”.

غادر “أونودا” الحياة في طوكيو عام 2014 عن عمر ناهز 91 عاما.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.