تحليلات

أين تركيا من الحرب الروسية على الشمال السوري؟

هيومن فويس

أين تركيا من الحرب الروسية على الشمال السوري؟

كثّفت سلاح الجو الروسي غاراته الحربية على مناطق سيطرة الفصائل السورية المعارضة، بالتزامن مع استهداف النظام السوري مناطق سيطرة المعارضة بقذائف “كراسنبول” الموجهة ليزريًا.

كما تشهد مناطق شمال غربي سوريا تحليقًا مكثفًا للطيران الروسي منذ الخميس الماضي، بحسب مرصد “إدلب” الخاص برصد تحركات الطيران الحربي في سوريا.

ولم تعلق تركيا عن التصعيد الحالي، إذ عادة ما يترافق أي تصعيد عسكري في المنطقة بردود تركية، سواءً بالكلمة والتهديد، أو دعم الردّ بشكل غير مباشر عبر فصائل مدعومة من تركيا مثل “الجيش الوطني”.

أضرار وخسائر

ومع بداية كانون الثاني الحالي، تسبب القصف الروسي، بمقتل ثلاثة مدنيين (طفلان وامرأة)، وأُصيب عشرة آخرون بينهم ستة أطفال، بغارات جوية روسية استهدفت نازحين في منطقة النهر الأبيض قرب مدينة جسر الشغور بريف إدلب الغربي.

واستهدفت الطائرات الروسية بعدة غارات، محيط وأطراف كفرتخاريم وأرمناز والبارة والعنكاوي ودير سنبل ومعرطبعي، ومحيط مدينة إدلب، وجبل الشيخ بركات، وكفر تعال، وسجلت عدة إصابات في صفوف المدنيين.

وأكد “الدفاع المدني السوري”، أن الغارات الروسية تزيد من استهداف المرافق الخدمية والمنشآت الحيوية، بعد أن استهدفت العديد من المداجن ومحطة مياه “العرشاني” المغذية لمدينة إدلب.

ويأتي هذا التصعيد رغم إبرام روسيا عدة اتفاقيات مع تركيا، لوقف إطلاق النار، وخفض التصعيد العسكري في المنطقة، ولم تعلق أي جهة رسمية تركية عن التصعيد الأخير في المنطقة.

الموقف التركي بالكلمة والسلاح

حذرت الحكومة التركية في خطابات كثيرة من أي تصعيد وانتهاكات تحدث شمال غربي سوريا، وساندت مناطق سيطرة المعارضة بالسلاح، وأدخلت قوات عسكرية.

ومؤخرًا قال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إن بلاده تواصل القيام بما يلزم والرد بالأسلحة الثقيلة على الاعتداءات في إدلب السورية، مشيرًا إلى أن الأمور لا يمكن أن تسير دون تدخل، وفق ما نقلته وكالة “الأناضول” التركية، في تشرين الأول الماضي.

وشدد أردوغان وفق عنب بلدي خلال حديث للصحفيين على متن الطائرة في أثناء عودته من جولته الإفريقية، على أن أنقرة لن تقدم تنازلات في سوريا، وأن بلاده ستواصل اتخاذ كل ما يلزم، خاصة في إدلب.

وشنت تركيا ثلاث عمليات عسكرية إلى الآن في سوريا، ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وسيطرت بموجبها على ريف حلب ومنطقة عفرين، ومناطق في ريف الحسكة والرقة.

التصعيد وسيلة ضغط رغم الاتفاقيات

الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، محمود علوش، يرى أن التصعيد من قبل روسيا والنظام على مناطق وبلدات شمال غربي سوريا، هو جزء من وسائل الضغط العسكرية التي تُمارسها روسيا والنظام على تركيا، ودفعها إلى تقديم تنازلات بخصوص إدلب، وتغيير منطقة خفض التصعيد عبر استعادة طريق “M4” والأجزاء الجنوبية من المحافظة.

وتجري مفاوضات بين تركيا وروسيا منذ فترة حول مصير الوحدات الكردية، ويعارض الروس رغبة تركيا في شن عملية عسكرية جديدة، لكنّهم يتطلعون إلى مقايضة معها تُتيح للنظام استعادة بعض من أجزاء إدلب، لذلك يبدو التصعيد في إدلب جزءًا من وسائل الضغط، بحسب الباحث.

التهدئة هي السبيل قبل الانتخابات

ويوضح علوش أن لدى تركيا انتشارًا عسكريًا كبيرًا شمال غربي سوريا، وسبق أن ردّت بقوة على النظام السوري في عملية “درع الربيع”، لكنّ مثل هذا الخيار مُكلف أيضًا على المستويين العسكري والسياسي، لذلك تُفضل أنقرة الإبقاء على قنوات الحوار مع الجانب الروسي مفتوحة.

وأي تغيير للوضع الميداني في إدلب بالقوة سيزيد من الضغوط على التواجد العسكري التركي في سوريا.

وفي أذار 2020 أعلن وزير الدفاع التركي، خلوصي آكار، إطلاق بلاده عملية عسكرية بشكل رسمي ضد قوات النظام السوري، بعد أن شنت تركيا خلال الأيام الأخيرة من شهر شباط 2020، عشرات الضربات الجوية على مواقع النظام، وأعلنت مقتل العشرات وتدمير آليات ثقيلة وطائرات.

فأنقرة متمسكة بالحفاظ على التهدئة في مناطق سيطرة المعارضة، لأن أي تصعيد سيُحدث أزمة إنسانية كبيرة فيها، وسيؤدي إلى موجة لجوء جديدة تجاه تركيا، ولا يمكن لحكومة أردوغان تحمّل مثل هذه التبعات مع اقتراب الانتخابات، بحسب علوش. وفق عنب بلدي 

ويوضح الباحث، أن تركيا وجدت صعوبة في مقاومة سياسة “القضم التدريجي” التي انتهجها النظام وداعموه في إدلب، منذ إبرام اتفاقية منطقة خفض التصعيد.

وكانت روسيا وتركيا أعلنتا عن اتفاقية “أستانة” في 4 من أيار 2017 ( تركيا، روسيا، إيران)، التي تنص على “خفض التصعيد”، وأيضًا اتفاقية “سوتشي” في أيلول 2018، التي نصت على وقف إطلاق نار في مناطق “خفض التصعيد” في إدلب، ووقعت روسيا وتركيا في 5 من آذار عام 2020، اتفاق “موسكو”، أو اتفاق “وقف إطلاق النار”، إلا أن هذه الاتفاقيات جرى انتهاكها بشكل متكرر.

عودة التصعيد العسكري إلى إدلب: ما هي دوافع روسيا؟

عادت حدّة التصعيد والخروقات للارتفاع مجدداً شمال غرب سورية بعد الانخفاض الملحوظ الذي شهدته خلال شهر نوفمبر 2020؛ حيث تتعرّض منطقة خفض التصعيد إلى قصف مدفعي وصاروخي وجوي يستهدف منشآت مدنية وعسكرية واقتصادية .

مدير مركز جسور للدراسات “محمد سرميني”، شرح عبر سلسلة تغريدات له عبر منصة تويتر الأسباب الروسية الكامنة وراء التصعيد في الشمال السوري، وقال:  شنت مؤخراً الطائرات الحربية الروسية غارات على مناطق قرب الشريط الحدودي وفي جبل الزاوية جنوب إدلب، في حين نفّذت قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية ضربات مدفعيّة وصاروخيّة على نقاط عديدة غربي حلب، مما أسفر عن مقتل وجرح عدد من المدنيين.

وكردّ على التصعيد نفّذت القوات التركية المنتشرة في محيط مدينة أريحا جنوب غربي إدلب في 1 كانون الثاني/ يناير 2022، ضربات مدفعيّة مركّزة على أهداف عسكريّة تابعة لقوات النظام وحلفائها في منطقتي معرّة النعمان وسراقب.

وأضاف، أنّ عودة التصعيد تتزامن مع قرب انتهاء فترة التفويض لآلية إدخال المساعدات الإنسانية إلى سورية بموجب القرار 2585\ 2020 فيما يبدو أنّ روسيا تحاول الضغط على المجتمع الدولي من أجل قبول حصر الآلية بالمساعدات عبر خطوط التماس؛ لا سيما وأنّ تقرير الأمين العام للأمم المتحدة شدّد على ذلك

حيث أن روسيا تريد ضمان استمرار وتسريع العمل بموجب استثناءات التعافي المبكّر التي نصّ عليها القرار الأممي. وبالتالي، تقليص حجم العقوبات على النظام، وهو ما أشار إليه بشكل غير مباشر مبعوث الرئيس الخاص الكسندر لافرنتييف في 27 كانون الأوّل/ ديسمبر 2020.

كما يعود سبب استمرار التصعيد الذي تشهده مناطق شمال غرب سورية إلى استياء روسيا من التباطؤ في تنفيذ خارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها مع تركيا خلال قمة سوتشي بين الرئيسين رجب طيّب أردوغان وفلاديمير بوتين في 30 أيلول/ سبتمبر 2020.

لكنّ عدم إحراز أيّ تقدّم في تنفيذ خارطة الطريق حول إدلب مرتبط بوجود خلافات وملفات عالقة بين تركيا وروسيا، أبرزها:
•مكافحة الإرهاب
•الوجود العسكري التركي
•تفعيل حركة التجارة والنقل
•إعادة الاستقرار

لا يبدو أنّ حدّة التصعيد بحسب مدير مركز جسور للدراسات، قد تنخفض في الربع الأوّل من عام 2022 على أقل تقدير؛ لا سيما مع قرب مرور عامين على توقيع مذكّرة موسكو (2020) حول إدلب، بل من المتوقع استمرار تبادل رسائل الاستياء والتحذير بهدف الضغط، لكن دون أن يكون هناك بالضرورة أيّ تغيّر في خارطة السيطرة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *