ترجمة

ماهي التبعات السياسية لسياسة أردوغان المالية؟

هيومن فويس

ماهي التبعات السياسية لسياسة أردوغان المالية؟

اختلفت التقييمات بخصوص التدهور الكبير والسريع لليرة بعد قرار تخفيض الفائدة، ولئن كان التراجع أمرا بديهيا بعد القرار إلا أن درجة التدهور والمدة الزمنية التي حصل خلالها كانتا لافتتين، مما دفع لتقييمات متباينة، بين سردية التلاعب والصرف وفق قيم غير حقيقية كما جاء في بيان المصرف المركزي، وحديث المعارضة عن الهلع وعدم الثقة بالعملة المحلية وتوجه كثير من المستثمرين والمواطنين إلى “الدولرة” بكميات كبيرة.

الارتدادات السياسية للتطورات المالية لم تتأخر، فقد عدلت أحزاب المعارضة خطابها من المطالبة بانتخابات “مبكرة” إلى الضغط باتجاه انتخابات “فورية”، محملة الرئاسة مسؤولية ما حصل بعدما وضعته في إطار سوء الإدارة والفشل الحكومي.

كما خرجت بعض المظاهرات قليلة العدد من أنصار حزب الشعب الجمهوري المعارض مطالبة باستقالة الحكومة وإجراء الانتخابات، ولذلك ستكون التطورات المالية والاقتصادية خلال الأيام القليلة المقبلة عاملا محددا في مدى استعداد المعارضة لاستخدام الشارع للضغط على الحكومة وتحالف الجمهور لتبكير الانتخابات.

يعني ما سبق أن التراجع الكبير في قيمة الليرة التركية زاد الضغوط السياسية على الحكومة رغم أنه كان أمرا متوقعا وربما مقصودا من حيث المبدأ، بعيدا عن الدرجة والزمن، كما أنه قوّى سردية المعارضة وموقفها في مواجهة الحزب الحاكم ودفعها لتطوير موقفها بخصوص الانتخابات.

دستوريا وتقنيا لا تستطيع المعارضة إجبار العدالة والتنمية على تبكير الانتخابات، فهي لا تملك الأغلبية المطلوبة في البرلمان، وما زال العدالة والتنمية يحظى بدعم كامل من حليفته الحركة القومية، لكن التطورات السلبية السريعة بخصوص الليرة تضعه في موقف الدفاع وتضعف موقفه ولو بشكل مرحلي، كما أنه يدرك أنه لا يمكنه المراهنة على ثبات موقف الحركة القومية معه في حال بقي الحال على ما هو عليه أو تراجع أكثر، إذ إن زعيمه دولت بهجلي معروف بمواقفه السياسية المتقلبة.

ووفق هذا المنظور، وبالنظر للتداعيات المحتملة تقع على الرئيس التركي وحكومته والحزب الحاكم 4 مسؤوليات أساسية في ما يتعلق بهذا الملف إذا ما شاء استمرار الدعم الشعبي له:

الأولى: تقديم سردية مفهومة للشارع حول سياق التدهور الأخير، لإقناعه بأنه كان ضمن الارتدادات السلبية المحسوبة في إطار خطة الحكومة وليس خروجا للأمور عن السيطرة.

الثانية: إقناع الشارع وكذلك الاقتصاديين والسياسيين المعارضين بصوابية الرؤية التي تنفذها الحكومة، وشرحها بشكل أكثر تفصيلا، ولا سيما ما يتعلق بالمدى الزمني المتوقع للتداعيات السلبية، وكذلك متى ينبغي توقع نجاحها وارتداداها إيجابا على المواطن.

الثالثة: العمل على إنجاح الخطة فعليا، وتأمين كل ما يلزمها من متطلبات في أقرب وقت ممكن، ليلمسها المواطن بنفسه، إذ إن الأفعال أعلى صوتا من الأقوال كما يقال.

الرابعة: تبني سياسة إنفاق حكومي ودعم أكثر سخاء، ولا سيما في ما يتعلق بالحد الأدنى للأجور ورواتب الموظفين وبعض الضرائب، وهي أمور يبدو أنها في حسبان الحكومة وضمن خطتها لعام 2022 كما أعلن على لسان أكثر من مسؤول.

في الخلاصة، كان الاقتصاد أحد أهم الأسباب التي دفعت الشعب التركي إلى الكفر بالنخبة السياسية الموجودة في البلاد في بداية الألفية واختيار العدالة والتنمية، وفي مقدمة عوامل نجاح الحزب واستمراره في حكم تركيا لـ19 عاما متصلة، وسيكون بالتأكيد على رأس المعايير التي على أساسها سيصوغ الناخب قراره في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة، سواء أقيمت في موعدها في 2023 أو بُكّرت عنه.

والرؤية التي يتبناها الرئيس التركي اليوم تزيد أهمية هذا الملف وثيق الصلة بحياة المواطن العادية، خصوصا أن التطورات الأخيرة تتزامن مع معطيات سياسية أخرى، من بينها تحالف المعارضة وحدّة الاستقطاب، وكذلك تأسيس أحزاب جديدة من رحم العدالة والتنمية يمكن لها أن تخصم من رصيده الشعبي وخزانه الانتخابي بنسبة أو بأخرى.

وكل ما سبق يعني أن الانتخابات المقبلة ستكون أصعب على أردوغان وحزب العدالة والتنمية من سابقاتها، وتحتاج بالتالي لمزيد من الحذر في إدارة الملف المالي على وجه التحديد حتى لا يكون عاملا إضافيا في إضعاف الفرص في الاستحقاق القادم.

سعيد الحاج/ كاتب وباحث في الشأن التركي

نقلا عن الجزيرة نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *