اقتصاد

لماذا ترغب بعض الدول بتخفيض قيمة عملتها أمام الدولار عمدا؟

هيومن فويس

لماذا ترغب بعض الدول بتخفيض قيمة عملتها أمام الدولار عمدا؟

تخفيض قيمة العملة هو خفض سعر الصرف الرسمي لهذه العملة مقابل عملة دولية مرجعية (الدولار الأميركي أو اليورو مثلا)، بحيث يقل عدد الوحدات من العملة الأجنبية التي يمكن الحصول عليها مقابل وحدة واحدة من العملة الوطنية.

ويكون مصطلح تخفيض قيمة العملة موضع حديث حينما يكون سعر الصرف خاضع لإدارة الدول بشكل مباشر، بحيث يتم تحديد قيمة العملة عبر قرار حكومي.

أما بالنسبة للعملات الخاضعة للعرض والطلب فلا يصح الحديث عن تخفيض قيمة العملة، بل عن انخفاضها.

لماذا قد ترغب دولةٌ ما بتخفيض قيمة عملتها؟!

يبدو الأمر في البداية غريباً بعض الشيء على مسامعنا، خصوصاً إذا تعودنا الربط بشكل مباشر بين انخفاض قيمة عملة بلد ما وتدهور اقتصاده، لنعتقد أن انخفاض سعر العملة يعني بالضرورة تدهور اقتصاد البلد، لكن الأمر ليس دائماً كذلك…

تلجأ الدول إلى قرار تخفيض قيمة عملاتها الوطنية بشكل أساسي من أجل إعادة التوازن إلى موازينها التجارية التي تعرف عجزاً بنيويا، أو على الأقل للتخفيف من حجم هذا العجز.

فإن تخفيض قيمة العملة الوطنية يؤدي إلى جعل أسعار السلع المستوردة أغلى بالنسبة للمقيمين، مما يُفترض أنه سيحد من شراء السلع القادمة من الخارج ويشجع الإقبال على المنتجات الوطنية.

وإذا حصل ذلك، فنتيجته الطبيعية هي تراجع حجم الواردات ونقص فاتورتها بالعملات الأجنبية. وبالمقابل، تصبح أسعار السلع المصنعة محليا أرخص بالنسبة للأجانب، مما يُفترض أنه سيعزز القدرة التنافسية للمنتجات الوطنية ويرفع بالتالي من حجم الصادرات إلى الخارج.

وإذا تراجعت الواردات وتضاعفت الصادرات بما يكفي، فإن ذلك يعيد الميزان التجاري إلى حالة التوازن.

وقد تلجأ بعض البلدان لقرار تخفيض قيمة عملتها بهدف تحفيز الإنتاج الوطني من أجل الرفع من نسبة النمو الاقتصادي والحد من البطالة من خلال التوظيف وتوفير مناصب الشغل الجديدة المواكبة لزيادة الإنتاج.

هل تخفيض قيمة العملة هي عملية آمنة ومضمونة النتائج؟

الجواب المباشر لا، أما التفاصيل فهي كالتالي: بدلا من أن يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى تحفيز الإنتاج الداخلي ونمو الاقتصاد الوطني، يمكن لهذا الإجراء أن تكون له تأثيرات عكسية وسلبية تهوي بالاقتصاد إلى الانكماش بسبب التضخم الجامح الذي قد ينتج عن ارتفاع أسعار المواد الأولية (مصادر الطاقة كالنفط والغاز مثلا) والتجهيزات المستوردة.

وتشهد تجربة بعض البلدان النامية مثل المكسيك والأرجنتين على ذلك، فقد كان تخفيض قيمة العملة بهذين البلدين مصاحبا في أغلب الأحيان بتصاعد التضخم وتراجع الإنتاج.

لكن آثار تخفيض قيمة العملة تبقى عملياً وعلى العموم رهينة بطبيعة كل اقتصاد على حدة، وتخصصاته الإنتاجية، ومستوى انفتاحه واندماجه في التجارة الدولية، وتركيبة تجارته الخارجية

كيف أصبح الدولار العملة الأولى في العالم؟

ولا يأتي الاعتماد على الدولار كعملة الاحتياطي النقدي الرئيسية في دول العالم نتيجة المكانة التي يشغلها الاقتصاد الأمريكي من الاقتصاد العالمي، لأنه وفقاً لهذا المنظور فإن العملة الأمريكية ستخسر في المنافسة.

والسبب في ذلك أنه منذ الحرب العالمية الثانية وانخفضت حصة الولايات المتحدة في الناتج الإجمالي المحلي العالمي من نحو 30% إلى 18%، لتتجاوز حصة الصين بـ2% فقط، كما أن حصة الأسواق الناشئة في الناتج الإجمالي المحلي العالم ارتفعت من 40% إلى 60%.

وعلى الرغم من ذلك كله فإن السياسة المالية العالمية لم تتغير وفقاً لتلك التطورات وحافظ الدولار على مكانته، وكلمة السر في ذلك “بريتون وودز”.

و”بريتون وودز” هو اتفاق تاريخي للإدارة النقدية لسعر الصرف، ونُسب اسم الاتفاقية إلى المكان الذي عُقد فيه وذلك في عام 1944، وأصبح بموجبه الدولار الأمريكي هو عملة الاحتياطي النقدي في العالم ومرتبط بسعر معدن الذهب.

وبموجب الاتفاقية أصبحت البنوك المركزية تحتفظ بأسعار صرف ثابتة بين عملاتها والدولار، وفي المقابل ستقوم الولايات المتحدة باستبدال الدولار الأمريكي بالذهب عند الطلب.

واستمر العمل بهذا النظام حتى 15 أغسطس 1971، وذلك حينما أعلن الرئيس الأمريكي “ريتشارد نيكسون” وقف استبدال الدولار بالذهب وهو أهم أركان نظام “بريتون وودز”.

ثم في عام 1973 سمحت الحكومات الأجنبية بتعويم العملات الأمر الذي وضع حداً لنظام “بريتون وودز”.

وحتى سبعينيات القرن العشرين، كان نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي مرتكزاً على الدولار، وتم تقسيم الباقي إلى حد كبير بين الجنيه الإسترليني والروبل السوفيتي.

لماذا الدولار هو الأقوى؟

أسباب عديدة دفعت الدولار إلى التربع على قائمة أقوى عملة على مستوى العام، وذلك بخلاف حجم وقوة الاقتصاد الأمريكي.

ومن ضمن تلك الأسباب هو أن أكثر من ثلث إجمالي الناتج المحلي العالمي يأتي من دول تربط عملاتها بالورقة الخضراء، ومن بين تلك الدول 7 حكومات اعتمدت الدولار رسمياً.

سوق الصرف الأجنبية.. أكثر من 85% من تلك التجارة تقوم بالاعتماد على الدولار، كما يتم إصدار 39% من الديون العالمية باستخدام العملة الأمريكية.

ويعد إقبال الدول على الاحتفاظ بالعملة الأمريكية في احتياطاتها واستحواذها على المركز الأول في هذا الصدد، دليلاً على قوة العملة الأمريكية، فضلاً عن استخدامها في المعاملات الدولية.

كما أن معظم عقود السلع العالمية مقومة بالدولار الأمريكي، خاصة النفط والذهب وهما من أهم السلع العالمية، مما يجعل معاملات تلك السلع تتم باستخدام الورقة الخضراء.

كما أن العملة الأمريكية كانت دائماً قادرة على تخطي العثرات التي تتعرض لها وذلك أثناء فترات السبعينات والثمنينات، وفي الفترة من 1991 إلى 1993.

وعلى الرغم أن الجميع كان يراهن عن انهيار الدولار، وفكرت العديد من الحكومات في إنهاء ربط عملتها بالعملة الأمريكية فإنها كانت تعود أقوى من الأول.

هناك منافسون؟

في مارس 2009 دعت الصين وروسيا إلى عملة عالمية جديدة تُصبح عملة الاحتياطي النقدي لدول العالم، وتكون مستقلة وبعيدة عن التقلبات، فضلاً عن إزالة أوجه القصور الناتجة عن استخدام العملات الوطنية المرتبطة بالائتمان.

ودعت الصين صندوق النقد الدولي بالفعل لتنفيذ ذلك، نتيجة مخاوفها أن تصبح التريليونات التي تمتلكها بالعملة الأمريكية أقل قيمة نتيجة لزيادة عجز الإنفاق في الولايات المتحدة، وإصدار سندات الخزانة الأمريكية لدعم الديون.

كما أصبحت بعض الدول تتجه للاحتفاظ بعملات أخرى بخلاف الدولار في احتياطاتها النقدية، حيث ارتفعت نسبة الاحتفاظ بالين في احتياطات الدول إلى أعلى مستوى منذ 2002 عند 4.89% في الربع الرابع من العام الماضي.

كما دخل اليوان الصيني ضمن عملات احتياطيات الدول في الربع الرابع من 2016، وبلغت إجمالي حيازة الدول من العملة الصينية إلى 1.23% في الربع الأخير من 2017، مقابل 1.12% في الربع السابق لها.

ومع دخول اليوان عملات حقوق السحب الخاصة بالتابع لصندوق النقد الدولي اعتبر الكثيريون أنه قادر على أن يحل بدلاً عن الدولار في صدارة العملات المستخدمة عالمياً، لكن حقيقة تراجع وتيرة استخدامه في المعاملات التجارية والقواعد الصينية بشأن سعر الصرف قللت من هذا الاعتقاد.

وتشير قواعد البنك المركزي الصيني إلى تحديد سعر مرجعي لليوان يومياً ويُسمح فقط بوجود هامش صعود أو هبوط يبلغ 2% من هذا المستوى.

( المصدر: الليرة اليوم )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *