تحليلات

من هي الدولة التي أطاحت بمفتي النظام السوري؟

هيومن فويس

من هي الدولة التي أطاحت بمفتي النظام السوري؟

ألغى رئيس النظام السوري بشار الأسد، بموجب مرسوم أصدره الاثنين، منصب مفتي الجمهورية، من دون إعلان أسباب القرار وخلفياته.

وأصدر الأسد مرسوماً تشريعياً رقم 28، نص على إلغاء المادة رقم 35 من القانون الناظم لعمل وزارة الأوقاف، التي يُسمى بموجبها المفتي العام للجمهورية.

كما عزز المرسوم الجديد صلاحيات المجلس العلمي الفقهي في وزارة الأوقاف، الذي يترأسه الوزير، وكان المفتي عضواً فيه.

ولم تعلن رسميا أسباب إلغاء منصب مفتي الجمهورية، الذي كان أحمد بدر الدين حسون يشغله منذ 2004، وهو يُعرف بمواقفه المؤيدة للرئيس السوري.

لكن قرار إلغاء منصب المفتي جاء بعد أيام من رد قاس أصدره المجلس العلمي الفقهي على تفسير المفتي حسون لإحدى الآيات القرآنية، واعتبر المجلس التفسير “تحريفاً”. وفق موقع تلفزيون الحرة.

كما شدد المجلس على “عدم الانجرار وراء التفسيرات الشخصية الغريبة”. ورأى البعض في ذلك دليلاً على تعزيز سلطة وزارة الأوقاف ودورها.

وكلف مرسوم الأسد المجلس بمهام كان المفتي منوطاً بها، هي “تحديد مواعيد بدايات ونهايات الأشهر القمرية والتماس الأهلة وإثباتها وإعلان ما يترتب على ذلك من أحكام فقهية متصلة بالعبادات والشعائر الدينية الإسلامية”، مثل “إصدار الفتاوى.. ووضع الأسس والمعايير والآليات اللازمة لتنظيمها وضبطها”.

وهذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها الأسد تعديلاً في تنظيم عمل الأوقاف الإسلامية، إذ أنه أصدر في العام 2018 قانوناً منح بموجبه صلاحيات واسعة لوزير الأوقاف، وحدد فيه ولاية مفتي الجمهورية بثلاث سنوات قابلة للتمديد، على أن تتم تسميته بموجب مرسوم بناء على اقتراح الوزير، فيما كان رئيس الجمهورية سابقاً هو من يعين المفتي من دون تحديد مدة ولايته.

وأثار القانون جدلاً عند صدوره ورأى البعض أنه بمنحه صلاحيات واسعة لوزارة الأوقاف فإنه يكرس سلطة المؤسسات الدينية، واعتبر البعض أنه يعزز قبضة السلطات على المؤسسة الدينية في سوريا بشكل كامل.

من أطاح بالمفتي؟

أثار رد “المجلس العلمي الفقهي” التابع لوزارة الأوقاف بحكومة النظام السوري، على كلام مفتي الأسد، أحمد بدر الدين حسون، في جنازة المطرب الراحل صباح فخري وتفسيره لسورة ”التين” الذي تبناه العديد من ردود الفعل.

وفي بيان أصدره المجلس، الخميس 11 من تشرين الثاني، أشار فيه إلى أن ذلك التفسير مغلوط وتحريف للتفسير الصحيح، لجأ قائله إلى “خلط التفسير بحسب أهوائه ومصالحه البشرية”. وأضاف البيان أن تفسير حسون “كلام ضيق، لا ينطلق من دراية بقواعد تفسير القرآن الكريم، بل إنه إقحام للدين في إطار إقليمي ضيق”، مشيراً إلى أن التفسير بهذا المفهوم الضيق بعد عن المقصد الإنساني الذي أراده الله في هذه السورة. وفق نداء بوست

مصادر ”نداء بوست“ أشارت إلى أن الصراع الدائر بين الروس والإيرانيين على مؤسسات الدولة في سورية، ومن بينها المؤسسة الدينية، يبدو أنه حسم تماماً الآن لصالح الروس.

واللافت أن لغة بيان المجلس أتت جازمة بأن منهج “المتطرفين والتكفيريين يعتمد على تحريف تفسير آيات القرآن لأغراض شخصية، لتنسجم مع أهدافهم التكفيرية”. في اتهام مباشر لحسون بأنه في مصافّ التكفيريين.

وكان حسون قال في كلمة ألقاها خلال مراسم عزاء صباح فخري: إن “خريطة سورية مذكورة في القرآن” في سورة “التين”، مضيفاً أن ذكر شجرتَي “التين والزيتون” ضِمن الآية، دلالة على “خلق الإنسان في سورية في أحسن تقويم”، معتبراً أن من ترك البلاد سيلقى عقاباً من الله، مستشهداً على توصيفه بالآية “رددناه أسفل سافلين”.

وجاء رد “المجلس العلمي الفقهي” التابع لوزارة الأوقاف، على تفسير هذه الآية، بأن المقصود في الآية ليس إنساناً مخصوصاً بعينه في زمان ومكان معينيْنِ، مشيراً إلى أن “الإنسان يُحطّ من مرتبته القويمة إلى أسفل سافلين، عندما يخالف أوامر الله ويعرض عنها، وهذا حال يصيب كل إنسان في كل مكان وزمان، ولا علاقة له ببلاد الشام أو غيرها من المسميات القطرية التي تتغير من زمان لآخر”. معتبراً أن ”هذه عصبية مقيتة حذّر الإسلام منها ونهى عنها“.

استهداف مبرمج

وكان استهداف حسون من قِبل وزارة الأوقاف قد رصد منذ ثلاث سنوات وجاء القانون 31 ليحد بشكل كبير من صلاحياته. ويجعل المشهد الديني حالياً تحت سيطرة الأوقاف بشكل مطلق.

غير أن هذا البيان يُعَدّ الأول من نوعه الذي تشير فيه وزارة الأوقاف إلى المفتي العامّ، وعلّقت مصادر ”نداء بوست“: إن الهدف، بالطبع، ليس من باب الأمانة العلمية والدينية، فلطالما ركب المفتي نصوصاً وأحكاماً لخدمة النظام. كما أن الأوقاف ووزيرها يبرعون بذلك. لكن البيان يبدو تمهيداً لاستبدال المفتي العامّ وعدم تجديد تكليفه.

وبدأ “المجلس الفقهي” عقد أول اجتماعاته التحضيرية في 20 من تشرين الثاني 2019، بحضور رجال دين وعلماء من مختلف المذاهب الدينية، بعد أن شُكل وفقاً للمادة الخامسة من القانون رقم 31 للعام 2018 الخاص بوزارة الأوقاف.

وقال وزير الأوقاف، خلال الاجتماع التحضيري الأول: إن الهدف من “المجلس العلمي الفقهي” هو “ترسيخ مفاهيم الوحدة الوطنية، والأخذ بيد أبناء الوطن على اختلافهم وتنوُّعهم لمواجهة فكر أعداء الأمة الصهاينة والمتطرفين التكفيريين وأتباع الإسلام السياسي”.

ويحل القانون الذي أصدره الأسد ثم أجرى مجلس الشعب السوري تعديلات عليه في العاشر من الشهر الحالي مكان قانون لتنظيم الأوقاف يعود لعام 1961. وفي الماضي كان رئيس الجمهورية هو مَن يعين المفتي من دون تحديد مدة ولايته، لكن القانون الجديد حدّد مدة ولاية مفتي الجمهورية بثلاث سنوات قابلة للتمديد، على أن تتم تسميته بموجب مرسوم “بناء على مقترح وزير الأوقاف“.

ويشغل حسون منصب مفتي الجمهورية منذ عام 2004. بينما منح القانون الجديد صلاحيات واسعة لوزير الأوقاف، ويعتبره “الممثل الشرعي والقانوني للأوقاف الإسلامية في سورية”، وهو المشرف على المدارس والمعاهد الشرعية ويرأس “المجلس العلمي الفقهي” و”مجلس الأوقاف المركزي“.

ويحظر القانون على أئمة الجمعة والمؤذنين والمدرسين الدينيين “إثارة الفتن الطائفية”، و”استغلال المنابر لأغراض سياسية”، والانتماء إلى أحزاب سياسية محظورة أو غير مرخصة، والمشاركة في مؤتمرات في سورية أو خارجها أو حتى مغادرة الأراضي السورية من دون الحصول على موافقة الوزير أو مفوض عنه. وبين مهام وزارة الأوقاف الجديدة، وَفْق القانون، “التنسيق مع وزارتَي الإعلام والثقافة للإشراف على البرامج الخاصة بالعمل الديني في وسائل الإعلام كافةً، وكذلك المطبوعات الدينية“.

كما أثار هذا القانون جدلاً واسعاً عند صدروه، فقد رأى فيه البعض محاولة لتنظيم الخطاب الديني و”محاربة التطرف”، واعتبر آخرون أن منحه صلاحيات واسعة لوزارة الأوقاف يكرس سلطة المؤسسات الدينية. وقال وزير الأوقاف محمد عبد الستار السيد في مقابلة تلفزيونية: إن القانون يأتي بعد “فوضى تشريعية” ناتجة عن قوانين قديمة.

وأضاف أن “هذه أول مرة في التشريع تصدر ضوابط ومعايير للعمل الديني وشروط لتعيين الأئمة والخطباء وهذا إنجاز كبير بأن يتم مَأْسَسة هذا العمل”.

وتشن وزارة الأوقاف والعديد من المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي حملة عنيفة ضد حسون خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، فيما يبدو وكأنه تحضير لقرار سيُتخذ بخصوصه قريباً، ما يوحي بانتهاء دوره الذي قام به خلال الأعوام العشرة الماضية، بالمقابل ردّت بعض الشخصيات الداعمة لحسون بأن هذه الطريقة ليست هي المكافأة المناسبة لمَن وقف إلى جوار الرئيس والجيش ومؤسسات النظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *