الواقع العربي

دلالات عبارات الملك التي أثارت قلق الإسبان

هيومن فويس

دلالات عبارات الملك التي أثارت قلق الإسبان

خطاب الملك محمد السادس بمناسبة المسيرة الخضراء جاء على غير المتوقع، فكان من المنتظر، بحكم أجواء التصعيد في العلاقات الجزائرية المغربية، أن يرد في الخطاب على تهديدات الجزائر، لكنه تجنب، بشكل مطلق، الإشارة إلى الجزائر في خطابه، مفضلا الحديث عن نتائج دبلوماسية بلده النشطة في الأشهر القلية الماضية، وكيف أحرزت تقدما كبيرا في ملف الصحراء، عبر عنه بشكل واضح قرار مجلس الأمن الأخير.

الرد الهادئ والضمني على الجزائر، جاء في معرض بيان موقف المغرب من مسار التسوية، وذلك في شكل رسالة موجهة إلى الأمين العام، حيث وضع الملك مجلس الأمن أمام مسؤولياته، وذكّر بالتزام المغرب بالشرعية الدولية، وأنه يقف عند حدودها، ويلتزم بوقف إطلاق النار، ويلتزم بمخطط التسوية للتوصل إلى حل نهائي للنزاع.

رسالة الملك تضمنت إشارة واضحة إلى الموقف الجزائري، الذي أعلن تحلله من الالتزام بمسار التسوية، وبدأ يفكر في خيارات أخرى خارجها، بعد أن كانت هي الأشد ضغطا على الأمم المتحدة من أجل استئناف العملية السياسية، بل كانت تحذر من جو الفراغ السياسي الذي ينتج عن عدم تعيين المبعوث الخاص للأمين العام الأممي المكلف بالصحراء، وعبرت بعد تعيينه، عن دعمها الكامل لجهوده، ليتحول موقفها بعد صدور قرار مجلس الأمن، فتتهم المجلس وبعض الدول المؤثرة فيه، على حسب تعبير الخارجية الجزائرية، بالتحيز للأطروحة المغربية، وتقرر مقاطعة الموائد المستديرة التي ترعاها الأمم المتحدة، والتي سبق لها المشاركة لها فيها سنتي 2018 و 2019. وفق القدس العربي

خطاب الملك كان واضحا على مستوى هذه الرسائل، كما كان واضحا أيضا على مستوى تأكيده على أن الصحراء ليست موضوعا للتفاوض، فقرار مجلس الأمن، الذي يقف على مرجعية 2007، ويركز على حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق، يزيح من الطاولة بشكل كامل خيار الاستفتاء، ويضع مبادرة الحكم الذاتي كإطار للحل، مع ترك تفاصيله للتفاوض.

لكن، إلى جانب هذه النقاط الواضحة، التي تعبر في الحقيقة عن لحظة انتصار دبلوماسي مغربي، ثمة نقاط أخرى وردت في الخطاب، تركت علامات استفهام كثيرة، واستشكلتها دول في الاتحاد الأوروبي، وبخاصة إسبانيا، التي تشتغل بنهج هادئ من أجل إعادة العلاقات مع الرباط إلى حالتها الطبيعية بعد أزمة استقبال زعيم الانفصاليين إبراهيم غالي، وإدخاله للأراضي الإسبانية بهوية وجواز سفر مزورين دون تشاور أو إخبار للمغرب.

فقد ميز الخطاب بين صنفين من الدول، سمى الأول بالشركاء، ودعاه إلى تبني مواقف جريئة وواضحة بخصوص قضية الوحدة الترابية للمملكة، وسمى الصنف الثاني، بأصحاب المواقف الغامضة والمزدوجة، وأعلن بشكل صارم أن المغرب لن يقوم معهم، بأي خطوة اقتصادية أو تجارية، لا تشمل الصحراء المغربية.

الخطاب لا يعني بالمطلق توقيف التبادل التجاري مع أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يعني حرمان أي دولة غامضة المواقف من الشراكة في الاستثمار في الفرص الضخمة

الصحافة الأوربية، وبشكل خاص الإسبانية، لم تنتبه في الخطاب إلى هذا التمييز، فاستشكلت مضمون الخطاب، وما إذا كان المغرب، يتجه إلى انتهاج أسلوب المقاطعة الاقتصادية والتجارية معها، وهل يسير المغرب بذلك ضد مصالحه الحيوية؟

حسب بيانات مكتب الصرف لسنة 2020، والتي تغطي وضعا استثنائيا يخص مرحلة جائحة كورونا، فقد بلغت المعاملات التجارية المغربية مع أوروبا نحو 50 مليار دولار، بما يعني أن أوروبا تشكل الشريك التجاري الأول للمغرب، بحصة 66 في المئة من إجمالي المبادلات في السنة الماضية.

ومن ثمة، يصعب فك شفرة العبارات الواردة في الخطاب الملكي، بحملها على العموم، فواضح من خلال التمييز بين الشركاء والدول التي تحمل مواقف غامضة أو مزدوجة، أنه يعني بالشركاء الدول التي تدعم الدينامية الاستثمارية في الأقاليم الجنوبية، وساندت حلا سياسيا لنزاع الصحراء ضمن السيادة المغربية وفي إطار الحكم الذاتي، وإن لم تعلن عن ذلك بشكل مباشر، وبين الدول التي تقدم دعما في الخفاء للأطروحة الانفصالية، وتحب الظهور بمظهر الداعم لجهود الأمم المتحدة في التوصل إلى حل متوافق حوله بين الطرفين لإنهاء النزاع، وفي الوقت نفسه، تريد تأخذ نصيبها من الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية.

التقدير أن مضمون عبارات الخطاب، لا يعني بالمطلق توقيف التبادل التجاري مع أي دولة من دول الاتحاد الأوروبي، بقدر ما يعني حرمان أي دولة غامضة المواقف، من الشراكة في الاستثمار في الفرص الضخمة التي تتيحها المنطقة المفتوحة على العمق الإفريقي.

والحقيقة أن الخطاب تضمن عبارة صريحة تعزز هذا الفهم، إذ عبر الملك محمد عن تقديره «للدول والتجمعات، التي تربطها بالمغرب اتفاقيات وشراكات، والتي تعتبر أقاليمنا الجنوبية، جزءا لا يتجزأ من التراب الوطني».

الصحافة الإسبانية أبدت قلقها الشديد من العبارات التي وردت في الخطاب الملكي، لاسيما وأن تقدير صناع القرار السياسي بمدريد أن الجهود التي قام بها وزير الخارجية الجديد، وإدارته للحوار مع المغرب بشكل هادئ، ستثمر عودة قوية للعلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وأن ذلك سيفتح المجال لانتعاشة اقتصادية وتجارية مهمة لإسبانيا في هذه المرحلة الحرجة.

المعطيات المتوفرة لحد الآن حول مسار المفاوضات بين مدريد والرباط لا تبشر بشيء، فوزير الخارجية الإسباني، تحدث عن قرب عودة العلاقات إلى طبيعتها، وأنه ينتظر فقط تشكيل الحكومة الجديدة في المغرب للإعلان عن ذلك، لكن إلى اليوم، مر ما يزيد عن شهر عن تشكيل حكومة عزيز أخنوش، وثمة خلافات في تدبير أزمة الغاز بعد قرار الجزائر توقيف الاشتغال بأنبوب الغاز المغاربي، وتعليق عقد توريد المغرب بالغاز.

ولذلك، ومع الشك في أن المقصود بالعبارة في الخطاب الملكي هي مدريد فإن الأمر يتوقف على النقطة التي وصل فيها التفاوض، وما إذا كانت حدثت خلافات قوية بين الطرفين، أعادت الموقف المغربي إلى نقطة البداية، أي لحظة توتر العلاقات المغربية الإسبانية، واتهام الرباط لإسبانيا بتبني مواقف غامضة ومزدوجة.

بدون شك فإن ألمانيا هي المقصود القطعي بعبارة الملك، وإن الإعلان عن قرار عدم قيام المغرب «بأي خطوة اقتصادية أو تجارية، لا تشمل الصحراء المغربية» يقصد بها الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية، في تلميح واضح إلى مخزون جبل «تروبيك» الذي يوجد في مياه الأقاليم الجنوبية التي حصنها المغرب بترسيم الحدود البحرية مع إسبانيا، فألمانيا هي المعنية الأولى بالاستثمار في هذا المجال، لاسيما وأن السيارات الكهربائية التي تعد المستقبل المقبل بهذه الصناعة تتوقف على مادة الكوبالت، التي تقدر الإحصائيات أن جبل «التروبيك» توجد فيه هذه المادة بمخزون يكفي لصناعة 270 مليون سيارة كهربائية.

أكيد أن صناع القرار السياسي في كل من إسبانيا وألمانيا فهما بشكل دقيق مضمون العبارة، ولذلك لم يتأخر الاتحاد الأوروبي في إصدار بيان أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، يدعم قرار مجلس الأمن الأخير ويذكر بمرجعية 2007، ويدعو إلى حل سياسي واقعي عادل ومقبول، لإنهاء النزاع في إشارة للمبادرة المغربية للحكم الذاتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *