تحليلات

الشعب السوداني يواجه عمر البشير.. وبوتين يترأس القائمة

هيومن فويس

الشعب السوداني يواجه عمر البشير.. وبوتين حاضر في المعادلة

ترى دوائر قريبة من المكون العسكري أن موقف البرهان يعد الأكثر فاعلية في تحجيم التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية، وأن اللعب على تناقض المصالح تمت دراسته في أروقة الجيش البحثية، اعتمادا على تاريخ المؤسسة العسكرية في التعامل مع المجتمع الدولي في مثل هذه المواقف، وأن شخصيات موجودة على رأس القيادة الحالية لديها القدرة على المناورة لتحقيق أهدافها.

استعاد قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان استراتيجية اللعب على التناقضات الدولية التي انتهجها الرئيس المخلوع عمر البشير لتثبيت أركان الجيش على رأس السلطة، وأشهر ورقة القاعدة الروسية على ساحل البحر الأحمر في وجه الضغوط الأميركية التي تسعى للعودة مجدداً إلى مسار الشراكة مع المدنيين.

وترك البرهان الاثنين الباب مواربا أمام تفعيل الاتفاق العسكري الذي يقضي بإنشاء قاعدة بحرية روسية في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، معلنا أن بلاده لديها “اتفاق مع روسيا من ضمنه إنشاء قاعدة بحرية ونتحدث فيه باستمرار ولدينا بعض الملاحظات نحتاج إلى إزالتها قبل المضيّ في تنفيذه”.

وقال في تصريحات لوكالة “سبوتنيك” الروسية بثتها الاثنين “ملتزمون بالاتفاقيات الدولية وسنمضي في تنفيذ الاتفاق مع روسيا حتى النهاية”، وأضاف “تعاون السودان مع روسيا قديم ولم ينقطع فهي صادقة في تعاملها معنا”.

وحملت تصريحات البرهان دلالات تشير إلى العلاقة الجيدة بين قيادة الجيش وموسكو لإرسال إشارات مباشرة إلى الإدارة الأميركية، ما يعني أن الاستمرار في دعم المدنيين سيكون على حساب مصالح واشنطن في البحر الأحمر، والجيش سيكون أكثر توجهًا نحو روسيا لملء الفراغ الذي سوف تتركه واشنطن حال أصرت على تجميد مساعدات التحول الديمقراطي البالغة 700 مليون دولار.

ويرى مراقبون أن إشهار الورقة الروسية مباشرة حلّ مناسب لتخفيف الضغوط على البرهان بما يساعده على السير في طريق تشكيل حكومة جديدة بعيداً عن الحاضنة السياسية السابقة لفرض أمر واقع على الأرض يُقنع من خلاله المجتمع الدولي بوجود نوايا إيجابية لدى الجيش باستكمال هياكل الفترة الانتقالية ووصولا لإجراء الانتخابات.

وأراد البرهان إزاحة الغطاء الخارجي الداعم للقوى المدنية التي مازالت تعول على تغيير الوضع القائم عبر الضغوط الغربية، والأميركية بشكل خاص، وحركة الشارع.

وحاول قائد الجيش قطع الطريق على أيّ وساطة تقودها الأمم المتحدة أو دولة جنوب السودان للعودة إلى الشراكة مع المكون المدني، ويدخل في سباق مع الزمن لترسيخ خطواته مستفيداً من خلافات دولية انعكست على فشل مجلس الأمن في اعتماد بيان موحد يدينه.

وفي وقت سابق شدد نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي على أن الشعب السوداني يجب أن يحدد بنفسه ما إذا كانت الأحداث في بلاده انقلابا أم لا، داعيا جميع الأطراف إلى وقف العنف.

ولم يستبعد متابعون أن تكون خطوة تجميد مجلس السيادة المنحل بالاتفاق مع روسيا في أبريل الماضي، بحجة الانتظار للموافقة عليها بعد تشكيل المجلس التشريعي، ضمن خطط الجيش لإزاحة المكون المدني، وجعلها ورقة للاستفادة منها في وجه تناقضات مواقف الدول الخارجية تجاه مصالحها في السودان.

وكشفت موسكو عن اتفاقية مع السودان جرى توقعيها قبل رحيل البشير عن السلطة لإقامة قاعدة تموين وصيانة للبحرية الروسية على البحر الأحمر بهدف “تعزيز السلام والأمن في المنطقة”، وتسمح للبحرية الروسية بالاحتفاظ بما يصل إلى 4 سفن في وقت واحد في القاعدة، بما في ذلك السفن التي تعمل بالطاقة النووية.

وقال أستاذ العلوم السياسية بجامعة أفريقيا الدولية في الخرطوم محمد خليفة صديق إن البرهان لديه أولوية في الاحتفاظ بعلاقة قوية مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن التي فتحت أبواب السودان أمام العالم، لكن يجد نفسه محاطاً بضغوط تقودها واشنطن، في وقت يريد الإعلان عن الحكومة الجديدة قبل نهاية الأسبوع الجاري.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن قائد الجيش يعول على فتح صفحة جديدة مع الولايات المتحدة والقوى الغربية مقابل تخليها عن دعم رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك، وينتظر أن يكون هناك ترحيب غربي بالحكومة الجديدة، وسوف يستمر في مغازلة روسيا وقد يمتد الأمر إلى فتح أسواق السودان على نحو أكبر للصين.

وسيتحدد موقف الولايات المتحدة بناء على تقديراتها لحجم الضرر الذي تتعرض له حيال وجود القاعدة الروسية في البحر الأحمر، وقد تجد في هشاشة الأوضاع مدخلا لفسح المجال أمام موسكو لتدشين قاعدتها على أن تختار محاصرتها في مناطق أفريقية أخرى مهمة، وفي تلك الحالة سوف تستمر في ممارسة المزيد من الضغوط على قادة الجيش السوداني للتراجع عن قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي.

وترى دوائر قريبة من المكون العسكري أن موقف البرهان يعد الأكثر فاعلية في تحجيم التدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية، وأن اللعب على تناقض المصالح تمت دراسته في أروقة الجيش البحثية، اعتمادا على تاريخ المؤسسة العسكرية في التعامل مع المجتمع الدولي في مثل هذه المواقف، وأن شخصيات موجودة على رأس القيادة الحالية لديها القدرة على المناورة لتحقيق أهدافها.

وذهب هؤلاء في تصريح لـ”العرب” للتأكيد على أن عدم وصف الولايات المتحدة بخطوات الجيش على أنها “انقلاب” أعطى دلالة على وجود مخاوف من توجه الخرطوم نحو روسيا، وما دار في كواليس لقاءات المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان هو من حسم خطوات الجيش نحو إزاحة المدنيين أولاً ثم اللعب بورقة التناقضات، استنادا إلى تاريخ طويل من التعامل الأميركي مع القيادات العسكرية في السودان، على الرغم من العداء الظاهر لها.

وأكدت مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية بالقاهرة أماني الطويل أن الولايات المتحدة قدمت دعمًا معنويًا للمكون المدني، لكن على المستوى الاستراتيجي سوف تكون الحسابات مختلفة، وهو أمر يستفيد منه البرهان بعد أن أصبحت خطوات الجيش أمراً واقعًا.

وأوضحت لـ”العرب” أن السودان يشهد معركة مفتوحة طرفاها روسيا والصين من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وربما تكون فرص الفريق الأول أكثر حظًا لحسم المعركة لصالحه في ظل الارتباك الذي تعاني منه الإدارة الأميركية في المنطقة.

وتجعل إدارة التناقضات بين القوى الكبرى بدقة من قبل الجيش السوداني موقفه أكثر صمودا وقابلية سياسية على المستوى الدولي، وقد يتم التعامل مع منظور البرهان حيال تشكيل حكومة جديدة من التكنوقراط دون معوقات كبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.