دراسات

الانتخابات المغربية: معركة كبرى. . وقليل من المجد الديمقراطي

هيومن فويس

الانتخابات المغربية: معركة كبرى. . وقليل من المجد الديمقراطي

تعتير هذه أول سابقة من نوعها في تاريخ الاستحقاقات بالمغرب، منذ أول استحقاق برلماني عام 1963. وتعرِف مشاركة 32 حزباً سياسياً تتنافس من أجل الظفر بأصوات حوالي 18 مليون مغربي، من المسجّلين في اللوائح الانتخابية.

يكتسب الاستحقاق الانتخابي الثالث، في ظل دستور 2011، طبيعة خاصة، بالنظر للمتغيرات التي طبعت سياق تنظيمه، بدءاً من الهجمة الشرسة لفيروس كورونا التي أربكت الدولة.

وزادت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة حدة. مروراً بمسلسل النكوص والردة الحقوقية التي طالبت أحزاب سياسية، في الحكومة والمعارضة، بضرورة تجاوزها، وتحقيق انفراج سياسي حقيقي يشجع على المشاركة في الانتخابات.

وانتهاء بمشهد حزبي بأعطاب متراكمة، أفقدت اللعبة السياسية الكثير من الإغراء، بما يطبعها من ممارسات وسلوكيات (الترحال الحزبي، منطق الغنائم، القاسم الانتخابي، فقدان المرجعية…)، شكلت صورة سوريالية عن الفاعل الحزبي.

كان لهذا السياق أثر واضح على الحملة الانتخابية، التي انطلقت يوم الخميس 26 أغسطس/آب الماضي، باعتماد الأحزاب الكبرى على استراتيجية مزدوجة لإقناع الناخبين، تمزج بين النمط التقليدي، أي الوجود في الميدان والتواصل المباشر مع المواطنين.

والنمط الحديث، القائم على تسخير منصات التواصل الاجتماعي، بإنشاء مجموعات وحسابات وإعداد مواد انتخابية، تستهدف جمهور الشبكات الاجتماعية. كل ذلك من أجل ضمان التواصل مع المواطنين أولاً، والعمل على إقناعهم بجدوى المشاركة، وضرورة الذهاب إلى صناديق الاقتراع ثانياً.

هاجس المقاطعة يحضر لدى الأحزاب السياسية، ولدى الدولة بقوة أكبر، وما فكرة تنظيم الاقتراعين، البرلماني والمحلي، بشكل متزامن سوى محاولة للتخفيف من حدة العزوف الانتخابي، باستغلال الإقبال الملحوظ الذي يسجَّل عادة في الانتخابات المحلية، بحكم عنصر القرب الشخصي، مقارنة بالبرلمانية التي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 50 في المئة منذ عام 2002.

لم تعد شريحة واسعة من المغاربة تراهن على صناديق الاقتراع، كما تؤكد تقارير مؤسسات رسمية، بعدما فقدت الثقة في العمل السياسي ورجال السياسة، بعد خيبة أملهم من أطروحة “الإصلاح من الداخل” في أعقاب انتخابات عام 2016، إذ لم تعكس نتائجها مطلقاً الإرادة الشعبية المعبر عنها في الصناديق، لحظة تشكيل الحكومة الحالية.

لكن رهانات الدولة على هذه المعركة الانتخابية، التي بدأت منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، كثيرة ومتداخلة. أولاً، تسجيل نسبة مشاركة معقولة تمنح المؤسسات التمثيلية منسوباً من الثقة داخل المجتمع، وتمكّن النظام السياسي من تجديد شرعيته ومشروعيته.

ثانياً، فرصة تجديد أعضاء جميع المؤسسات المنتخبة (ممثلي المأجورين، الغرف المهنية، مجلس النواب، المجالس البلدية، المحافظات، مجلس المستشارين)، ما يعني ضمان تجديد النخب، بإفراز وجوه وأطر وكفاءات قادرة على المساهمة، من موقعها التدبيري، في تنزيل مضامين النموذج التنموي الجديد.

ثالثاً، القطيعة مع إرث الربيع العربي، بإسدال الستار على مسرحية “الإصلاح في ظل الاستقرار”، وإسقاط “الاستثناء المغربي”، ووأد ثالث محاولة من أجل “الانتقال الديمقراطي”، عقب تجربتي عبد الله إبراهيم (1958) وعبد الرحمن اليوسفي (1998)، بإعادة ضبط السرعة على إيقاع ما قبل 20 فبراير.

لا تلقي الأحزاب المشاركة في هذا الاستحقاق بالاً لهذه الحسابات، فعينها على الكعكة الانتخابية لحصد أكبر عدد من المقاعد، في البرلمان وفي المجالس المحلية، في ظل التعديلات التي أدخلت على القوانين الانتخابية، ونقصد تحديداً القاسم الانتخابي، حيث تتم قسمة مجموع الناخبين المسجلين على عدد المقاعد، بدلاً من عدد الأصوات الصحيحة. وإلغاء عنصر العتبة، أي الحد الأدنى من الأصوات المحصلة في الانتخابات.

تغيرات تخدم مصالح الأحزاب الصغيرة بالدرجة الأولى، وحظيت بدعم باقي الأحزاب لتحجم الحزب المستفيد من فائض المقاعد بالدوائر، وفق قواعد القانون الانتخابي القديم.

بالرغم من ذلك، سوف يحتدم الصراع على تصدر نتائج الانتخابات بين حزب العدالة والتنمية الذي يحلم بمواصلة الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة لولاية ثالثة، وحزب التجمع الوطني للأحرار المتطلع إلى إزاحة الإسلاميين من المشهد السياسي، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي لعبت قيادته بكل أوراقها، بما في ذلك مهادنة حزب المصباح، لضمان الظفر بصدارة الانتخابات، وحزب الاستقلال، بقيادة جديدة وشرعية تاريخية، تسعى إلى استعادة الماضي السياسي والانتخابي التليد.

يبقى كسب أي حزب لنزال 8 سبتمبر/أيلول رهين قدرته على فك معادلته في المشهد السياسي المغربي، فالطريق أمام هذا الرباعي الحزبي المتنافس (العدالة والتنمية، التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال) قطعاً ليست مفروشة بالورود. فعلاوة على متغيرات السياق العام بالمغرب، على مدار عشر سنوات (2011-2021)، لدى كل حزب تحديات خاصة به.

يدخل حزب العدالة والتنمية المعركة الانتخابية، وفي رصيده عشر سنوات من التدبير الحكومي، ليست كلها مشرفة، لا سيما في ولايته الحكومية الثانية بقيادة سعد الدين العثماني. فقد بدا وكأنه منفذ لأوامر وتعليمات الدولة العميقة، وحتى ولو على حساب مرجعية وهوية ومصداقية الحزب (قانون فرنسة التعليم أو التطبيع أو تقنين الكيف…). علاوة على استغراق الحزب في التدبير، مركزياً ومحلياً، على حساب التنظيم، ما فاقم المشاكل التي عجلت باستقالة المئات من المناضلين، وحل فروع الحزب في بعض المواقع.

المصدر: TRT عربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *