مقالات

إن كان لا يحبك فلم مزقتني؟

هيومن فويس

إن كان لا يحبك فلم مزقتني؟

الأقحوان أو المارغريت أو زهرة البليس المعمر أو اللؤلؤية الصغيرة وغيرها، هي أسماء علمية أو عامة لزهرة صغيرة تنبت في حوض البحر المتوسط، وفي جهات كثيرة أخرى في فصل الربيع، لنا معها ومع غيرنا من الثقافات حكاية واحدة تقريبا، لها صلة بالإدراك المسبق أو الكهانة البدائية. كنا نقطف هذه الزهرة دون غيرها من الزهور لا لنتهاداها، ولا لنشمها، ولا لتضعها جميلة من الجميلات في خصلة شعرها الغجري.. كنا نستعمل الوردة تلك لكي نقطع بَتَلاَتِها وهي الورقات المؤلفة لتُويج الزهرة، نقطعها في سياق اختبار حي وعلني عن أن من نحب يحبنا. كنت أرى الصغيرات في سني يفعلن ذلك، يقطعن البتلة ويقلن يحبني، ويقطعن الثانية ويثنين لا يحبني، يحبني، لا يحبني.. سعيدة الحظ تلك التي تكون البتلة الأخيرة مقترنة بـيحبني.. صرخة الفرح تسمع من بعيد هناك في الحقل صرخة السعادة والهناء، ربما هنأتها الصغيرة التي كانت معها وشرعت بدورها تمارس الاختبار الافتراضي نفسه.

كانت لعبة سحرية مرتبطة بكشف سَجَفَيْ قلب الحبيب هل هو ملك لغيرها أم موهوب لها. كان المنضبطون الذين ليس في قلوبهم عشق يمارسون اللعبة نفسها في اختبار آخر: أنجح، لا أنجح، أنجح.. والسعيد من انتهى التكهن عنده بالنجاح؛ ولن نتحدث عن الغم والحزن واللعنة والخيبة التي تنتهي بلا يحبني أو لا أنجح: بتلة ملعونة تكون تلك البتلة الأخيرة أو حمالة ريح السعادة.

لا أحد منا استعمل زهرة المارغريت تلك ليسأل: سأصبح غنيا، لن أصبح، أصبح شهيرا، لن أصبح، أصبح رئيسا، لن أصبح.. لم يكن شيء من ذلك يدور في خلد طفلة الحقول، أو طفله حين يمزق وريقات تاج من أجل اكتشاف المخفي في الغيب أو المستور في القلوب. كان أيسر على من تسأل يحبني أو لا يحبني أن تذهب إليه وتسأله، لكن سؤالا كهذا كان أكثر جرأة ممن يجترئ على القدر. كان شيئا محظورا كالمحرم أو أكثر، لذلك كانت معرفته من باب الاطلاع على المخبوء قدريا لمعرفته. كان النجاح المدرسي لقلته شيئا لا تعرف نتائجه عقلا، كان كملاعبة ثور يهيج ويهدأ.. ما أقبح من جعل الدراسة مرتبطة بنجاح هو كالقدر المقدر: مصاعب شتى منها ما هو عجائبي.. وأدوات الصراع فيه عقل قلما كان يهذب.. يغادر من يغادر المدرسة لأن التعليم كان أصعب من فتح قمقم فيه ملك الجان.. بدلا من أن نسأل لمَ حبس ملك الجان نفسه في قمقم، نسأل نحن لمَ لمْ نستطع إخراجه منه والحصول منه على ما نريد. هل كان تجريد المارغريت من وريقاتها لعبة؟ أم كان كما قدمناه ضربا من استكشاف الغيب؟

في الثقافة الفرنسية القديمة يعتبر «تجريد المارغريت « لعبة قديمة هدفها أن تعكس مشاعر الشخص الذي يحبه من يمارس اللعبة، يعيد اللاعب لازِمَة مطولة (تحبني، قليلا، تحبني كثيرا، بحماس، بجنون، تحبني أكثر من أي شيء، لا تحبني على الإطلاق). كل جزء من اللازمة يرتبط ببَتَلة من البَتَلات تُقطع؛ ويسمى الاستكشاف ههنا انعكاسا للشعور بمعنى أن الشعور المخفي يخرج وينعكس على مرآة البتلة الأخيرة.

أول ما ينبغي أن نلاحظه في الفرق بين ممارسة هذا الاستكشاف عندنا، وممارستها عند الفرنسيين هو اتساع دائرة الممكن عندهم وتضييقها عندنا. تدريج الشعور في اللازمة يعكس تصورا للعشق مترامي الأطراف، واقعا بين حدي الوجود والعدم، لكن ما بينهما يمضي باتجاه الاتساع والزيادة في درجة الحب المتوقعة.

وهذا التدريج يقف على طرفي نقيض مع بنائنا نحن للعاطفة، بناء ثنائيا لا تدريج فيه، فإما الوجود وإما العدم. كأن ثقافتنا لا تهتم بتفصيل الموجود وتدريجه في جهة الكم. إن تكميم الشعور في هذه «اللعبة» الفرنسية مهم لا في أنه واقعي، بل في أنه يعطي فرصة أكبر للنجاة من العدم المفترض، يعطي اللاعب بالزهرات لنفسه الآملة فسحة في أن تذهب في اتجاه إيجاب العشق وإيجاده أكبر من غلقه.

يكون المرء في هذه اللعبة كمن يمشي في فضاء يتسع قليلا ثم كثيرا، ثم يتسع اتساعا أقصى قبل أن تضيق الأرض فجأة وتصبح كوة يخرج كاللعين من فسحتها.. الأمل جنة أخرى موعودة قد تنتهي بالخروج خائبا، لكن يكفي المرء أنه عاشها بفسحة أطول.

تصور كهذا يجعل المرء وهو في ملكوت العشق محققا أسباب الوجود أكثر، قبل أن تحدث السقطة وينتهي الوجود فجأة. للاعب المنتزع لبتلات الزهرة ألف فرصة كي تنتهي اللعبة وهو في دائرة الحب، وبالطبع حساب الاحتمالات في أن يقع في اللاحب أقل من أن يقع فيه؛ ومع ذلك يمكن أن تقطع البتلة الأخيرة الطريق على الحب بدرجاته المختلفة، وتنغلق على اللاحب.

كثير من الناجحين عندنا في البكالوريا يفرحون حد السعادة القصوى يوم ينجحون ويفرح معهم ذووهم كفرح بنصر أسطوري على الآلهة، أو على الجني لكنهم يبكون بعد ذلك في التوجيه الجامعي، حين لا تكفيهم نتائجهم كي ينالوا اختياراتهم في الدراسة.

هذا قدرٌ مأساوي أقل مأساوية من قدر الدائرة الثنائية التي فيها الحب أو اللاحب. في دائرتنا نحن لك من فرضيات الحب الحظ نفسه الذي لك من فرضيات اللاحب، أنت إما داخل الدائرة العشقية أو خارجها، هي ليست لعبة هي كهانة، وإن شئت قلت إنها لعبة قمار، أنت فيها تلعب الكل في الكل، فمرة يضحك لك الحظ فتربح الكل، ومرة يطردك الحظ من دائرته فتخسر الكل.

جزء كبير من شقائنا ومن خصوماتنا نابع من هذه النظرة الثنائية، فإما أن تحبني وتكون لي وإلا فإنك تكرهني. في العشق الثنائي كما في النجاح الثنائي لا يوجد هامش أو مساحة متدرجة في تحقيق المأمول، هناك وجهان لعملة واحدة يرميها حكم المقابلة في السماء ليرى من يلعب أولا: الفريق المحلي أو العدو.. لا يوجد في النجاح أيضا هذا التدريج بين أن تنجح وأنت متوسط، وأن تنجح وأنت متفوق أو أنت متميز أو أن لا تنجح.

كثير من الناجحين عندنا في البكالوريا يفرحون حد السعادة القصوى يوم ينجحون ويفرح معهم ذووهم كفرح بنصر أسطوري على الآلهة، أو على الجني لكنهم يبكون بعد ذلك في التوجيه الجامعي، حين لا تكفيهم نتائجهم كي ينالوا اختياراتهم في الدراسة. هل نحن حين نلعب حقا حين نقول يحبني ولا يحبني، أو نتكهن حين نمزق وريقات التويج؟ الكهانة لعبة والقمار كهانة وأنت ووجهة نظرك للشيء، نحن نرهن في القمار شيئا نفيسا كي نربح شيئا أكثر قيمة، وفي الكهانة نحن أيضا نرهن قلوبنا الظامئة للعشق، أو عقولنا الطامعة في النجاح من أجل أن نكسب قلبا آخر يحبنا، أو من أجل أن نكسب حلقة أخرى من حلقات النجاح المطلوبة كي تكتمل المسيرة بإكليل من الزهور؛ حين نفشل الرهان أو حين نصاب بنحس النجوم نخسر الكل أو نربح الكل.

في هذا اللعب العابث بالجميل جمالية رغم ذلك؛ هي جمالية مرتبطة بالشعور، وما من جمالية عند علماء النفس العرفانيين إلا وهي مرتبطة بالعواطف. حين تفرح لأن من تحب يحبك فذلك جمالي من وجه آخر: الوردة بفروع تيجانها مكنتك من أن تكون محبوبا.. صحيح أنها مُزقت وأزهق جمالها في سبيل جهادك القدري من أجل إثبات حب أو نفيه، لكنها في النهاية أقعدتك بتاجها الذاهب إلى مهب الهوى على عرش الهوى: منتصرا أو منكسرا، المهم أنك صرت محبا على وجه الافتراض. حين تحزن لأن قلب من تحب واقع في غير دائرتك فأنت في جمالية المأساة، مأساة من يصارع قدرا كان خفيا وحين انكشف ذهب بكل ما يمكن أن يشد إلى الأمل.

ماذا بقي من زهرة المارغريت؟ هذا سؤال جمالي وأكثر منه جمالا أن تخاطب الوردة الممزقة صاحبة القلب الممزق: إن كان لا يحبكِ فلمَ مزقْتِني؟

توفيق قريرة .. أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية- القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *