دراسات

الجزيرة الوثائقية: النفايات السابحة في المدار الأرضي تهدد مستقبل السماء- صور وفيديو

هيومن فويس

الجزيرة الوثائقية: النفايات السابحة في المدار الأرضي تهدد مستقبل السماء- صور وفيديو

في الثاني عشر من مايو/أيار 2021، وفي أثناء قيام وكالة الفضاء الكندية (CSA) فحصها الدوري المعتاد لمحطة الفضاء الدولية (ISS) لاحظت أن أحد أذرع المحطة الآلية، ويُدعى ذراع “كندارم2” (Canadarm2)، قد اخترقته قطعة من مخلفات الفضاء تاركة وراءها ثقبا واضحا في الذراع. ولحسن الحظ لم يستدع الأمر أي حالة طوارئ، وتابع الذراع الآلي عمله بسلاسة، إلا أن الحادثة أعادت فتح بعض الملفات التي تتناول الضرر الناجم من العمل البشري خارج الغلاف الجوي للأرض، وكما يقول أحدهم متهكما: حمدا لله على الاستكشاف البشري، اليوم أصبح لدينا فضاء محيط بنا مليء بالمخلفات.1

 

لقد تناولت وكالة ناسا الفضائية ملف مخلفات المركبات الفضائية والأقمار الصناعية بشكل حازم على مدار عقود، ووضعت ضوابط لضمان حماية المعدات والمراكب، والأهم من ذلك ضمان سلامة رواد الفضاء في أثناء أداء عملهم خارج المحطة.

ولعلّ الأمر لم يكن يحظى بأهمية كبيرة لدى المهندسين والمختصين في مجال الفضاء في بداية الأمر، بسبب الفضاء الشاسع الذي يحيط بالكرة الأرضية وكذلك قلّة المستخدمين لهذا الحيز، فالأقمار الصناعية فيما سبق تكاد أن تحصى بسهولة.

أما اليوم فقد أصبح حلم الصعود إلى الفضاء مهددا بنسبة لا يُستهان بها بسبب ما خلّفته يد الإنسان وصنعته والاستهلاك غير المنضبط، ويزداد الأمر خطورة مع ازدياد المراكب الفضائية ومخلفاتها، ولو سُميّ بالتلوث الفضائي لجازت التسمية.

مشروع “جيميني” الذي حمل الإنسان إلى الفضاء قبل أبوللو

سباق الفضاء بين القوى العظمى.. أجواء الحرب الباردة

تعود بداية القصة إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، عندما أطلق الاتحاد السوفياتي إلى الفضاء القمر الصناعي الأول في التاريخ البشري، وهو “سبوتنك1” (Sputnik1) الذي لم تتجاوز كتلته 90 كيلوغراما، معلنين بذلك عصرا جديدا في تاريخ الإنسان الحديث، وكان نتاج الحرب الباردة مع أمريكا التي لم تتوان برفع سقف التحديات بخوضها هذا المضمار الطويل.

فكان “مشروع ميركوري” (Project Mercury) هو الأول من نوعه بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، وتبعه “مشروع جيميني” (Project Gemini) ثم برنامج “أبولو” (Apollo Program) الذي حطّ أول إنسان على سطح القمر، وذلك في غضون عشر سنوات فقط. وكان الأمر ذاته بالنسبة للاتحاد السوفيتي، فقد تبنى ثلاثة برامج فضائية في ذات الفترة الزمنية، وكان أشهرها “مشروع سويوز” (Soyuz Program) الذي ما زال قائما بمهامه حتى هذه اللحظة.

وفي ظرف عقد من الزمان تكفلت ستة مشاريع فضائية بمهام إرسال عدد من الصواريخ والمراكب والأقمار الصناعية إلى الفضاء الخارجي، فضلًا عن التجارب التي سبقت المهام الأساسية، ويدلل هذا على حجم مؤشر التطور التقني الذي رافق الرحلات الاستكشافية في الفضاء في مدة زمنية محدودة.

ومع مرور الوقت، كان سباق الفضاء يزداد حدّة وشراسة، فلم يقتصر الأمر على وكالتي الفضاء السوفياتية والأمريكية فقط، بل أعلنت دول عدة عن تأسيس وكالاتها الفضائية المستقلة لأغراض عسكرية وأخرى علمية، مثل وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الصينية، وقد أسفر ذلك عن عشرات برامج الفضاء المتزاحمة في الرقعة المحيطة بالكرة الأرضية، ولا سيما أن مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي (United Nations Office for Outer Space Affairs) الذي تأسس في عام 1958 قد منح جميع الدول ذات الأحقية في المساحة العلمية والعملية في البحث والتنقيب في الفضاء.2

صاروخ “ساتورن5” أضخم صاروخ صنعه الإنسان

بقايا الصواريخ.. أكوام من النفايات تهدد محيط الأرض

من أعظم الأمثلة الشاهدة على مدى الكفاءة العلمية والهندسية التي وصل إليها الكائن البشري؛ معجزة صناعة صاروخ “ساتورن 5” (Saturn V) من قبل مهندسي وكالة الفضاء الأمريكية “ناسا”، ويُعد تحفة هندسية بضخامته وارتفاعه الهائل، فعلى الرغم من أنّه قديم نسبيا، فإنه ما زال يتربع على عرش الصواريخ الأضخم حتى هذا اليوم.

وقد صُمم صاروخ “ساتورن 5” لمهمة إرسال رواد فضاء إلى سطح القمر ضمن برنامج “أبولو” وإعادتهم إلى الأرض، وكانت أولى تجارب الصاروخ عام 1967. وبارتفاع 138 قدما وبكتلة 2.8 مليون كيلوجرام استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تصنع وتنتج 13 صاروخا من ذات النوع.يتكون الصاروخ من ثلاث مراحل عند إقلاعه، وفي كلّ مرحلة يتخلص الصاروخ من أحد أجزائه الخلفية الحاملة للوقود، وكل ما يبقى من هذه الكتلة الضخمة في نهاية الأمر بعد المرور بجميع المراحل الثلاثة هو كبسولة “وحدة القيادة” (Command Module) التي يوجد بها رواد الفضاء.

إن كلّ قطعة هندسية عدا تلك الكبسولة يتخلص منها إما داخل الغلاف الجوي بحيث يكون سقوطها في مياه المحيطات، أو خارج الغلاف الجوي في مدار حول الأرض، لتبقى على هذا الحال لسنوات وعقود طويلة. وهذا من شأنه أن يشكل تهديدا حقيقيا على جميع الأجسام الأخرى الموجودة على ارتفاع مشابه.3

وينطبق الأمر نفسه على جميع الصواريخ الأخرى التي تم استهلاكها فيما سبق، ولا يشكل هذا الأمر وحده التهديد الأكبر، بل إن تواجد الأقمار الصناعية سواءً كانت مستهلكة أو ما زالت تعمل في المدار الأرضي المنخفض (low Earth orbit) بحد ذاته يمثل تهديدا، إذ إن 90% من الأقمار الصناعية المرسلة تتواجد في هذا المدار والذي يمتد من 160 إلى 1000 كيلومتر.4

المخلفات الفضائية، مستقبل يهدد ريادة الفضاء

انفجارات الأقمار الصناعية.. مئات الآلاف من المخلفات في السماء

يُقصد بمخلفات الفضاء أو نفايات الفضاء كل جسم أُرسل من الأرض ولم يعد صالحا للاستعمال، وقد تصل حجم النفاية إلى حجم الصواريخ المرمية أثناء عملية الصعود، وقد تكون صغيرة بحجم الأجسام الميكروسكوبية الناتجة من انفجارات الأقمار الصناعية.

وبحكم وجود النسبة الأعلى من الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض، فإن هذا الحيز يحتل المركز الأول بالمخلفات، فهو أشبه بمكبّ للنفايات الفضائية.

وفي عام 2020 استطاعت شبكة مراقبة الفضاء الأمريكية (United States Space Surveillance Network) تحديد 14 ألف قطعة من نفايات الفضاء يزيد حجمها عن 10 سنتميترات، كما أنها قدّرت وجود 200 ألف قطعة يتراوح حجمها بين 1-10 سنتيمرات، ومن الممكن وجود ملايين القطع التي تصغر هذا الحجم منتشرة في المدار.

وعلى الرغم من صغر حجم النفايات نسبيا، فإن ذلك لا يمنعها من أن تشكل تهديدا على كلّ ما تصطدم به بحكم سرعتها العالية، إذ تبلغ متوسط سرعتها 8 كيلومتر في الثانية (27 ألف كيلومتر في الساعة).

مراحل تطور “صاروخ أريان الأوروبي”

“صاروخ أريان الأوروبي”.. اصطدام الفضاء الأول

يقدّر العلماء أن نسبة اصطدام نفاية واحدة من هذه المخلفات بمحطة الفضاء الدولية (ISS) هي 1 من مئة ألف من عدد هذه النفايات، ويعد ذلك أحد الأسباب التي يغير من أجلها مدار محطة الفضاء الدولية، لترفع إلى مدار أعلى بين الفينة والأخرى، من أجل تجنب وقوع أي اصطدام، لكن الأمور ليست دوما بهذه السلاسة.

ففي 24 يوليو/تموز 1996 وقع أول اصطدام بين إحدى مخلفات “صاروخ أريان الأوروبي” (European Ariane Rocket) مع قمر صناعي فرنسي يُدعى “سيريز” (Cerise)، وعلى الرغم من وقوع الضرر فإن القمر الصناعي بالكامل لم يتعطل.

لكن في عام 2009، في العاشر من فبراير/شباط وقعت حادثة مشابهة بين القمر الصناعي “إريديوم 33” (Iridium 33) وقمر الاتصلات العسكري الروسي “كوزموس 2251” (Cosmos 2251) على ارتفاع 760 كيلومتر شمال سيبريا، ونتج عن ذلك الاصطدام تحطم القمرين الصناعيين كليهما.

وتسجل الصين أسوأ حادثة في هذا الصدد، إذ قام الجيش الصيني بتجربة استخدام نظام سلاح مضاد للأقمار الصناعية على قمرها الصناعي “فينغيون-1س” (Fengyun-1C) في عام 2007، مسببة بذلك تفتيت القمر الصناعي إلى أكثر من 3000 قطعة، أي ما يعادل 20% من مجموع نفايات الفضاء وكذا فعلت أمريكا مع قمرها الصناعي العسكري الذي فشل في مداره وكاد أن يسقط سنة 2008، حيث دمرته بصاروخ باليستي أطلقته البحرية الأمريكية.5

متلازمة كيسلر: ستصل الأجسام في مدار الأرض إلى نقطة حرجة تبدأ الأجسام والأقمار الصناعية بعدها بالتصادم

“متلازمة كيسلر”.. أخطار فوضى النشاط الفضائي المنخفض

في عام 1978 لاحظ “دونالد كيسلر” عالم “ناسا” ارتفاع النشاط الفضائي على نحو متسارع في المدار الأرضي المنخفض، مما دفعه إلى وضع نظريته التي أطلق عليها “متلازمة كيسلر” (Kessler Syndrome) متناولا الضرر الناجم من النشاط البشري غير المقيّد.

وضع “كيسلر” سيناريو للمستقبل، وافترض به تضاعفا لأعداد الأقمار الصناعية، مشيرا إلى أنّه في نقطة ما سيكون المدار مكتظا بالأجسام، فيتسبب بسلسلة من الأحداث التي تمنعنا من مغادرة الأرض. ويقصد بتلك السلسلة من الأحداث أننا إذا واصلنا إرسال الأقمار الصناعية إلى الفضاء دون خطة مدروسة لإعادتها إلى الأرض، فسوف تصل الكتلة الموجودة في مدار الأرض المنخفض إلى نقطة حرجة، وتبدأ الأجسام والأقمار الصناعية بالاصطدام معا.

كل اصطدام يقع في الفضاء الخارجي سينتج عنه مزيد من الأجسام السابحة في الفضاء، وبالتالي سيحدث مزيد من الاصطدامات، ثم مزيد من الأجسام.. وهكذا تتشكل سلسلة من الأحداث لن تتوقف، فيصبح مغادرة الأرض أمرا مستحيلا يصعب تحقيقه دون التعرض للمخاطر.6

ومع ازدياد النشاط الفضائي اليوم بدخول الشركات الخاصة والسياحية، فإننا سنشهد حالة استثنائية من تنامي المخاطر التي ستواجه كل من يعمل في هذا القطاع. لكن لابد من أخبار إيجابية تلوح في الأفق، لاسيما أن هذا الحيز لا يعني عصبة من الدولة دون غيرها، وإنما يتعلق بالبشرية جمعاء. لذا تعمل شركات متخصصة اليوم على معالجة الأمر بطرح عدة حلول، كإرسال مركبة فضائية تقوم بعملية “شفط” للنفايات، ثمّ يترك الأمر لغلاف الأرض الجوي للقيام بعملية تفتيتها وحرقها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.