الواقع العربي

التخوينُ الشائع في الثورة.. شجاعةٌ أم تشبيحٌ؟

هيومن فويس: د. عبد المنعم زين الدين

بعد دخول الثورة السورية عامها السادس، وبعد أن كان وصف الخيانة مقتصرًا على العصابة الأسدية التي تقتل الشعب السوري الثائر -الذي هتف ضدها قائلًا: “يللي بيقتل شعبه خاين”- صار إلصاق وصف الخيانة بكل شرائح الثورة والمعارضة هو السِّمة العامة لمنشورات المحسوبين على الثورة، ناهيك عن شبيحة النظام وأتباعه.

تخوينٌ بلا دليل

وعلى الرغم من أن الخيانة جريمة عظمى في الشرائع والقوانين، تهتز لها أركان الدول، وتُستباح بها الدماء والأموال، إلا أنها في العُرف الشائع الآن، أسهل مهمة يقوم بها من يريد الطعن بغيره، دون أن يُطلب منه دليل أو برهان، فيكفي أن يختار المخوّن أيّ شخصية معارضة أو فصيل ثوري ثم يلصق بهم تهمة الخيانة، وسيجد آلافًا من المصفقين والمؤيدين، الجاهزين للبصم له على بياضٍ، دون أيّ استفسار أو طلب برهان.

تعميمٌ في التخوين: “ولا أستثني منهم أحدًا”

ومع أن قاعدة التعميم قاعدة مغلوطة خاطئة، تجمع الجهل والظلم، فإن محترفي فن التخوين يؤكدون كلامهم بعبارة: “ولا أستثني منهم أحدًا”؛ وذلك تحرُّزًا من أن ينجو أيُّ فردٍ شريف في فصيل أو حزب أو تيار من تهمة التخوين.

خوّنْ أكثر تكسبْ جمهورًا أوسع

عند التراجع الميدانيّ، وتعذُّر الانتصارات، تحتبسُ أنفاس المتعبين من الهموم، وتغصُّ القلوب حسرةً وألمًا، وتصبحُ الأجواء مناسبة تمامًا لأصحاب التخوين، كي يمارسوا هوايتهم بفعالية تامّة، مستغلين إحباط الناس ومأساتهم، وقابليتهم لتصديق ما لا يمكن أن يصدّقوه في الأحوال العادية، فيتصدروا للمتاجرة بمعاناة الناس، بقذف الاتهامات يمنة ويسرة، وكلما زادوا في مساحة التخوين كلما كسبوا مزيدًا من الجماهير.

المخوِّن بطلٌ قوميٌّ

ولأنَّ خير وسيلة للدفاع الهجوم، فقد وجد كثير ممن يستحقون المساءلة والمحاسبة والمحاكمة، أن أفضل وسيلة لإبعاد التُّهمة عنهم هي أن يبادروا بتخوين غيرهم، فيحصلوا على البراءة، ويكسبوا ما فوقها وهو وصف الشجاعة بقول كلمة الحق دون خوف أو وَجل.

وأذكرُ أنني في إحدى حلقات الاتجاه المعاكس الذي يُبث على قناة الجزيرة الفضائية، دافعتُ عن الفصائل، فلم يَرق ذلك لجوقة المخوّنين، واعتبروا أن الشجاعة الحقيقية أن أشتم الفصائل وأخوّنهم، أمام خصمي من ممثلي النظام وأعوانه، وهذا ما فعلوه مع أحد الضيوف سابقًا؛ حيث صفقوا له طويلًا وهو يتّهم ويشتم ويخوّن يمنة ويسرة، فلا يترك فصيلًا ولا معارضًا إلا وخوّنه.

نخوّن البعيد ونصفّق للقريب

وبما أن كل بقعة جغرافية مُحَرَّرة لها وضعها الخاص بها، من حيث سيطرة بعض الفصائل ونفوذها، فإن بوصلة التخوين تتجه للفصائل البعيدة، والتصفيق والنفاق يكون للفصائل المسيطرة المتحكمة، فذلك أسلم للمخوّن، وللداخل أن يخوّن من في الخارج، والعكس كذلك، فهو الأسلم، ولمن في لندن مثلًا، أن يحطّم الرقم القياسي في بطولة تخوين الفصائل والمعارضة؛ حيث الحريةُ في ذلك متاحة له دون حساب أو عقاب.

بشار وداعش براءة

بعض غرف التواصل المحسوبة على الثورة تضج بالتخوين لدرجة مذهلة، تجعلك تظن أنك في غرفة شبيحة، فالسياسيون المعارضون في نظرهم كلهم خونة، والمفاوضات كلها خيانة وتحت أيّ شكل كان، ودرع الفرات خونة، والجيش الحر خونة، والأحرار وجيش الإسلام خونة، وتركيا وقطر خونة، و..و… فقلت عجبًا، لم يبقَ إلا أن يُكتب في الغرفة: “بشار وداعش براءة، بالروح بالدم نفديك يا بشار”.

باعوا حلب… وحمص.. وقبضوا ثمنهما

من المفردات الخطيرة التي دخلت ثورتنا، هي تُهمة البيع للبلدات التي يخسرها الثوار، وكأن الفصائل قد اجتمعت على طاولة واحدة، واتفقت على خيانة البيع بسرية وكتمان، ووقّعت العقد ثم سلمت هذه المنطقة أو تلك للنظام، مع أن الواقع يكذّب ذلك، فما من منطقة خسرها الثوار إلا وقدموا فيها مئات الشهداء، والخسارة لها أسباب كثيرة، منها الضعف، وقلة الصبر، والحصار، وشدة المعاناة، وضعف التحصين، وقلة التدريب، وفشل التخطيط، وفقدان عناصر النخبة، واختراق خطوط الدفاع، وشدة بطش العدو، وغير ذلك من الأسباب، بحيث لا يشترط أن يكون وراء كل خسارة ميدانية خيانة.

تخوينٌ لدرجة التناقض (مثالٌ حيٌّ)

وكمثالٍ على موجة التخوين المتضاربة الهوجاء، والتي استثمر فيها كلٌّ في خصومه كما يريد، ما حصل من خسارة الثوار في مدينة حلب مؤخرًا؛ حيث راح كل فريق يلقي باللوم والخيانة على غيره، وكان ذلك فرصة لا يمكن تفويتها لمحترفي فن التخوين، لدرجةٍ أوقعتهم في التناقض دون أن يبالوا بذلك.

ففريقٌ راح يخوّن تركيا على أنها باعت حلب، وفي ذات الوقت يخوّن الفصائل التي تركتْ أكوام السلاح والذخيرة مكدّسة قبل انسحابها من أحياء حلب، ما ينفي عن تركيا تهمة خذلان الثوار ومنع الذخيرة.

وفريقٌ راح يشتم فصائل درع الفرات على أنهم قد تسببوا بتقليل أعداد الثوار المدافعين عن حلب، وفي ذات الوقت راح يخوّن الفصائل في حلب بوصفهم يمتلكون آلافًا مؤلفة من الأعداد البشرية، والتي لو قاومت لردّت العدو سنوات.

وفريقٌ راح يخصّ بالخيانة فصائل الجيش الحر، ثم في ذات الوقت يقول: إنه لا وجود لها في حلب، ثم ينادي بسحب سلاحها متهمًا إياها بمنع السلاح عن غيرها، ثم يعود فيعترف أن الفصائل لم يكن ينقصها السلاح.

وفريقٌ من داخل حلب راح يخوّن جيش الفتح خارجها، على أنه باع حلب، وقبض ثمنها، وتركها دون كسر حصار، فيما عناصر من جيش الفتح راحوا يخوّنون فصائل حلب على أنها جالسة تنتظر دون أن تفعل شيئًا، فيما فريقٌ من غير حاملي السلاح راح يخوّن الطرفين معًا، فيما الطرفان أيضًا راحوا يخوّنون هؤلاء على أنهم -وبعد كل التضحيات- انحازوا إلى أماكن النظام، غير مبالين بثورة ولا ثوار، وظهر لديهم أنهم لا يستحقون ما تم تقديمه من تضحيات.

الشبيحة دخلوا على خطّ التخوين

ما كان لشبيحة النظام المجرم، وجيشه الإلكتروني أن يتخلفوا عن فرصةٍ كهذه، كانوا ينتظرونها بفارغ الصبر؛ لذا فقد انخرطوا بشدة في حملة التخوين هذه، دون أن يتميزوا عن غيرهم، فهم ليسوا مطالبين باستخدام أسمائهم الحقيقية ولا بإبراز الدليل على كلامهم، ما جعلك تقرأ آلاف التعليقات المخوّنة على منشور أو مقال ثوريّ، لا تدري أيّ المعلقين هو محسوب على الثورة، ينتقد بحرقة قلب، ممن هو شبيح مجرم يتلذذ بأداء مهمته في تشويه صورة الثورة والثوار.

النظام المجرم هو المستفيد الأكبر من حملة التخوين هذه

ما كان النظام وشبيحته ليحلموا بشيء كحلمهم بذلك اليوم الذي يُخوَّن فيه الثوار من قِبل أبناء جلدتهم، على حساب نسيان جرائم النظام وشبيحته؛ لذا فقد طارت صفحات النظام المؤيدة فرحًا بكلام المخونين، وراحت تروّج لهم، وتجعل من كلامهم حجة على كلامها.

وفي ذات الوقت أضعفت موجة التخوين هذه من هيبة الثورة والثوار في أعين الناس، وصار بعض الثوار يشعر بالخجل أمام حاضنته، وكأنه متهم بالخيانة، ما جعل الثوار يعانون من صعوبة النهوض من جديد عقب كل خسارة، فلو أن الخسارة ناتجة عن ضعف وتقصير فالشعب يسامح، والخسارة واردة، أما تثبيت الخسارة على أنها خيانة، فذاك أمرٌ يحبط معنويات الثوار قبل غيرهم، ويجعلهم يفقدون الثقة بأية معركة جديدة، ووهمُ الخيانة وشبحُها يرافق مخيلتهم.

ليس النظام المجرم فقط هو المستفيد بل الخونةُ أنفسُهم

إن أقصى ما يتمناه الخائن الحقيقي، هو أن تنصرف الأذهان عنه، ويضيع اسمه بين آلاف المتهَمين بالخيانة، ومن وسائل صرف الأذهان عن الخائن الحقيقي أن يتم اعتبار الجميع خونة، فيستوي الشريف والخائن، وتموت فرصة المحاسبة للخونة الحقيقيين.

لذا فإن مَن يعمم التخوين على الجميع فإنه يقدّم أكبر خدمة للخائن الحقيقي؛ حيث يصرف الأذهان ويشتتها عن ملاحقته، لكثرة أعداد المتهمين بالخيانة.

إذن.. هل نتوقف عن اتهام الخائن بالخيانة؟

على العكس تمامًا، فلم نقم بالثورة كي نرقّع للمجرمين، ونسكت عن الخونة، بل إننا نريد للخائن أن يُحاسَب ويُحاكم ويلقى جزاءه وعقابه الذي يستحق، خاصة في الأمور التي تتسبب بإراقة الدماء، وخسارة التضحيات، وزيادة معاناة شعبنا، وإننا نتمنى أن يأتي ذلك اليوم الذي نرى فيه كل الخونة يُحَاكَمون ويُحَاسَبون دون رحمة أو شفقة، سواء أكانوا قادة في الفصائل أو في المعارضة أو من عامة الناس.

وكي نستطيع أن نحاسِب الخائن الحقيقي، لا بد أن نحصر اتهامنا بالخائن دون غيره، وأهم شروط الاتهام الصحيح أن نقدّمَ دليلًا حقيقيًّا واضحًا ضدّ من نتهمه بالخيانة، حتى لا يصبح التخوين على لسان الجميع، ويطال الشريف مع الخائن، وتستغل فيه النكايات والثارات والحسد والغيرة.

ثم أن نتقدم بهذه الأدلة إلى محكمة مستقلة، وقضاء عادل محايد، وإذا لم تكن هذه المحكمة مُشَكَّلة بعدُ، فلا بد من تشكيلها، وريثما يتمّ ذلك فلتُجمع الأدلة، ولتُطرح على الملأ ولتوثّق بالصور والبيّنات والشهود العدول، وليس بالمنشورات الإنشائية التي تتحدث عن بيع وشراء، وإثراء ونحو ذلك دون بينة أو دليل.

 المصدر: موقع الدرر الشامية

جميع الآراء تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيومن فويس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *