ميديا

صوت المظلومين وأعقل المجانين واعظ الرشيد هل كان شخصية حقيقية؟..(فيديو)

هيومن فويس

صوت المظلومين وأعقل المجانين واعظ الرشيد هل كان شخصية حقيقية؟

بهلول هو أبو وهب بهلول بن عمرو الصيرفي الهاشمي العباسي الكوفي (ت. 190 هـ/807م)، ولد بالكوفة في العراق. كان شاعرًا حكيمًا، وكاملًا في فنون الحكم والمعارف والآداب في زمن هارون الرشيد.

تظاهر بالجنون لكي يتخلّص من متابعة الخلفاء العباسيين له بسبب تشيعه. فتصرّف تصرّف المجانين، وأظهر الهذيان والسفاهة، وبذلك -عن طريق البلاهة والسفاهة- تمكّن من تمرير آرائه السياسية دون أن يصيبه الأذى، فاشتهر بالمجنون خلافًا لما كان عليه.
مواقفه مع هارون الرشيد

خرج الرشيد إلى الحج، فلما كان بظاهر الكوفة إذ رأى بهلولاً المجنون وخلفه الصبيان، وهو يعدو فقال من هذا؟، قالوا بهلول المجنون، قال: كنت أشتهي أن أراه فأتوا به من غير ترويع، فقالوا له أجب أمير المؤمنين، فلماء جاء، قال الرشيد: السلام عليك يا بهلول، فقال وعليك السلام يا أمير المؤمنين

قال كنت إليك بالأشواق، قال لكني لم أشتق إليك، قال: عظني يا بهلول، قال وبم أعظك هذه قصورهم وهذه قبورهم، قال زدني فقد أحسنت.

قال: يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالاً وجمالاً، فعف في جماله وواسى في ماله كتب، في ديوان الأبرار، فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال: لا يا أمير المؤمنين لا يقضى الدين بدين، أردد الحق على أهله واقض دين نفسك من نفسك، قال فإنا قد أمرنا أن يجري عليك، فقال يا أمير المؤمنين أترى الله يعطيك وينساني؟ ثم ولى هاربًا.

وقيل إنه: قال للرشيد يا أمير المؤمنين، فكيف لو أقامك الله بين يديه، فسألك عن النقير والفتيل والقطمير، قال فخنقته العبرة فقال الحاجب حسبك يا بهلول قد أوجعت أمير المؤمنين، فقال الرشيد دعه، فقال بهلول إنما أفسده أنت وأمثالك.

وروي بعض الكوفيين: حج الرشيد فذكر بهلولاً حين دخل الكوفة فأمر بإحضاره، وقال ألبسوه يليق بمقابلة أمير المؤمنين، وأوقفوه في مكان كذا ففعلوا به ذلك، وقالوا إذا جاء أمير المؤمنين فادع له، فلما حاذاه الرشيد رفع رأسه إليه، وقال يا أمير المؤمنين اسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك من فضله، فضحك الرشيد وقال: آمين.

فلما جازه الرشيد دفعه صاحب الكوفة في قفاه وقال أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون، قال بهلول: اسكت ويلك يا مجنون، فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم، فبلغ ذلك الرشيد فضحك، وقال والله ما كذب.

نوادر بهلول:

دخل ذات مرة بعض المقابر وقد دلى رجله في قبر وهو يلعب في التراب، فقلت له ما تصنع ها هنا؟ فقال أجالس أقوامًا لا يؤذونني وإن غبت عنهم لا يغتابونني، فقلت قد غلا السعر فهلا تدعو الله فيكشف، فقال والله لا أبالي ولو حبة بدينار، إن الله تعالى أخذ علينا أن نعبده كما أمرنا وعليه أن يرزقنا كما وعدنا، ثم صفق بيديه.

وقال عبد الرحمن الكوفي: لقيني بهلول المجنون فقال لي أسألك، قلت اسأل، قال أي شيء السخاء قلت البذل والعطاء، قال هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين؟

قلت المسارعة إلى طاعة الله، قال أفيريدون منه الجزاء؟ قلت نعم بالواحد عشرة، قال ليس هذا سخاء هذه متاجرة ومرابحة، قلت فما هو عندك؟ قال لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئًا بشيء.

ومرّ رجل ببهلول، وإذا بصبيان كبار فجعلوا يضربونه فدنوت منه فقلت لم لا تشكوهم لآبائهم؟ فقال لي اسكت فلعلي إذا مت يذكرون هذا الفرح فيقولون رحم الله ذلك المجنون.

وقال آخر: لقيت بهلولاً يوماً فقال لي أنت الذي يزعم أهل الكوفة أنك تشتم أبا بكر وعمر؟ فقلت معاذ الله أن أكون من الجاهلين، قال إياك يا صباح، فإنهما جبلا الإسلام وكهفاه ومصباحا الجنة وحبيبا محمد صلى الله عليه وسلم وضجيعاه وشيخا المهاجرين وسيداهم، ثم قال: جعلنا الله من الذين على الأرائك يسمعون كلام الله إذا وفد القوم إلى سيدهم.

قال بعض أهل الكوفة: ولد لبعض أمراء الكوفة ابنة، فساءه ذلك فاحتجب، وامتنع من الطعام والشراب فأتى بهلول حاجبه فقال إئذن لي على الأمير، هذا وقت دخولي عليه، فلما وقف بين يديه قال: أيها الأمير ما هذا الحزن، أجزعت لذات سوى هيأته رب العالمين، أيسرك أن لك مكانها ابنًا مثلي؟ قال: ويحك فرجت عني فدعا بالطعام وأذن للناس.

وحمل الصبيان يومًا على بهلول، فانهزم منهم فدخل دار بعض القرشيين ورد الباب، فخرج صاحب الدار فأحضر له طبقًا فيه طعام فجعل يأكل ويقول فضرب لهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

وكتب بهلول إلى ابن أبي دؤاد: أما بعد فإنك قد ميزت كلام الله من الله وزعمت أنه مخلوق، فإن يك ما ذكرت باطلاً فرماك الله بقارعة من عنده، ويلك أكنت معه حين كلم موسى، فإن كنت رادًا عليه فاقرأ: عليها غبرة ترهقها فترة أولئك هم الكفرة الفجرةـ ثم كتب عنوانه من الصادق المتواضع إلى الكاذب المتجبر.

مرت زبيدة زوجة هارون الرشيد ببهلول وهو يلعب مع الصبيان ويخط الأرض بأصبعه, فما رأت ذلك زبيدة تألمت فيما يصنع ثم قالت له (( ماذا تفعل؟ ))

قال البهلول للصبيان وهو يخط بتراب الأرض بأصبعه ((لا تهدموا البيت الذي بنيته))

ثم ألتفت الى زبيدة وقال((أما ترين أني مشغول ببناء بيت؟))

أرادت زبيدة مساعدة بهلول الأأنها كانت تعلم أنه يرفض ذلك تألمت قليلا ثم قالت ((أراك تبني بيتا جميلا يليق بالعضماء وها أنا أرغب بشرائه منك))

اجابها بهلول وهو منكس راسه الى الأرض يخط على ترابها بأصبعه ((هذا البيت؟ نعم أبعه اياك))

نظرت زبيدة الى الخطوط المعوجة التي رسمها بهلول على الارض وقالت ((أشتريت منك هذا الدار فكم ثمنه؟))

قام بهلول على قدميه وأشار بيده على الصبيان وقال ((بألف دينار لي ولهؤلاء الذين أعانوني على البناء))

أشارت زبيدة الى خدمها وقالت (( أعطه الف دينار)) ثم أنصرفت عنه.

اخذ بهلول النقود وقسمها بين الفقراء.

مضت الأيام وذات ليله رأى هارون في المنام أمرا عجيبا رأى كأنه يساق الى الجنه فلما بلغ أبوابها قيل له هذا قصر زوجتك زبيدة فلما اراد الدخول منعوه من ذلك.

وفي الصباح التالي قص هارون رؤياه على علماء قصره فقالوا ((سل زبيده على ما فعلت من بر))
فلما سالها أخذت تفكر في العمل الذي أستحقت من أجله قصرا في الجنه فلم تتذكر سوى أنها أعطت لبهلول الف دينار وصت خبرها بذلك على هارون.
أدرك هارون ضرورة البحث عن بهلول ليشتري منه البيت الذي ليس له في هذه الدنيا قرار لكنه يكون في الأخره قصرا مشيدا فأين بهلول؟

فوجده في مكان ما يخط بالتراب مع صبيان الحاره

قال بهلول وحاول عدم الأكتراث ((أرى أقرب اقربائي يلعب مع الصبيان ويعبث بأصبعه على التراب))

أجابه بهلول ((نحن نتمتع بما رزقنا الله في هذه الدنيا وها انت ترى اني مشغول ببناء بيت على ارض الله لكي ابعه)).

قال هارون ((ليس قصور الملوك كالبيوت التي انت مشغول ببنائها الا اني مع ذلك اود شراء احدها))

نظر بهلول لهارون نظرة تأمل ثم هزأ منه ضاحكا وقال (( ثمن هذا الدار باهض جدا))

قال هارون وهو يتظاهر بعدم المبالات((كل ما تعلقت به رغبتنا لا يصعب علينا حصوله وأن كان ثمنه باهضا))

ذكر بهلو الأاف الأكياس والبساتين والأموال الطائله قيمه لتلك الدار.

سكت هارون والغضب أستولى عليه لأن ما طلب بهلول ليس بالشيء القليل فأنه لو جمع ثروات الأغنياء كلها لما بلغت سعر هذا البيت.

أراد هارون أن يعرف اللغز وراء كلام بهلول زما يريد من ورائه ولذا قال لبهلول(( لقد بعت مثل هذا الدار لزبيدة أقل من ذلك بكثير فقد بعتها بألف دينار ولما أردت شراءها منك أراك تقول قولا شططا!!))

نهض بهلول من الارض وبعثر ما كان قد رسمه على الارض بأطراف أصابع قدمه, وقال ((ليعلم الخليفة ان بينه وبين زوجته زبيدة فرقا شاسعا, فان زبيدة أشترت وهي لم تر وانت رأيت وتريد أن تشتري)) ثم عاد مرة أخرى ليلعب مع الصبيان.

وفي يوم من الأيام مر عليه هارون الرشيد وهو جالس على إحدى المقابر.. فخاطبه هارون معنفاً: يا بهلول يا مجنون، متى تعقل؟. فركض بهلول وصعد إلى أعلى شجرة، ثم نادى على هارون بأعلى صوته: ياهارون يا مجنون، متى تعقل؟. فأتى هارون تحت الشجرة وهو على صهوة حصانه وخاطب بهلول وقال له: أنا المجنون أم أنت الذي يجلس على المقابر؟. فرد عليه بهلول: بل أنا عاقل!!. الحوار ممتد ولم ينقطع، فقال هارون: وكيف ذلك؟. أجاب بهلول: لأني عرفت أن هذا زائل (وأشار إلى قصر هارون) وأن هذا باقِ (وأشار إلى القبر)

فعمرت هذا قبل هذا، وأما أنت فإنك قد عمرت هذا (يقصد قصره)، وخربت هذا (يعنى القبر).. فتكره أن تنتقل من العمران إلى الخراب مع أنك تعلم أنه مصيرك لا محال!! وأردف بهلول قائلا: فقل لي أيُّنا المجنون؟؟..

فرجف قلب هارون الرشيد وبكى حتى بلل لحيته.. وقال: «والله إنك لصادق»، ثم استطرد هارون الرشيد قائلاً: زدني يا بهلول.. فرد بهلول: «يكفيك كتاب الله فالزمه». ولما شعر هارون بأن بهلول نصحه نصيحة عظيمة فاراد ان يمنحه هو الاخر هدية مماثلة فسأله: «ألك حاجة فأقضيها؟» فرد بهلول: نعم ثلاث حاجات، إن قضيتها شكرتك.. فقال هارون: إذن فاطلبها..

فرد بهلول: أن تزيد في عمري!! فأجاب هارون بعدما اصابته الدهشة من هول الطلب: «لا أقدر». واستطرد بهلول ليكمل سؤاله أو طلبه الثاني: أن تحميني من ملك الموت!! فرد هارون بنفس الاجابة الأولى: لا أقدر.. فسأله بهلول طلبه الأخير: أن تدخلني الجنة وتبعدني عن النار!!.. فكان رد هارون مماثلا على السؤالين الأول والثاني: لا أقدر.. وهنا اختتم بهلول الحوار

قائلا: «فاعلم ايها الخليفة انك مملوك ولست ملك، ولا حاجة لي عندك». الخليفة هارون الرشيد رغم جاهه لم يستطع اجابة طلبات بهلول الذي ادرك فوائد وآثار تعظيم الآخرة في القلوب، والشوق الى لقاء الله والحنين الى دار القرار حيث النعيم الدائم الذي لا يشوبه نصب ولا تعب ولا غم ولا حزن. فالحزن ليس على ما فات في الدنيا، وإنما يكون على فوات الأعمال الصالحة

ومن الدعاء المأثور «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا». وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:» ما أصابتني مصيبة إلا حمدت الله على أنها لم تكن في ديني». فقد علم بهلول الذي استضعفه هارون الرشيد ان عرض الدنيا زائل، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، كما علم بهلول الضعيف ان الدهر يومان

يوم لك ويوم عليك، فاذا كان لك فلا تبطر، واذا كان عليك فلا تضجر. ورأينا بهلولا من أولئك الناس الذين يدركون حق الآخرة، بعكس البعض الذين لا يفكرون فيها، وللأسف لا يفكرون الا في الدنيا الزائلة، فهؤلاء يعيشون في الدنيا عيش الدواب يعملون نهارهم وينامون ليلهم

ويأكلون كما تأكل الأنعام. فما استفادوا من دنيا، ولا استعدوا لآخرة. ونأتي للأسوأ، وأولئك الذين يقضون اعمارهم في خدمة الآخرين الذين يستعبدونهم لقاء أجر دنيوي، ربما يكون الوعد بمنصب او جاه او حفنة من الدارهم، وقد رأينا كيف البعض منا يبيع وطنه نظير خدمة الغريب الذي يستغله ويوهمه بانه سيحظى بالجاه اذا نجح في التآمر على بلده وناسه وعشيرته

وأهله. وهؤلاء هم أشر الناس، حيث شغلوا عمرهم في خدمة، فأضاعوا دنياهم وآخرتهم. وفي هؤلاء قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، عبد أذهب آخرته بدنيا غيره). والحال هكذا، رأينا الغني يغتر بماله

والذي يعتقد إنه قوي يغتر بقوته، ومن يتوهم أن الغير سينفعه حتى لو كان هذا (الغير) أجنبي، يسعى الى حرق وطنه، مرة بالمظاهرات واخرى بالادعاء بانه مضطهد وهكذا. وهؤلاء لم يقرأون الآية الكريمة: ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة

وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً، وفي الآخرة عذاب شديد)، وانه إذا مات ابن آدم يتبعه ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى واحد معه، سـيرجع أهله وماله ولا يبقى إلا عمله. فالإنسان لن يجد سوى ما قدم، فاذا أفنى حياته في الملذات ثم أقدم على الله فلم يجد أمامه شيئا، لم يجد إلا ما قدم من سوء

فهو لم يكن يوما مع الله، لم يكن يحض على طعام المسكين (ومن لا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم). إن ديننا الحنيف يحثنا جميعا، فقراء وأغنياء، أصحاب سلطان ومال ومنصب وجاه، أو أصحاب أولاد وقوة، ان نجعل ما آتانا به الله من نعم في صحيفة أعمالنا في الآخرة

وان نجعل كل نعمة أنعمها الله علينا رصيدا له في بنك الرحمن لأن الجاه سيزول وكذلك المنصب والغنى والمال والاولاد والسلطان، ولن ينفعنا سوى الصالح من اعمالنا.

وإذا كان حديث بهلول وهارون الرشيد من العصر العباسي، فلدينا سلفنا الصالح، حيث نقرأ بيت الشعر: انظر لمن ملك الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن على المجلس الخاص للمغفور به بإذن الله تعالى صاحب السمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة امير البحرين الراحل رحمة الله وأسكنه فسيح جناته

هذا الأمير الذي تميز بالطيبة والكرم والخلق الرفيع وحب الناس. وهذا البيت الرائع يتعجب من حال بعض البشر عندما يأخذهم الغرور والكبرياء وخصام بعضهم البعض، إما لمنازعة على إرث أوغضب أو حسد او غيره، متناسين أن الدنيا هم زائل. ويخاطب بيت الشعر أولئك الذين يكون همهم جمع المال، وهم لا يدركون أن هذه الثروة ستبعدهم عن نعيم الآخرة، فكفانا الله شر الحقد والحسد والغيرة وهم جمع المال. فالآخرة ساحل، والمركب هو التقوى، والناس على سفر

فلنجعل التقوى زادنا في سفرنا في رحلتنا الى الآخرة. وعودة الى قصة بهلول والرشيد ندرك ان بهلول اراد ان يبلغ هارون الرشيد بأن يجعل الدنيا في يده، لا أن يجعلها في قلبه، لأنها إذا دخلت على القلب أسرته، وأما إذا كانت في اليد فإن الإنسـان يستطيع أن يتحكم بها كيف يشاء. كما أن بهلولا لقن الخليفة درسا رائعا في حب الآخرة عملا بقول الله تعالي (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة)

 

فاللهم اجعل أعمالنا الصالحة تسبقنا إلى الآخرة، واجعلنا من الذين يقدّمون لأنفسهم ولآخرتهم خيرا يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والحمد لله رب العالمين. لقد بكى هارون الرشيد من حكمة ومواعظ بهلول، فمتي نبكي نحن من حالنا؟.. ونفيق لآخرتنا ونعمل لها؟

وفي بعض الروايات ثمة زعم بأنه من أقارب الرشيد، بل أنه ابن عم له، لكن لأنه فقد عقله أو أصابه شيء من الخبل فقد ابتعد عن دوره الذي كان يمكن أن يكون رفيعًا في البلاط.

والبعض يزعم أن جنونه كان نوعًا من الادعاء الذي كان يداري به تخوف آل الرشيد منه أو تخوفه منهم، بحيث أن ذكاءه وحنكته كانت سببًا يدعى للمخافة منه إذا كان بهذا موهوبًا في الحنكة.

وقيل أيضا أن الخليفة رأى علمه فكلفه بتولي القضاء لتمرير مهام بعينها عبره، وهو لا يريد ذلك، فأدعى الخبل لكي يخارج نفسه من هذه المهمة، بحيث لا يكون مسؤولًا عن أحكام يصدرها ليس له قناعة بها.
الصورة الأخرى

هناك صورة مغايرة ترسم بهلول على أنه عالم وفقيه كان من رواة الأحاديث، بل كان له معرفة عميقة بالدين والشرائع ومجادلات مع فقهاء عصره مثل أبي حنيفة.

بالإضافة إلى ذلك فقد كان يتمتع بسلامة اللغة وجزالتها وهو ما انعكس حتمًا في بناء حكمه وطرائفه التي اشتهر بها، وقد يكون هذا الجانب واقعيًا بعض الشيء.

لكن يخمن بأن الخلافات السياسية في عصره وكالعادة كانت من الأسباب التي رسمت لشخصيته مسارات غير المعهود، بحيث أن حكمته وتفرد وعيه قاده لأن يلعب دور المهرج بدلًا من أن يكون ذلك الشخص الرائد في التنوير.

كذلك قد يكون الواقع السياسي له دور أيضًا في أن يعاد إنتاج بهلول، بتصورات عديدة، أفقدته الاتزان وشكلت الشخصية العميقة التي قد تكون هي الحقيقة المفقودة.
بين اللغة والحقيقة
يرجح أن اسم بهلول، كان صفة أطلقت عليه وليس اسمه الحقيقي، لأن كلمة بُهلول، وحسب المعاجم العربية – جمعها

بهاليلُ – وهي تعني السيد الجامع لصفات الخير، المَرِحُ الضحّاك أو الرجل كثير الضحك.
لكنها للمفارقة أيضًا قد تعني، المعتوه والأحمق والمجنون والمهرج.

فالاسم يدل على صفات هذه الشخصية المعقدة، التي لابد أنها وظفت ذخيرتها العلمية والمعرفية والفقهية في أن تعيش هذا الدور، بحيث يصعب الوصول إلى تحديد الهوية الأصلية وراء من هو بهلول في واقعه الافتراضي، الذي يظن بأنه عاشه، أو فيما رسم عنه لاحقًا.

وقد صوّرته الدراما الحديثة على أنه ذكي وعارف، يأخذ من معارفه ليصل إلى أهدافه بشيء من الحيلة، فـ “البهللة” عنده كانت تقوم على المزاح القائم على العلم الذي يحقق المراد، مع مزيج من البلاهة المدعاة.
غير أن بعض الدراما ربما وقعت في إعطائه صورة أكثر من اللازم، في أنه استخدم ذكائه وحيلته في الحصول على مآربه، وهذا قد يخالف صورته الشائعة.
وضعيته في التراث

ورد بهلول في العديد من كتب التراث، وقد عرف ببهلول المجنون عند الذهبي، في كتابه “تاريخ الإسلام” إذ يقول عنه: “وسوس في عقله، وما أظنه اختلط أو قد كان يصحو في وقت، فهو معدود في عقلاء المجانين، له كلام حسن وحكايات”.
ويروي الذهبي كذلك أن هارون الرشيد مرّ به، فقام بهلول، وناداه ووعظه، فأمر له الخليفة العباسي بالمال، قائلًا: ما كنت لأسوِّد وجه الموعظة.

وقد أتى النيسابوري على ذكره في مؤلفه “عقلاء المجانين”، وذلك في قصة جمعته مع هارون الرشيد أيضًا في طريقه إلى الحج

وقال: خرج #الرشيد إلى الحج فلما كان بظاهر الكوفة إذ بَصُر بهلولًا المجنون وخلفه الصبيان وهو يعدو، فقال: من هذا؟! قالوا: #بهلول_المجنون، قال: كنت أشتهي أن أراه، فأدْعُوه من غير ترويع، فقالوا: له أجب أمير المؤمنين، فلم يستجب!
فقال الرشيد: السلام عليك يا بهلول، فقال: وعليك السلام يا أمير المؤمنين. قال: كنت إليك بالأشواق، قال بهلول: لكني لم أشتق إليك!

قال: عظني يا بهلول، قال: وبمَ أعِظُك؟! هذه قصورهم وهذه قبورهم!! قال: زدني فقد أحسنت، قال: يا أمير المؤمنين من رزقه الله مالًا وجمالًا فعف في جماله وواسى في ماله كتب في ديوان الأبرار.

فظن الرشيد أنه يريد شيئًا، فقال: قد أمرنا لك أن تقضي دينك، فقال: لا يا أمير المؤمنين لا يُقضى الدين بدين؛ أردد الحقَّ على أهله، واقض دين نفسك من نفسك! قال: فإنا قد أمرنا أن يجري عليك، فقال: يا أمير المؤمنين أتُرى الله يعطيك وينساني؟! ثم ولى هاربًا!

والقصة بغض النظر عن مصداقيتها، فهي ذات دلالة في رسم شخصية الرجل في كونه باحث ومكد في إحقاق الحق والعدل عن طريق الحكمة اللطيفة، وأنه كان يجهر بالحق في قولها.
تصورات العقل الجمعي

من خلال قصة الرشيد الأخيرة وغيرها من القصص الواردة في التراث، يتضح أن هذه شخصية بهلول رسمتها المخيلة الجمعية، لتصاريف معينة ومعلومة؛ في أن المجتمع دائمًا ما “يؤسطر” الشخصيات المعروفة لكي يمرر من خلالها النقد السياسي والاجتماعي.

ويذهب باحثون عديدون إلى أن بهلول لم يرد ذكره في المصادر الكبيرة للتراث، والغالب أن كل قصته ما هي إلا منحولة أنتجتها الظروف السياسية والتاريخية من الصراعات المحتدمة بين أهل المذاهب والعلم في الفترة من التاريخ.؛ وبالتالي كان قد تم توظيف بهلول في سبيل تمرير أغراض كل فئة، بحسب مرادها.

وفي كل الأحوال فكل هذه القصص تنسج لشخصية بهلول، ما هي مثالًا يقترب من #الخرافة، ترتب عن تعدد أشكال الرؤية إليه سواء من قبل معاصريه أو في فترات لاحقة من التاريخ.

وترد بعض المصادر عن مناظرات قام بها بهلول مع علماء عصره من رجالات الفقه والدين، لكنه ليس هناك ما يثبت أو ينفي ذلك، في حين تبقى شخصية الرجل بهذه الإثارة واللطف والغموض الجميل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.