تحليلات

المغـ.ـرب العربـ.ـي في خـ.ـطر

هيومن فويس

المغـ.ـرب العربـ.ـي في خـ.ـطر

ليس من الإجـ.ـحاف القول ألَّا طـ.ـائل من دعوة العـ.ـاهـ.ـل المغر.بي المسؤولين الجزائريين إلى حوار يُنـ.ـهي المشـ.ـاكل بين البلديـ.ـن. يد.رك الملـ.ـك محـ.ـمد السادس أن المسؤولين الجزائريين لن يسـ.ـتجيبوا.

ويفسّر القا.دة الجزائريون الدعوة بأنها مـ.ـوجـ.ـهة أكثر للتداول الإعلامي والسياسي، وأنها لا تملـ.ـك أية فرصة للتحول إلى عمل حقيقي.

أكثر من ذلك يشعر المسؤولون الجزائريون بأن الهدف من الدعوة إحراجهم وإبراز المغر.ب في صورة طالب الود والإصلاح، والجزائر في صورة الطرف المتعنت الرافض للـ.ـصلح والتقار.ب. وهو اعتقا.د غير بعيد عن الـ.ـصواب.

لكي تكون للدعوة جدوى ومصـ.ـداقية، وكي لا تنتهي إلى ما انتهت إليه مثيلاتها في السابق، كان يجب أن تكون مرفوقة، في السر أو العلن، بمقترحات ملموسة وعمـ.ـلية تفتح طريق الحوار المؤدي نحو تهدئة ثم مصـ.ـالـ.ـحة.

أقول هذا لأن دعوة الملـ.ـك محـ.ـمد السادس الجديدة سبقتها دعوات مماثلة في مناسبات سـ.ـابقـ.ـة مثل العيد الوطني الجزائري و«عيد العـ.ـر.ش» في المغر.ب. وستتلوها أخرى في المناسبات ذاتها خلال السنوات المقـ.ـبـ.ـلة. لكنها جميعا سرعان ما غمرها النسيان وعاد بعدها البلدان إلى صـ.ـراعاتـ.ـهـ.ـما المزمنة والمنطقة إلى ركودها القـ.ـاتـ.ـل.

فشلت الدعوات السـ.ـابقـ.ـة، رغم أنها ور.دت في سياقات سيـ.ـاسية ودبلوماسية بين البلديـ.ـن أقل تـ.ـوتـ.ـرا وخطورة، لأنها انتهت مع نهاية الكلام الذي تضمَّنها. وفشلها هذا يعطي فكرة مسبقة واضـ.ـحة عن مصير الدعوة الجديدة التي ور.دت في سياق ملغوم واتهـ.ـامات متبادَلة في الاتجاهين غير مسبوقة.

لم تشهد العلاقات الجزائرية المغر.بية، منذ أكثر من ر.بع قرن، تـ.ـوتـ.ـرا مثل الذي تعيشه في الشهور الأخيرة. ولم تصل الشكوك والتوجس والتشهـ.ـير الإعلامي بين البلديـ.ـن إلى مثل هذا المستوى منذ أر.بعة عقود أو أكثر.

شيء واحـ.ـد يفسّر هذا الجفاء الكبير بين قيادتي البلديـ.ـن: غياب الثقة وافتقا.د العاصمتين لإرادة التقار.ب. كل طرف يحاول إعطاء الانطباع بأنه في غنى عن الآخر ومرتاح في عدائه له. الباقي تفاصيل.. الـ.ـصحراء الغر.بية، الحـ.ـدود، المخـ.ـدرات، التجـ.ـسس عبر «بيغاسوس» دعم انفصاليي القبائل إلخ.

المشكلة أن منسوب الثقة يتآكل مع مرور السنوات وليس العكس. عجَزَ الزمن عن معالجة ما بين قيادتي البلديـ.ـن، وعن إصلاح ذات البين.

شيء واحـ.ـد يفسّر هذا الجفاء الكبير بين قيادتي البلديـ.ـن: غياب الثقة وافتقا.د العاصمتين لإرادة التقار.ب. كل طرف يحاول إعطاء الانطباع بأنه في غنى عن الآخر ومرتاح في عدائه له

المغر.ب والجزائر هما البلدان الوحيدان في العالم اللذان يخوضان صـ.ـراعا طويـ.ـلا بلا هدف واضـ.ـح. يبدو أن هدف كل طرف عرقلة الآخر وكفى. ثمن هذا الـ.ـصـ.ـراع تدفعه المنطقة كلها، شعوبا وحكومات ودولا.

حتى فاتورة الكلفة تغيّرت مع الزمن فلم يعد الأمر، كما كان في السابق، متعلقا بما تخسره المنطقة اقتصاديا واستراتيجيا ودبلوماسيا جراء الخـ.ـلافات الجزائرية المغر.بية. لقد أصبحت منطقة المغر.ب العر.بي كلها في خـ.ـطر: ليبيا مفككة، موريتانيا معـ.ـز.ولة وهشّة، تونس تصارع نفسها، والجزائر والمغر.ب يفعلان ما في وسعهما لإدامة الخـ.ـلافات والابتعاد عن الحلول كأنهما لا يشعران بخطورة الوضع وفداحة الموقف.

وسط هذا المشهد العبثي تبدو دعوة الملـ.ـك محـ.ـمد السادس الأخيرة للحوار مثل قطرة في صحراء من القحط والجفاف. لا صاحـ.ـبها ينتظر منها شيئا ولا المـ.ـوجـ.ـهة إليه سـ.ـمعها.

الخـ.ـطر على منطقة المغر.ب العر.بي يكمن في كونها أضـ.ـحت سوقا هائلة للأسلـ.ـحة وبؤرة حـ.ـروب وأزمـ.ـات، علاوة عن أنها محاطة بالـ.ـحـ.ـرائق. فوق هذا كله هي الآن بلا «رمانة الميزان» وبلا قـ.ـوة تحافظ على توازنها. في السابق كان هناك الحـ.ـبيب بورقيبة ومعمر القذافي، الذي رغم «جـ.ـنونه» كان يستطيع فعل شيء عند.ما يريد.

كان هناك قا.دة إقليميون آخرون، مثل الملـ.ـك فهد، لعبوا أدوارا إيجابية في المغر.ب العر.بي. اليوم لا يوجد بين القا.دة الإقليميين من يريد المساهمة في إصلاح حـ.ـال المغر.ب العر.بي، لأن المنطقة من المحيط إلى الخليج منقسـ.ـمة إلى تكـ.ـتلات وتجمعات تتغذى من التفر.قة ومن الانقـ.ـسامـ.ـات المحلية.

وسط الفراغ الكبير تتحمس «القوتان» المغار.بيتان المتبقيتان لإذكاء الـ.ـصـ.ـراع فراحت تحفران إحـ.ـداهما للأخرى إلى أن رصـ.ـدت جهات بعيدة الفراغ وشعرت بأحقيتها وقـ.ـد.رتها على ملئه، فحضرت بقـ.ـوة وأهل المنطقة يتفرجون.

لا غرابة بعد هذا أن تأتي تركيا وفرنسا وأمريكا والـ.ـصين وروسيا والإمارات وقطر، وكل العالم، إلى ليبيا بذريعة مساعدتها في وقف تفككها، وتغـ.ـيب الدول المغار.بية المعنية الأولى والأخيرة بالـ.ـصـ.ـراع الليبي وتداعياته.

ولا غرابة أن يحضر العالم كله إلى منطقة الساحل الإفريقي وتغـ.ـيب دول المغر.ب العر.بي إلا من حضور قليل، غير مقنع وغير مؤثر، على الرغم من خطورة الأوضاع هناك بحكم التقاء دعاة الإرهـ.ـاب الجـ.ـهادي ولور.دات الجريـ.ـمة المنظمة.
ولا غرابة إذا حضرت الأطراف ذاتها، أو أخرى، غدًا لاستيعاب مشاكل تونس وادعاء مساعدتها اقتصاديا وسياسيا إذا ما قُدِّر لها الانزلاق نحو الأسوأ، وتغـ.ـيب الدول المغار.بية المعنية.

ولا غرابة (مرة أخرى) إذا ما قرر المغر.ب والجزائر الحضور في الموضوع التونسي، أن يكون ذلك على قـ.ـاعـ.ـدة خـ.ـلافية تنـ.ـافسة كما كان الحـ.ـال في ليبيا والساحل الإفريقي. لقد شاهد المعنيون بالـ.ـصـ.ـراع الليبي أن الدورين المغر.بي والجزائري كانا على خـ.ـلـ.ـفية تنـ.ـافسية ولتسجيل نقاط سيـ.ـاسية وحضور دبلوماسي، ففاز الآخرون بالـ.ـصيت وبقيت ليبيا تراوح مكانها بينما يمسك المغر.ب والجزائر بالأطراف.

ما لا خـ.ـلاف حوله أن حضور المغر.ب والجزائر إلى ليبيا في الوقت المناسب وبروح إيجابية وخطط منـ.ـسقة، كان سيسد الباب أمام الآخرين ويضيّق هـ.ـامش حركتـ.ـهـ.ـم.

والشيء ذاته يقال عن الساحل الإفريقي وتونس (إذا ما انتهت إلى هناك). لكن فات الأوان وبات التأزم في حـ.ـاجـ.ـة إلى معجزة لن تأتي، في المدى المنظور على الأقل. لا حـ.ـر.ب ولا سـ.ـلام، فقط سادية سيـ.ـاسية قلَّما رأى العالم مثلها.

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *