دراسات

أسرار تكـ.ـشف لأول مـ.ـرة عن بشـ.ـار الأسد.. هكذا تحول لقـ.ـاتل وحـ.ـار.ق للجـ.ـثث

هيومن فويس

أسرار تكـ.ـشف لأول مـ.ـرة عن بشـ.ـار الأسد.. هكذا تحول لقـ.ـاتل وحـ.ـار.ق للجـ.ـثث

من فوق كـ.ـومة من الأنقـ.ـاض، في أرض خر.بة تتصـ.ـاعـ.ـد منها رائحـ.ـة الد.ماء والتد.مـ.ـير، تتوشّح على تلّة متهد.مة صورة لأنف كبير تسطو على وجه مبتسـ.ـم، في جسـ.ـم متأنّق يلوح بيده التي أعطت الإشارة لبرمـ.ـيل ر.ديء بأن يسـ.ـقط سقوطا حـ.ـرا على بقعة أخرى من بقاع سوريا.

تلك قصة رجل كان يمكن في الثلاثين من آذار/مـ.ـارس عام ٢٠١١ أن يغير مسار التاريخ، وأن يجعل شكل البلاد والمنطقة، بل ور.بّما العالم بأسره، مختلفا تماما. كان من الممكن -حرفيا لا مجازا- أن يحفظ هذا الرجل، رئيس النظـ.ـام السوري بشار الأسد، بكلمة منه حيـ.ـاة نصف مليون سوري على الأقل ليقـ.ـضوا العيد الفائت بين أهلهم وأحـ.ـبائهم، لا ضـ.ـحايا أو معتـ.ـقلين مجـ.ـهولي المصير.

وكان لـ١٣ مليون سوري، أي نصف الشعب، أن يظلوا في بيوتـ.ـهـ.ـم، لا نـ.ـازحين ولاجئين في المخيمات والمنافي. والأهم، بالنسبة إليه بكونه صاحـ.ـب الكلمة والسـ.ـلـ.ـطة أنّ “سيادة البلاد” ووحـ.ـدتها كان من الممكن أن تبقى بيده كليّا، لا ينازعه عليها أخ ولا ابن خالة ولا رئيس جهاز أمـ.ـني أو دولة عظمى، وأن تبقى بلاده -سوريا- فاعلا إقليميا مؤثرا، لا أن تصبح كما هي عليه اليوم بعد عشر سنوات من ذلك التاريخ: بلا سيادة ولا كلمة ولا هيبة ولا اقتصاد ولا بنية تحتية.

في ذلك الأر.بعاء، كانت عيون الجميع شاخصة نحو الأسد الذي ظهر آخر مرة في لقائه الصحفي الشهير قبل شهرين بالتمام، كانت أفئدة المتظاهرين الساهرين في المياديـ.ـن تترقب منتظرين ر.د فعله على الاحتجاجات في بلاده.

لقد كانت هذه، مجددا، لحظته وفرصته التي ستمكنه من إثبات وعوده الإصلاحية وشخصيته الاستثنائية وسلطته وشرعيته لدى شعبه أولا ثم لدى العالم، فإما أن يختار مسار الإصلاحات والتنـ.ـازلات.

وإما أن يختار مسار القـ.ـمع والعنـ.ـف، بكل ما يحمله المساران من تبعات تاريخية، إيجابية وسلـ.ـبية على السواء. لم يكن الخيار سهلا، وكان الاضطراب كبيرا داخل النظـ.ـام، وانعكس على شكل مسودات مختلفة للخطاب تعكس المسارات والخيارات المختلفة.

قبل الخطاب بساعة واحـ.ـدة فقط، بحسب إحـ.ـدى الشخصيات التي كانت حاضرة حينها، تم اعتماد “النسخة” الإصلاحية، بل وتم إيصال فقـ.ـرة من الخطاب إلى الصحفي الأميـ.ـركي ذائع الصيت “ديفيد إيغناتيوس” لينشرها في “الواشـ.ـنطن بوست”، بوصفه تمهيدا و”احتفالا” بمسار تاريخي جديد ينتظره السوريون والعالم.

ولكن، ومع الأسف، لم ينشر إيغناتيوس المقال، إذ لم تتحول المسودة لا إلى خطاب ولا واقع، وإنما حلت مكانها النسخة التقليدية المليئة بالمؤامرات الخارجية والتغرير وتوعد المحرضين الذين “يكذبون ويكذبون حتى يصـ.ـدقوا كذبتـ.ـهـ.ـم”، ثم بدا أنه يدخل حوصلة إنكار الواقع، فـ”سوريا ليست مصر وتونس”.

بشكل ما، تعكس كل مسودة من هذا الخطاب “شخصية” من شخصيات الأسد، فمقابل الخطاب/الشخصية العصرية الخجولة التي لا نتخيّل أنها ستتمكن من الوقوف في وجه طوفان الر.بيع العر.بي، نجد خطاب/شخصية الرئيس الوحشي المتصـ.ـلـ.ـب الذي لا يكتفي بانعدام سعيه للقيام بأي إصلاحات وحسب.

بل يبدو مستعدا لتجاوز أبعد حـ.ـدود الوحـ.ـشـ.ـية للحفاظ على الوضع القائم، والتي لم يكن أقلها استخدام الأسلـ.ـحة الكيماوية في ما لا يقل عن ٣٣٥ هـ.ـجمة أدت لمقـ.ـتل آلاف المـ.ـد.نـ.ـيين.

ثم القول بكل هدوء بأسلوبه المعتاد إنها “مفبركة ١٠٠٪”، أو قـ.ـتل عشرات آلاف الأطفال الذين يمكن أن يؤرّقوا تفكير أي إنسان طبيعي بقوله -حين سُئل عنهم- ضاحكا: “أنام، أنام وآكل جيدا وأمـ.ـارس رياضتي وعمـ.ـلي بشكل معتاد”. ر.بما لا يبدو هذا استثناء فارقا في عالم الديكتاتوريين والطغـ.ـاة، كالقذافي وصـ.ـدام حسين مثلا، ولكن الفارق الملحوظ هو أن صور معظم هؤلاء الزعماء سنحفظهم بالذاكرة والتاريخ بزيّهم العسـ.ـكريّ وبسـ.ـلاحهم المفضل معلّقا في الخـ.ـلـ.ـفية، لا ببدلات غر.بية من آخر طراز وأجهزة “أبل Apple” على المكتب، كما هو حـ.ـال الأسد الابن.

لا تهدف هذه السطور للبحث عن هيئة شيطان شرير له قرنان، ولسان من نـ.ـار، وقبـ.ـضة من جمر، إن أمثال هؤلاء الشياطين موجودون، ولكنهم نادرون جدا كما يقول أريك فروم.

إنما نحكي عن سيرة إنسان عادي جدا، لا تبدو عليه أي ملامح سريرية نفسية لافتة، ولكن هذه الشخصية عند.ما باتت في موضع السـ.ـلـ.ـطة، أصبحت خـ.ـطرة جدا، وأسـ.ـفرت عن إرادة غير عادية تجاه التد.مـ.ـير والقـ.ـتل.

في هذا التقرير، نغوص في ماضي بشّار ونشأته وطفولته، عبر اللجوء إلى علم النفس ونظرياته، سعيا لاستقراء شخصيته ومخـ.ـاوفه ورغباته وطريقة إدراكه للأمور، في محاولة لصياغة “سيرة نفسية (psychobiography)” للأسد، ما سيعطينا أبعادا جديدة لفهم الأحـ.ـداث السيـ.ـاسية والتاريخية من منظور الأبعاد النفسية والدوافع العميقة الكامنة وراء القرارات السيـ.ـاسية والاقتصادية والاجتماعية.

وُلد بشار في الحـ.ـادي عشر من سبتمبر من عام ١٩٦٥ في العاصمة السورية د.مشق، بعد بشرى وباسل، لوالديه أنيسة مخلوف وحافظ الأسد، رجل سوريا القوي والنقيب الطيار في سـ.ـلاح الجو الذي شارك قبل ولادة بشار بعامين في “ثـ.ـورة الثامن من آذار” التي أوصلت رفاقه في “اللجنة العسـ.ـكرية” لحـ.ـز.ب البعث إلى السـ.ـلـ.ـطة، تمهيدا لانقلابه عليهم بـ”الـ.ـحـ.ـركة التصحيحية” عام ١٩٧٠، لتنهي خمسين عاما من الانقلابات الناجحة والفاشلة منذ نشأة سوريا الحـ.ـديثة عام ١٩٢٠، وتبدأ خمسون أخرى لآل الأسد في الحكم.

يروي ديفيد ليش، المُؤلّف والأستاذ المُتخصّص في التاريخ وسياسة الشرق الأوسط وأحـ.ـد المبعوثين الغر.بيين وصاحـ.ـب كتاب “أسد د.مشق الجديد” الصـ.ـاد.ر عام ٢٠٠٥ المَبني على ساعات مُطوّلة من المقابلات، أنّه تواصل مجددا مع الأسد بعد إعادة انتخابه عام ٢٠٠٧ في الاستفتاء الرئاسي، عبر انتخابات مزوّرة تُديرها أجهزة المخابـ.ـرات حسب ما هو معروف للجميع، سائلا إياه عن رأيه بإعادة انتخابه وفوزه الكاسح، فأجابه الأسد بكل ثقة: “بالطبع، هذا لأنّ النّاس يحـ.ـبّونني”، مع تأكيد المؤلّف على أن الأسد لم يكن يكذب، بل كان مقتنعا تماما بأنّ النّاس يحـ.ـبّونه بالفعل.

عاش بشار على خطوط النـ.ـار التي أشعلها والده من حوله، وحينما تدحرجت به الأيام من الطفولة إلى البلوغ أتمّ دراسته في مدرسة “الـ.ـحـ.ـرية” الفرنسية في د.مشق، حيث تعلم الإنجليزية والفرنسية بطـ.ـلاقة، ليتفتح وعيه ووالده يدشـ.ـن مرحلة جديدة من عهده بالمذبـ.ـحة “المؤسسة”.

وهي نمط من المـ.ـذابـ.ـح الد.موية التي تفصل بين عهديـ.ـن، يرتكبها القا.دة الد.مويون لإنهاء التمـ.ـر.دات الشعبية من جذورها، حيث سـ.ـحق الأسد الأب فيها واحـ.ـدة من أشد مراحل المعـ.ـارضة لحكمه، والتي ترأس حـ.ـر.بتها الإخوان المسـ.ـلمون، واصطفت وراءهم النخب المديـ.ـنية السنية، في احتجاجات بدأت بطابع سـ.ـلمي ثم أخذت تنحو شيئا فشيئا نحو العنـ.ـف.

قبل أن ينهيها الأسد الأب، تماما مع نهاية دراسة الأسد الابن عام ١٩٨٢ بمجـ.ـزرة حماة. عايش بشار وخابر وامتلأ بقصص وروايات تلك المـ.ـذابـ.ـح، وأنْصت لها في مجالس بيته وفي دوائره القريبة، والتأم أمامه بنيان القـ.ـائد الصـ.ـلـ.ـب الذي يقلب الطاولة في لحظة، ويحـ.ـز.م أمر الحكم بمذبـ.ـحة.

وقد انعكس هذا السياق الملتهب على نشأة بشار، إذ لم يحظَ بالوقت الكافي لتشكيل علاقة آمنة مع أبيه، فقد كان والده حافظ الأسد غائبا على الدوام، ما أفقد الزوجة والأبناء الوجود والحضور المُنتظَم الضروريّ لخلق الاهتمام العاطفي.

وبجانب ذلك، لم يتّسـ.ـم حافظ -بأي حـ.ـال- بشخصية الأب الحنون، وكان شخصية تر.بوية سالبة، وهو نمط من التر.بية الأبوية لا يرى تدخـ.ـلا إلا حينما يظهر خطأ ما، بعكس التر.بية المتوازنة التي تشجع على الإيجابي وتنهى عن السلـ.ـبي. هذا الأسلوب التر.بوي السلـ.ـبي اشتهر به العسـ.ـكريون والشخصيات الجافة اللاقطة للخطأ التي قد ترى في الرقة ضعفا.

وفي الثناء ليونة، هذه الخلاصة عن الأبوية المضطر.بة تجد ما يدعمها من حـ.ـديث بشار الأسد نفسه في مقابلة له مع ديفيد ويلش لكتاب “أسد د.مشق الجديد: بشار الأسد وسوريا الحـ.ـديثة”، لم يكن حافظ “الأب من النوع الذي يقول: أحسنت، برافو. بل كان الأب الذي يقول الأشياء السلـ.ـبية التي لا يجب فعلها”، ويبدو إذن أن العلاقة مع الأب في عمقها كانت متـ.ـوتـ.ـرة، فلم يرسخ في ذهن الابن سوى ذلك النمط التسلطي التأنيبي.

وعلى العكس من تلك العلاقة كانت علاقته بأمه. فأمّه كما هو مشهور عنها كانت ذات طبيعة مزاجية حـ.ـادة، ر.بما بسبب الزوج وانشغالاته وقسوته التي كانت تتطلبها تلك الأيام، وطبيعي أن تكون صاحـ.ـبة الدور الأهم في تشكل شخصيته، إذ كان “ابن الماما أكثر مما هو ابن البابا”، حسب ما يصفه أحـ.ـد المسؤولين الغر.بيين.

ولذا فقد كانت علاقة بشار بأمه، بحسب البروفيسورة في علم النفس الجنائي كاثرين سـ.ـيفيرت، علاقة اعتمادية عالية، لدرجة أنها باتت تسيطـ.ـر على تفكيره وصولا لحياته العاطفية، ما انعكس على كيفية تعبيره عن مشاعره بطُرُق واضـ.ـحة وسليمة، حسب ما يظهر في لقاءاته وخطاباته بطبيعة الحـ.ـال، إذ تفتقر إلى التعبيرات الشاعرية والشعورية الخاصّة به، باستثناء ما صِيْغ وأُعِدّ مُسبقا بطبيعة الحـ.ـال.

كانت هذه بيئة نشأة بشار: والد ذو شخصية سادية يتجاهله، ووالدة مزاجية تتحكم به، وشقيق قاسٍ يتنمر عليه، وحـ.ـر.س يحيط به ليحميه، وهي بيئة ستحرم بشار خلال طفولته من التفر.د بشخصية ذات طباع مستقلّة أو من إنضاج شخصية واضـ.ـحة الحضور عند بلوغه، وستساهم بتشكيل ورسـ.ـم ملامحها لبقية حياته.

وللمفارقة، فهذه الملامح كلّها تُشير إلى تشابه كبير مع نشأة ديكتاتوريين وقَتَلة جمـ.ـاعيين آخرين إلى درجة تبلـ.ـغ أحيانا حـ.ـدّ التطابق. جوزيف ستالين على سبيل المثال، كان والده أيضا غير موجود في طفولته بحثا عن لُقمَةٍ للعيش، وكان ستالين قد فقد أشقّاء له في طفولته. ويتماثل هذا مع ظروف النشأة وتجر.بة الطفولة الخاصّة بأدولف هتلر، والذي تعرّض للإهمال والضر.ب من قبل والده، الذي تُوفيّ أيضا خلال مرحلة مراهـ.ـقته.

ويبدو أن بشار إذن في هذا الوضع القاسي حاول أن يرسـ.ـم له طابعا مختلفا، فيه قـ.ـد.ر من التعالي المستبطن ضـ.ـد مجتمع الأقـ.ـوياء الذي يعيش فيه، فكان الخجل والصمت والانسحاب والتواضع ضمن التقنيات التي حاول بها أن يحمي نفسه في ذلك المحيط القاسي، وقرر أن يتوغل في الدراسات العلمية والطبية لإنتاج صورة راقية غير عسـ.ـكرية، محاولا التحرر الظاهري من عباء الجـ.ـنـ.ـرالات التي تفـ.ـتن عائلته، وهو ما أكّده ديفيد ليش بقوله إنّه قد قابل شخصا متواضعا، مُنكِرا لذاته، وخجولا وهادئا.
لكن في هذا السياق، لا ننسى أن بشار نشأ في ظل عائلة تحكم سوريا بوصفها عائلة ملكية، بل كانت تعتقد يقينا أنها “تملك البلاد بأكملها”، بكلمات عبد الحليم خدام، نائب الرئيس السابق الذي انـ.ـشـ.ـقّ عنه عام ٢٠٠٥.

لا تبدو هذه مبالغة في ظل معرفـ.ـتنا أن الاسـ.ـم الشائع لسوريا حسبما صـ.ـدّرها الإعلام الرسـ.ـمي هو “سوريا الأسد”. ولذلك، وكما يحـ.ـدث لدى عائلات المافيا وأُسَرِها، تتلاشى الحـ.ـدود الواضـ.ـحة بين العائلة والمشروع الر.بحيّ الذي تتكسّب العائلة من خلاله، ويصير تحقـ.ـيق الغـ.ـاية الر.بحية للمشروع بأي ثمن وبأيّ طريقة هدفا عائليا بحـ.ـدّ ذاته.

يتعلّم الأطفال الذين ينشؤون في أوساط مماثلة أن العائلة و”البزنس” شيء واحـ.ـد، وأن الر.بح والوصول تطلّع قِيَميّ عائلي بحـ.ـدّ ذاته، وأن فشلك في إنجاح المشروع العائلي بالاستمرار والاكتساب هو فشلك في أن تكونَ وريثا أو ابنا لهذه العائلة بالأساس. لذلك تسـ.ـخـ.ـط هذه العائلات على أي محاولة يسعى من خلالها الفر.د لإيجاد ذاته أو معنى في حياته خارج هذا الإطار.

ليس هذا تبريرا لمسار الأسد، ولا سعيا لقول إن الإجـ.ـر.ا.م الذي انتهجه كان محتوما نتيجةَ هذه البيئة، إذ وبحسب علماء النفس يكون أيّ إنسان مُعرّضا للانحـ.ـراف السلـ.ـوكيّ.

ولكن يمنعه من ذلك عدد من العوامل الوقائية، مثل التنشئة السليمة، والأسرة الحانية والعطوفة، والوضع الاجتماعي والاقتصاديّ الجيّد، والسجل العائلي السليم نسبيا، والنمو الطبيعي للشخصية. كلّ هذه العوامل الوقائية تأتي في مقابل عوامل الخطورة، مثل الـ.ـحـ.ـرمان العاطفي في الطفولة، الفقـ.ـر، تاريخ مُسبَق من الانحـ.ـراف للآباء والأجداد، الإد.مان أو تعـ.ـاطـ.ـي المخـ.ـدرات. وحين تغلب عواملُ الخطورة العواملَ الوقائية، يصير وقوع الانحـ.ـراف السلـ.ـوكيّ أو الإجـ.ـر.ا.ميّ أمرا محتملا ومسألة وقت ينتظر الظرفَ أو المُثير المُناسب لتحقّقه.

الارتياب المَرَضيّ.. السـ.ـمة النفسية الأكثر وضوحا

هناك مدخل مهم لا يمكن إغفاله، وهو المدخل الأقلوي النفسي، فبشار ينتمي للأقلـ.ـية العلوية التي تحكم الأغلبية السنية المختلفة معها في المذهب، وتشعر أنها امتلكت هذا الاستحقاق بالد.م والنـ.ـار، ولذا فهي أقلـ.ـية قلقة غير مستقرة، تخلل مدّة حكمها محاولات عديدة للثـ.ـورة والانقلابات، خلقت لها شعورا دائما بالمخـ.ـاوف وجعلتها محمـ.ـلة بالتهـ.ـديد والذ.عـ.ـر من محيط الأكثرية.

إضافة لذلك، وبسبب التاريخ الدّموي للعائلة في الوصول إلى الحكم، مترافقا مع تعـ.ـرض النظـ.ـام في سوريا على الدّوام إلى انقلابات مُستمرّة من الداخل والخارج، وبحكم انتساب العائلة للطائفة العلوية التي تحـ.ـمل مثل بقية الأقلـ.ـيات شعورا دائما بالخـ.ـوف والتهـ.ـديد من الأكثرية، لكل ذلك تشكّل لدى عائلة الأسد حِس ارتيابيّ (paranoid) على هيئة أزمـ.ـة ثقة بمُحيطهم ومَن حولهم، وهو شعور نفساني وملمَح أساسيّ في الشخصية البشـ.ـرية تصل حـ.ـدّ اضطراب الشخصية الارتيابية، حيث يصير المَرءُ كثير التشكّك والافتراضات ويظنّ أنّ الآخرين يُضمرونَ غير الذي يقولون ويفعلون، وأنّ هُناك خّطة مضـ.ـادة أو مـ.ـؤامـ.ـرة تحـ.ـدث بالخفاء، وهذا النمط من الارتياب الأقلوي الذي يسكن بشار وعائلته، يضـ.ـغـ.ـط على محيطه وعلى المتعاملين معه ليُصبح من حولهم مجر.د آلات حية تتحـ.ـدث بالكلام نفسه وتُصـ.ـدّر استجابات متماثلة بهدف طمأنة القـ.ـائد المفدى. وبحسب دراسات طولية تتبّعت أجيالا وعائلات عدّة، يُشكّل التاريخ الوراثي للعائلة جُزءا مهمّا في زيادة فرص تناقل اضطراب الارتياب، إذ تتشارك العائلة هذه المعلومات الوراثية وتختلف من فر.د لآخر باختلاف تنشئة كلّ فر.د وبيئته والخبرات الحياتية التي مرّ بها.

أما هذه السـ.ـمات، بحسب الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية (DSM-5)، فإنّ من أعراض الشخصية الارتيابية:

1- الاعتقا.د الابتدائي بأنّ الآخرين يستغلّونهم أو يكذبون عليهم أو يؤذونهم، دون دليل واضـ.ـح على ذلك.
2- تولّد شكوك غير مُبرَّرة حول ولاء الآخرين ومصـ.ـداقيتـ.ـهـ.ـم في حـ.ـديثهم.
3- شعورا عامّا بأن عليهم ألّا يثقوا بالآخرين لاعتقا.دهم أن ثقتـ.ـهـ.ـم ستزول عاجلا أو آجلا.
4- تفسير الكلمات الرمزية أو المعلومات القليلة والملامح الغامضة على أنّها مؤذية أو مُهدِّدة أو مُهينة.
5- ضرورة الانتـ.ـقـ.ـام والر.دّ حين تتعـ.ـرض شخصيتـ.ـهـ.ـم للهجـ.ـوم من قبل الآخرين.
6- الشعور بالغيرة والريبة دون سبب، والتوجّس من أنّ الشركاء والأقار.ب غير مخلصين.

كان “ريز إرليخ”، الصحفي والمُؤلّف الأسترالي، يُعدّ كتابه عن سوريا تحت عنوان “داخل سوريا”، وقد لاحظ بدوره حين قابل بشّار الأسد بأنه قد قابل إنسانا مُرتابا ومُتوجّسا، وبأنّه يُغـ.ـطّي على هذا التفكير والشعور عبر تأكيده المُتواصل شبه المَرَضِيّ بأنّه شخصٌ مَحـ.ـبوب لدى شعبه.

وبأنّه ليس بحـ.ـاجـ.ـة للقيام بأيّ إصلاحات جوهرية أو إجراءات تصحيحية. وحين كان إرليخ يسأل الأسد عن الأحزاب السيـ.ـاسية والانتخابات النزيهة والـ.ـحـ.ـرّة، كان الأسد يُجيبه بأنّ هذه النقاط ليست مهمة، لكنّها مجرّد مؤامرات وإشكالات يحاول الغر.ب أن يُثيرها من أجل التآمر عليه وعلى سوريا.

لكنّ ملامح الارتياب والتشكّك والتوجّس من الآخرين كانت شـ.ـديـ.ـدة الوضوح بحسب إرليخ، الذي يذكر أنّ الـ.ـحـ.ـرس الخاصّ بالأسد كانوا يتحققون من إرليخ وأجهزته مِرارا وتكرارا، وصولا لتفكيك المايكروفون الذي يستخد.مه في المُقابلة، ومع هذا يقول إرليخ: “كُنتُ أتحـ.ـدّث والمايكروفون مُلاصقٌ لفمي، وحين أوجّه إليه المايكروفون ليُجيب عن سؤالي، كان بشّار يقفز إلى الوراء مَذعورا وفَزِعا وخائفا في كلّ مرّة”.

شكَّل هذا الارتياب والتشكّك مَلمحا هـ.ـامّا لدى عائلة الأسد، وقد تُرجم على شكل شبكة متوسعة دوما من الأجهزة المُخابراتية، ومن ثمّ تفريخ أجهزة فـ.ـر.عية لهذه الأجهزة، وإنشاء أجهزة أمـ.ـنية أخرى رقابية أعلى منها في سُلطتها.

وهكذا دَواليك، ما جعل سوريا شبكة لأجهزة أمـ.ـنية لا مُتناهية، ونُقِلَ الارتياب النفسيّ لعائلة واحـ.ـدة إلى النّاس في الشارع على هيئة سياسات رقابية وأمـ.ـنية، حتّى صارت البلدة تتوجّس من الجدران ومن أهلها ومن نفسها، في ما تسـ.ـميه الأنثروبولوجية الأميـ.ـركية ليزا وايدن: “السيطـ.ـرة الغامضة”.

عام ١٩٨٢، أنهى بشار الأسد دراسته الثانوية، بينما أنهى والده في العام نفسه انتفاضة الثمانينيات بمجـ.ـزرة حماة كما أشرنا سابقا، ليخلق حـ.ـالة جاثمة من الصمت والخـ.ـوف في البلاد، انعكست وترافقت كذلك مع مرحلة قد تكون أكثر مراحل حيـ.ـاة الأسد الابن هدوءا واستقرارا.

فبعد الثانوية، توجه بشّار الأسد إلى جامعة د.مشق ليدرس الطبّ البشـ.ـريّ الذي يقال إنه كان حلم والده الذي لم يستطع تحقـ.ـيقه بسبب عجز الجد الطاعن في السن عن إرسال ابنه حافظ لأداء المقابلة في كلية القديس يوسف اليسوعية في العاصمة اللبنانية بيروت.

وبصورة تثير الكثير من المفارقات، ستكون محاولة إثبات الذات هذه سـ.ـمة شخصية سترافق بشار، الابن الثاني القابع في الظل، والذي ظلّ محل تشكيك من الدائرة المحيطة به طيلة مسيرته الشخصية والسيـ.ـاسية على السواء، كما ستروي السطور المقبلة.

بحسب السيرة الذاتية الرسـ.ـمية، تخرّج بشار خلال ستة أعوام في جامعة د.مشق، ثم تخصص في طب العيون عام ١٩٩٢ في مشفى تشرين العسـ.ـكري، ليتابع بعدها اختصاصه في لندن، وتحـ.ـديدا في مستشفى ويسترن الذي أمضى ١٨ شهرا. يمكن القول إن هناك اتّفاقا عاما على ملامح شخصية بشّار الأسد في هذه المرحلة، فكما يروي أحـ.ـد الأطباء الذين أشـ.ـر.فوا على تدريبه، فقد كان بشّار هادئا وصامتا، وكانت المُمرِّضات الّلاتي رافقنه يُشِرن إلى قـ.ـد.رته على تهدئة المرضى وطمأنتـ.ـهـ.ـم في العمـ.ـليات قبل تخديرهم.

ومن بين هذه الملامح، كان الملمح الأهم هو الخـ.ـجل والانطواء على الذا.ت (introverted) إلى حـ.ـدّ لا يكاد يُبين، إذ يذكر أيمن عبد النور، أحـ.ـد زملاء بشّار فترة دراسته الجامعية الذي سيعمل مستشارا للأسد قبل أن يصبح معـ.ـارضا بارزا لاحقا، أنّ بشّار كان شـ.ـديد الخجل، لا ينظر إلى عينيك حين يتحـ.ـدّث، ولا تكـ.ـاد تستطيع سـ.ـماع صوته، بل إنّه كان يضع يديه على فمه أحيانا حين يتحـ.ـدّث.

باختصار، لو كُنتَ زميلا لبشّار الأسد في فترة شبابه ودراسته الجامعية، فإنّ آخر ما سيخـ.ـطر ببالك هو أن تكون هذه الشخصية الهادئة والمُنـ.ـكفئة على نفسها، مَعبَرا لتسلّم منصـ.ـب رئيس البلاد، ولن تتصوّر أن تكون هذه الملامح مُكوّنا لشخصية ستصير متـ.ـورّطة ببحر من الد.ماء، وسببا رئيسيا ومُباشرا في أكـ.ـبر أزمـ.ـة لجوء إنسانيّ منذ الـ.ـحـ.ـر.ب العالمية الثانية. فما الذي جرى؟

يُمكِن اعتبار وفـ.ـاة باسل الأسد مُنعطَفا هـ.ـامّا في حيـ.ـاة بشّار الأسد، فالطبيب الشاب كان يطمح ويتّجه كما يبدو نحو حيـ.ـاة هـ.ـامشية هادئة، يقلّ فيها حضوره للحـ.ـدّ الأدنى، ويستطيع معها أن يُكمِل، بسعادة ر.بما، مسار حياته بعيدا عن ضوضاء الرئاسة وفوضـ.ـى البلاد.

لكنّ بشّار رأى نفسه، فجأة، مُتورِّطا في نظـ.ـام معيشي صاخب ومليء بالمشكلات والمصائب على غير إرادته الأولى. بجانب ذلك، لم يكن الدستور وحـ.ـده هو الذي يرى عد.م ملاءمة بشار للحكم، فالـ.ـحـ.ـرس القديم الذي كان مـ.ـوالـ.ـيا لوالده ومؤمنا بشخصيته الكاريزمية وسياساته، بجانب زعماء المنطقة والعالم، كانوا ينظرون جميعا إلى الشاب الغرّ الخارج من الظل وغير المجهز للرئاسة بنوع من القلق والشك والارتياب.

وهي “عقدة نقص” ستظل مرافقة لحكم بشّار، وسيسعى دوما لتجاوزها بإثبات نفسه، أولا لأبيه الذي قسا عليه طفلا فحقق له حلمه بدراسة الطب شابا، ثم لكل المشككين بجدارته. ولذلك، سنجد أن الأسد حينما استلم الحكم، سعى فورا للخروج من عباءة والده بشكل حازم، عبّر عنه مرّة بأمره أحـ.ـد الإعلاميين ألّا يقول مجددا إن “حافظ الأسد أعظم زعماء العر.ب في التاريخ”، لأن هذا “الأعظم” يمـ.ـارس سياساته الآن من القصر الجمهوري في المزة.

يقترح ليفنسون في نظريته النمائية، أنه في سن الثلاثين تقريبا يختبر مُعظَم النّاس ما يُسـ.ـمّيه بـ”المرحلة الثلاثينية الانتقالية”. في هذا الوقت، يد.رك الأفراد أنهم يقتر.بون من نقطة اللاعودة.

إذا بقوا في مسار حياتـ.ـهـ.ـم الحـ.ـالية، فسيكون لديهم قريبا الكثير من الاستثمار للتغيير. في مواجـ.ـهة هذه الحقيقة، يعيد الأفراد فحص خياراتـ.ـهـ.ـم الأولية، ويقومون إمّا بإجراء تغييرات محـ.ـددة، أو يستنتجون أنّهم اختاروا بالفعل أفضل مسار.

بحسب إحـ.ـدى الدراسات التي تتبّعت التطوّر النمائي لشخصية بشّار الأسد، فإنّه في المرحلة الانتقالية الثلاثينية كان يحلم بحيـ.ـاة عادية، هادئة ومطمئنّة كما يبدو.

وكان قد استقرّ على مساره المهني واطمأنّ له، لكنّ تعرّضه لتغيير من الخارج على هيئة مـ.ـأسـ.ـاة أو فاجعة تتمثّل بوفـ.ـاة شقيقه باسل، وعد.م قـ.ـد.رته على العودة إلى المسار الطبيعي لحياته الذي كان يتصوّره طوال عمره، تسبّب لبشّار بإر.باك وجوديّ، أدّى بحسب الدراسة، إلى تبنّي بشّار لشخصية جديدة ناقمة، وقلقة وشـ.ـديـ.ـدة الانزعاج من المرحلة الجديدة.

خلال مرحلة إعداده المحمومة ما بين أعوام ١٩٩٦ و٢٠٠٠، حرص الأسد على إظهار توجهات سيـ.ـاسية واقتصادية مغايرة عن السياسات الاشتراكية الصـ.ـار.مة التي تبناها والده وطبّقها بشكل حازم طيلة التسعة والعشرين عاما التي قـ.ـضاها على العـ.ـر.ش، إذ بدأ يبني بسرعة علاقات مع رجال الأعمال المتحمسين لتغيير هذا الاقتصاد الاشتراكي.

ومع الناشطين السياسيين المتعطشين ولو لنَفَس من حرية التعبير، كما أصبح وجها معروفا في حملات الفسـ.ـاد البيروقراطي والمالي، وأحاط نفسه بمجموعة من “النير.دات” المشابهين من التكنوقراط والأطباء والمهندسين. جعل الأسد هذه المساعي توجها رسـ.ـميا في خطاب تعيينه الذي ملأه بكلمات “الديمقراطية” و”الشفافية” و”النقد البناء”.

والذي ظهر فيه انفتاح مفاجئ تمثَّل سياسيا بالسـ.ـماح بالمنتديات والاجتماعات وحرية الإعلام النسبية، التي عرفت باسـ.ـم “ر.بيع د.مشق”، واقتصاديا بالتسهيل لرؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز القطاع الخاص ضمن توجهات “النيوليبرالية”، ما سـ.ـمح بصعود طبقة جديدة من المنتفعين والفاسديـ.ـن ضمن القطاع الخاص، على رأسهم ابن خاله رامي مخلوف، الحوت الاقتصادي الكبير.

لكن هذه المرحلة لم تد.م طويلا، إذ أعقبها انتكاس سياسي حـ.ـاد تمثل في تعزيز الرقابة وسَجن المعـ.ـارضين ومنع المنتديات والاجتماعات وإغلاق المؤسسات الإعلامية الخـ.ـاصـ.ـة، فيما سـ.ـمّته “هيومن رايتس ووتش” بـ”عقد سوريا الضائع”، والذي أكدت حينها أنه لا توجد معلومات واضـ.ـحة حول أسباب هذه التحولات المفاجئة.

طُرحت الكثير من التفسيرات السيـ.ـاسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا اللغز، كان من أبرزها وأكثرها انتشارا: جـ.ـد.لية جمود الـ.ـحـ.ـرس القديم في وجه السياسات الإصلاحية للأسد و”حـ.ـر.سه الجديد”، ولكن وكما تظهر هذه الدراسة نفسها فإن الجواب لهذا اللغز يكمن بالنظر القريب لشخصية بشار الأسد نفسه.

فعند النظر إلى عقدة النقص التي كان الأسد يحملها تجاه والده، والتي عززها ظرفه ومكانه في القصر وفي الاجتماعات الدولية مع الزعماء المخضرمين الناظرين له بعين الريبة والشك، سنجد أن الأسد كان حريصا دوما على الحصول على القبول والرضا ممن حوله، وتحقـ.ـيق ما لم يستطع والده من قبله، وهو أن يكون محـ.ـبوبا، لا أن يكون مهابا فقط بحسب عبارة ميكافيللي الشهيرة، سعيا لأن يكون “أعظم زعيم عر.بي”، كما ذكرنا سابقا.

لذلك، وخـ.ـلافا للتصوّرات السائدة التي خلقتها أنظمة ديكتاتورية عر.بية أخرى لهيئة الحاكم المُتوحّش وشديد البطش، كان بشّار الأسد نموذجا نَوعيا ومختلفا على مستوى الشخصية والخطابات الرسـ.ـمية. ويختلف في حضوره هذا عن الصورة التي رسـ.ـمها صـ.ـدّام حسين أو مُعمّر القذافي أو حتى والده لمعنى أن تكون حاكما شـ.ـديد البـ.ـطش والتـ.ـوحّـ.ـش.

فبالإضافة إلى طريقته الهادئة بالكلام، وابتعاده عن الخطابات الشعبوية والتعبوية، يظهر بشّار كثيرا وهو يتكلّم برزانة، وبكلمات معـ.ـدودة وبإجاباتٍ مُباشرة وهادئة، وفي خـ.ـلـ.ـفيته لابتوب “أبل (Apple)” مَوضوعا على مكتبه. إلا أن فهمه على مستوى الشخصية لا ينبغي أن يُضلّلنا عن واقع الحـ.ـال، إذ إن سلـ.ـوك النظـ.ـام وجيـ.ـشه ككلّ من جهةٍ أخرى يُطابق سلـ.ـوك ونهج باقي الأنظمة الديكـ.ـتاتورية التي عرفها التاريخ، بل قد يصحّ القول إنّ نظـ.ـام الأسد دفع بالتـ.ـوحّش إلى أقصـ.ـاه ومُنتهاه.

حين نتحـ.ـدّث عن السلـ.ـوك الوَحشيّ الكامل لنظـ.ـام الأسد، علينا ألا نُغرِق بالتفسير الشخصيّ فحسب، حيث إن الفـ.ـظائع الد.موية والتد.مـ.ـيرية التي ارتكبها النظـ.ـام الأسديّ في سوريا تنتمي إلى شقّين: شقّ يتعلّق بالنظـ.ـام الراسخ مُسبَقا نفسه، وهو نظـ.ـام لم يفهم نفسه خارج إطار السطوة والاستبداد الإداري والعنـ.ـف الد.موي والإفراط في القوّة الأمـ.ـنية والمُخابراتية. أمّا الشقّ الثاني فيتعلّق بشخص بشّار الأسد ودوافعه وغرائزه المُسثتارة، وشعوره العالي بالاستحقاق والنرجسية الكامنة في شخصيته.

يرى البروفيسور في علم النفس، فتح علي موغدام، أنّ بشّار الأسد وأمثاله من الديكتاتوريين يمثّلون حـ.ـالات خاصّة من القَتَلة الجمـ.ـاعيين، ويُطلِق عليهم اسـ.ـم “الذئاب المُنفر.دة”.

بحسب موغدام، فإنّ الذئاب المُنفر.دة، مثل بشّار، يعيشون داخل نظـ.ـام إدراكي خاصّ في عقولهم، يبنون عالما مُنعزِلا لأنفسهم، ويُؤمنون بأنّهم يُنقذون المُجتمع من خـ.ـطر محـ.ـدق، وأنّ القـ.ـتل الذي سيقوم به، هو قـ.ـتل مبرّر سيصبّ في صالح النّاس في نهاية المطاف.

تظنّ الذئاب المُنفر.دة أنفسها في مهمّة مَهدَوية خلاصية للعالَم أو المجتمع (هو والسيسي ير.ددان كثيرا أنهما يحا.ر.بان نيـ.ـابة عن العالم)، فبشّار الأسد يعتقد أنّه في مهمّة خاصّة قد لا يُقدّرها باقي النّاس في الوقت الحاضر، لكنّهم سيعرفون لاحقا أنّ ما قام به كان من أجلِ مصلحتـ.ـهـ.ـم.

ولا بأس إن كانوا يعترضون في الوقت الحـ.ـالي، فهُم غير متنوّرين وغير واعين لمآلات ما يحيق بهم من خـ.ـطر كما يرى هو بنفسه. بكلمات أخرى، يؤمن بشار الأسد وحاشيته بعقيدة “الحق الإلهي بالحكم (divine right of kings)” المميزة لملوك العصور الوسطى والمبررة لملكهم المطـ.ـلق بكونه ممنوحا من اللـ.ـه، والتي تم تحويرها في حـ.ـالة الخطاب الرسـ.ـمي تحت عبارات “سوريا اللـ.ـه حاميها”، أو “اللـ.ـه، سوريا، بشار، وبس”.

والتي يعتبرون بها أن هذا الشعب شعبهم، وأن البلاد بلادهم، وأنه إن كان ثمة حـ.ـاجـ.ـة لإصلاح فهذا الإصلاح يجب أن يكون من جانب الشعب، لا من جانب النظـ.ـام الذي يرى به بشار نفسه وعلى رأسه كما لو أنّه في مهمّة أخلاقية لتنوير النّاس الجاهلين ولإنـ.ـقـ.ـاذهم من جهلهم، ولهذا فالغـ.ـاية عنده تبرّر الوسيلة، والقـ.ـتل والد.مار مسار ضروري لإنـ.ـقـ.ـاذ المجتمع والدولة والعائلة، أو بمعنى آخر: أن “يكذب الكذبة حتى يصـ.ـدقها”.

تُرجمت هذه السياسة الأخيرة تحـ.ـديدا في سياسة سوريا الخارجية، والتي تعلّم بشار من أبيه أنها أكثر أهمية وحفاظا على العـ.ـر.ش من السياسات الداخلية، والتي يسـ.ـمّيها بشار لمساعديه ساخرا: “سند.و.يشة غوّار”، نسبة إلى الشخصية السورية الكوميدية الشهيرة غوار الطوشة التي يمثلها دريد لحام، أو أشبه بلعبة هر.ب ما بين “توم وجيري”.

فعند الجلوس الرسـ.ـمي، والذي يظهر به الأسد إما ساذجا للغـ.ـاية بناء على تصورات مسبقة أو واعدا للغـ.ـاية بحسب صورة مصـ.ـدرة مسبقة، يرفع الأسد سقف التوقعات والوعود لأقـ.ـصى درجة، ولكن عند التطبيق الرسـ.ـمي سيجد دوما حجة للهر.ب، أو يسحـ.ـب بها خيط قطـ.ـعة اللحم من الخبز مثل غوار، وهو ما ينطبق على كل الأزمـ.ـات الإقليمية التي حصلت. في العراق، وعد الأسد بمنع نقل الجـ.ـهاديين لمقاومة الاحتـ.ـلال الأميـ.ـركي.

لكنه اعتذر بأنه لا يستطيع الضـ.ـبط الكامل للحـ.ـدود، بينما، عمـ.ـليا، كانت أجهزته الأمـ.ـنية هي التي تشـ.ـر.ف على عمـ.ـلية النقل هذه. في لبنان، قدّم الأسد الانسحاب الكامل، لكنه لم يكفّ عن التدخـ.ـل عبر وكلائه وعملائه. وهكذا.

بعد توسّع مسار الاحتجاجات إثر تبني بشار لمسار وشخصية وخطاب القـ.ـمع والتعنّت، وأخذ البلاد في مسار حـ.ـر.ب مفتوحة على الشعب سعيا للحفاظ على العـ.ـر.ش، أجرت الإعلامية الشهيرة “بار.بارا والترز” اللقاء المتلفز الأول مع الأسد لقناة أجنبية عقب انـ.ـدلا.ع الاحتجاجات على قناة “ABC” الأميـ.ـركية.

في هذه المقابلة التي واجهت بها والترز الأسد بتقرير أممي يتحـ.ـدث عن مقـ.ـتل ٥٠٠٠ متظاهر، حتى ذلك الوقت (كانون الأول/ديسـ.ـمبر ٢٠١١)، أنكر بشار الأسد تماما وبشكل حازم هذا الواقع قائلا إن “المجنون وحـ.ـده هو من يقـ.ـتل شعبه”، وإنه إن كان ثمة قـ.ـتل وقـ.ـمع للمتظاهرين فهو “ليس مسؤوليتي”، بل “مسؤولية الحكومة”.

على وتـ.ـيرة الخطاب الأول الذي أحـ.ـال إلى “المـ.ـؤامـ.ـرة الخارجية” و”المحرضين” و”الفـ.ـتنة”، تكثّف هذه المقابلة السـ.ـمات الشخصية للأسد، والتي تحـ.ـدثنا عنها سابقا، من ارتياب مَرَضي ونرجسية وكذب وبحث عن الرضا والقبول وتهرّب من الواقع بإلقاء المسؤولية على الآخرين.

وهو دليل سيستخد.مه الأسد طيلة السنوات العشر للثـ.ـورة، مع فارق سياسي أساسي في الحكم هذه المرة، وهو العنـ.ـف الموروث داخل النظـ.ـام، والذي خـ.ـلـ.ـع به الأسد كل “حضاريته” و”غر.بيته” ليظهر الأسد ببساطة، حسبما يقول عالم النفس السياسي المختص بدراسة الشخصيات السيـ.ـاسية جيرولد بوست “ابن أبيه بكل تفـ.ـصـ.ـيل صغير”، في نظـ.ـام لا يملك نظريا إمكانية لإجراء الإصلاحات التي قد تؤدي بعضها -مهما كانت صغيرة- إلى انهياره، ولا يملك عمـ.ـليا شـ.ـرطة مكـ.ـافحة شغب أو ضـ.ـبط أمـ.ـن، ولا من الأساس رغبة أو اقتناعا بالحـ.ـاجـ.ـة إلى الإصلاح، بل حـ.ـاجـ.ـة لـ”تطوير الشعب” ليصبح مؤهلا لهذه الديمقراطية.

في بقية لقاءاته التلفزيونية، يُحاول بشّار الأسد أن يُؤكّد عد.م تأثّره الشخصيّ بما يجري معه شعوريا، فعند سؤاله في مقابلات عدّة عمّا إذا كان مُرهقا ولا ينام نتيجة للحـ.ـر.ب التي يقوم بها، كان يُسارع الأسد بالإجابة بأنّه ينام جيدا وبشكلٍ منتظم، وأنّه يمـ.ـارس الرياضة بانتظام، تعبيرا عن انتظام حياته وعد.م تأثّرها بفوضـ.ـى المُجريات على الأرض.

لا تشمل تحفّظات الأسد المسألة الجسدية فحسب، فهذا ينسحـ.ـب إلى تهرّبه من أي مُساءلات أخلاقية، إذ وُجّه إليه في إحـ.ـدى المُقابلات سؤالا عمّا إذا كان مقـ.ـتل الأطفال في حلب يُقلقه أو يشغل باله؟ لكنّ الأسد لَم يلتفّ على السؤال فحسب، وإنّما أكّد على تنبّهه الخاصّ وتدرّبه على هذا النوع من المُنزلقات التعبيرية والذي قد يحمل كلامه على نوع من الاعتـ.ـراف الضمني من انزعاج ضميره الأخلاقي، فأجاب إجابة صـ.ـار.مة على هذا السؤال بقوله: “أعرف المَقصـ.ـد من هذا النوع من الأسئلة”.

اليوم، وبفصامٍ كامل ومستمر عن الواقع، خاض الأسد حملته الانتخابية لتجديد حكمه تحت شعار “الأمل بالعمل”، وفاز بها كما هو متوقّع بنسبة 95.1% في آخر المحاولات اليائسة والفاشلة والتي لم تعد تجدي نفعا مع الغر.ب الذي لم يعد يرغب بشراء “سند.و.يشة غوّار” مجددا.

كما لم يعد يصـ.ـدّق مرض أسـ.ـماء الأسد بالسرطان وتعـ.ـافيها منه بينما تخوض صـ.ـراعها بوصفها أميـ.ـرة حـ.ـر.ب مع رامي مخلوف ضمن صـ.ـراع المافيا الذي صنع شخصياتـ.ـهـ.ـما، إلا اضطرارا في بعض الملفات العالقة التي سيواصل الأسد لعبه بها كملف الجـ.ـهاديين أو المعتـ.ـقلين الأميـ.ـركيين لديه، في بلاد جرّها الارتياب والنرجـ.سية والتعطّش للسـ.ـلـ.ـطة والتوحش إلى مسارات د.مٍ وعنـ.ـفٍ مافيات وأمراء حـ.ـر.ب، ر.بّما كان من الممكن تجنبها، ولن تتـ.ـعافى منها في المستقبل المنظور، مثل الأسد الذي لن يتعافى من عُقده وبحثه عن الرضا والقبول، إلى الأبد.

المصدر: الجزيرة نت 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *