دراسات

كانت من أعظم الحضارات على مدار 3 قرون.. كيف دخل الإسـ.ـلام إيطاليا ولماذا انهزم المسـ.ـلمون؟

هيومن فويس

صقلية، جزيرة بديعة في البحر المتوسط، والتي تتبع إيطاليا سياسيا، كانت في يوم من الأيام جزءا من تاريخ الجغرافيا الإسـ.ـلامية في عصرها الوسيط، ومن هذه الجزيرة استطاع المسـ.ـلمون أن يتوغلوا تدريجيا نحو الجنوب الإيطالي، ليكونوا على مقربة من روما، عاصمة البابوية الكاثوليكية في العالم أجمع لأول مرة في تاريخ المواجـ.ـهة بين الجانبين، منذ ظهور الإسـ.ـلام.

كان هذا الوجود الإسـ.ـلامي في صقلية مثيـ.ـرا وغريبا في مبتدئه ومنتهاه، وقد استمر ما يزيد على القرنين بقليل، استطاع المسـ.ـلمون فوق الاستيـ.ـطان والتعمير إقامة حضارة، وإبقاء إرث لا يزال شاهدا على وجودهم إلى يومنا هذا من خلال عدة شواهد وبعد ألف عام على رحـ.ـيلهم. فلماذا دخل المسـ.ـلمون جزيرة صقلية؟ وكيف واجهوا القـ.ـوة البيزنطية الجبارة التي كانت تسيطـ.ـر على البحر المتوسط وجُزره حينذاك؟ وما أهم آثارهم وشواهد وجودهم في هذه الجزيرة البركانية الغنّاء؟

ما اكتملت شمس القرن الأول الهجري إلا وقد فتح المسـ.ـلمون كامل بلاد شمال أفريقيا والأندلس، فضلا عن الشام ومصر، وأصبحت المواجـ.ـهة الإسـ.ـلامية البيزنطية أقـ.ـوى من ذي قبل، فقد تقهقر الروم من الشام إلى الأناضول، ومن شمال أفريقيا والأندلس إلى عمق القارة الأوروبية، وأضـ.ـحى البحر المتوسط ساحة المواجـ.ـهة والقتـ.ـال الدائم، والانتقام المتواصل من القو.ات البيزنطية على المدن الساحلية والأساطيل الإسـ.ـلامية، الأمر الذي أد.رك المسـ.ـلمون معه ضرورة إقامة أساطيل وموانئ قوية على سواحلهم الطويلة.

وقد أد.رك العباسيون خطورة هذه الغار.ات فاحتفظوا بدار الصناعة البحرية التي أسسها الأمويون في مديـ.ـنة صور، ثم نقلوها إلى مديـ.ـنة عكا سنة 247هـ/681م، وظلّت هذه المناوشات قائمة بين الجانبين حتى استطاع العباسيون في لحظة ضعف بيزنطية الاستيلاء لفترة من الزمن على جزيرة قـ.ـبـ.ـرص في شرق المتوسط ثم جزيرة كريت فيما بعد، وازدادت نقاط المراقبة البحرية على ساحل بلاد الشام حتى أصبحت مديـ.ـنة طرسوس أحـ.ـد الموانئ العسـ.ـكرية الهجـ.ـومية للقو.ات البحرية الإسـ.ـلامية، وقد استـ.ـغل الطولونيون هذه الموانئ ودور الصناعة البحرية في كلٍّ من الشام ومصر وعملوا على تقويتها وزيادة أساطيلها[1].

كان هذا في الشام ومصر، أما في شمال أفريقيا، فإن المواجـ.ـهة الإسـ.ـلامية البيزنطية لم تتوقف منذ لحظات الفتوح الإسـ.ـلامية الأولى، فقد خرجت أولى الحملات البحرية على جزيرة صقلية وسرديـ.ـنيا القريبة منها في سنة 44هـ/664م، وكان انطـ.ـلاقها من مديـ.ـنة برقة التي كان أسطولها يتلقى إمداداته ودعمه من مصر، وقد تبع هذه الحمـ.ـلة عدد آخر من الحملات كما في سنة 84هــ، وسنة 92هـ، وإن كانت حملات بحرية عابرة لم تستهـ.ـدف الاستيلاء على صقلية والبقاء فيها.

وكانت أولى المحاولات لإنشاء دار لصناعة السفن الحـ.ـربية في تونس على يد واليها آنذاك موسى بن نصير، وكان ذلك سنة 84هـ/703م، وهو أحـ.ـد زعماء الفتح الأندلسي المهمين فيما بعد، وبالفعل أنشأ موسى دار صناعة السفن أو “ترسانة” وربطها بالبحر المتوسط، ثم أمر ببناء مئة مركب، وثمة روايات أخرى تشير إلى أن الوالي حسان بن النعمان هو الذي بنى هذه الترسانة العسـ.ـكرية قبل ولاية موسى بن نصير.

وهكذا صارت تونس مركزا بحريا إستراتيجيا للأساطيل الإسـ.ـلامية منذ نهاية القرن الأول الهجري، ومنها كانت الغزوات تخرج ضـ.ـد الوجود البيزنطي الرومي في البحر المتوسط، فقد أرسل موسى بن نصير الأسطول التونسي سنة 89هـ/707م لمها.جمة قواعد الروم البحرية في الجزر القريبة من الممتلكات الإسـ.ـلامية في شمال أفريقية، فها.جم الأسطول الإسـ.ـلامي جزر منورقـ.ـة وميورقـ.ـة بالقرب من سواحل إسبانيا، ولم تكتفِ بهذا، بل استطاعت أن تضمها إلى السيادة الإسـ.ـلامية[2].

ومنذ تلك اللحظة المهمة في تاريخ القو.ات البحرية الإسـ.ـلامية، أد.رك المسـ.ـلمون ما لجزيرة قوصرة القريبة من السواحل التونسية والواقعة في منتصف المسافة مع صقلية من أهمية إستراتيجية واقتصادية، وقد أشاد الجغرافيون والرحـ.ـالة المسـ.ـلمون بموقع هذه الجزيرة الممتاز؛ لأنها “قبالة إفريقية بالقرب من تونس، وبينها وبين صقلية مجرى، ويُجلب منها التين والقطن، وقد صمم موسى بن نصير سنة 88هـ/707م على الاستيلاء على هذه الجزيرة، واتخاذها قـ.ـاعـ.ـدة أمامية لأسطوله في صد هـ.ـجمات الروم البيزنطيين، وانتدب لهذه المهمة واحـ.ـدا من أمهر قا.دته وهو عبد الملك بن قطن الفهري، وقد نجح عبد الملك في مهمته نجاحا باهرا، واستطاع ضم جزيرة قوصرة القريبة من صقلية إلى ولاية إفريقية أو تونس”[3].

ومن قوصرة، وفي ظل الحكم الأموي والخلفاء العباسيين الأوائل قبل هارون الرشيد، كانت الأساطيل والسفن الحـ.ـربية تخرج للإغـ.ـارة على جزيرة صقلية، واستطاعت أن تُنزل التخريب والتد.مـ.ـير بأسطول الروم الراسي في موانيها، ويوما بعد يوم كان المسـ.ـلمون يزدادون خبرة بهذه الجزيرة، ومواقعها، وأهميتها في البحر المتوسط، وفي ر.د.ع الروم عن الإغـ.ـارة على السواحل والمدن الإسـ.ـلامية.

في العام 184هـ/800م أصدر الخليفة العباسي هارون الرشيد قراره بتولية إبراهيم بن الأغلب التميمي على ولاية أفريقية “تونس”، وجعلها في عقبه وذريته من بعده، شريطة التبعية السيـ.ـاسية والمالية، بإرسال الخراج المطلوب سنويا كل عام إلى بغداد، وكانت هذه السياسة اللا مركزية التي اتخذها العباسيون تنم عن حكمة كبيرة، برفع الحرج والتكاليف عن كاهل العباسيين وفي الوقت ذاته الاستفادة من هذه الولايات، طالما أعلنت التبعية والبيعة للخليفة العباسي.

خضـ.ـع العرب والبربر لتقليد الولاية، ودانوا بالطاعة لإبراهيم بن الأغلب، وكان أميـ.ـرا على قدر كبير من الحكمة والدُّربة السيـ.ـاسية، واستطاع بعد فترة قصيرة من تسلمه زمام الولاية أن يُقصي المنافسين والثوار والخارجين عن طاعته إلى العراق، وأن يعيد اللُّحمة القوية بين عناصر السكان من العرب والبربر، وقد توسعت دولته حتى وصلت إلى طرابلس الغرب “غرب ليبيا اليوم”، واستقرت الدولة له ولأبنائه من بعده[4].

في أواخر عام 201هـ/817م ارتقى لعرش الدولة الأغلبية في أفريقية الأميـ.ـر زيادة اللـ.ـه بن إبراهيم بن الأغلب، وهو أعظم ملوك هذه الدولة على الإطـ.ـلاق، وأعلاهم صيتا، وأبعدهم نظرا في الأمور، فقد كان قـ.ـويا عنيدا، يد.رك خطورة العناصر الثـ.ـورية الكامنة في الجيـ.ـش الأغلبي، فاستطاع قهرهم بعناصر الفرق السوادنية “الزنج” في جيـ.ـشه، ثم أد.رك بعد ذلك أن التوجه صوب الفتوحات والغزو هو السبيل الأفضل لدولته ولجيـ.ـشه وللسكان كافة، فأمر منذ فترة مبكرة من ولايته بإعداد الأسطول، وحشــ.ـد الجـ.ـنود، وأمر بخروجها إلى جزيرة سردانية القريبة من صقلية، وهي يومئذ تابعة للروم البيزنطيين، فهزموهم في عدة مواقع منها، وعاد الأسطول منصورا وسط احتفالات صاخبة في العاصمة الأغلبية العباسية القريبة من القيروان[5].

لم يكن زيادة اللـ.ـه بن الأغلب ليغفل عن مراقبة الأحوال الجارية في البلاد الإيطالية، فقد علم في سنة 212هـ/827م أن إمبراطور الروم بالقسطنطينية استعمل على جزيرة صقلية بطريقا اسـ.ـمه قسطنطين، وأن هذا البطريق الذي تولى الزعامة السيـ.ـاسية والديـ.ـنية في الجزيرة عيّن قـ.ـائدا ماهرا على الأسطول اسـ.ـمه فيمي، الذي قرر على الفور غزو السواحل الأفريقية “تونس وما يجاورها”، ونجحت غار.اته في إيقاع الرعب، والاستيلاء على مغانم وسبي كثير، واستطاع فيمي بعد ذلك على إثر خـ.ـلاف داخلي أن يظفر بملك الجزيرة، لكن هذه الزعامة لم تد.م له بسبب تجدد المعـ.ـارضة المسـ.ـلحة أمامه، الأمر الذي اضطره إلى اللجوء إلى الأميـ.ـر الأغلبي زيادة اللـ.ـه يستنجده، ويعده بملك جزيرة صقلية[6].

كان زيادة اللـ.ـه الأغلبي وجمْع من كبار العلماء وأهل الحل والعقد مثل الإمام سحنون والقاضي أسد بن الفرات وغيرهم قد اجتمعوا لبحث مسألة غزو صقلية والاستيلاء عليها، وقد انقسـ.ـم الحاضرون إلى فريقين، فريق تزعمه العلامة سحنون المالكي الذي رأى خطورة الجزيرة لقربها من الشاطئ الإيطالي، وسهولة غزوها واستئصال المسـ.ـلمين منها حـ.ـال ضعفهم، وتأخر وصول المدد إليهم من تونس مقارنة بإيطاليا، وفريق آخر تزعّمه زيادة اللـ.ـه والقاضي ابن الفرات حيث رأى أن هذه فرصة ذهبية لسـ.ـحق البيزنطيين وإقامة الجـ.ـهاد وتبعية الجزيرة للمسـ.ـلمين، وهي الجزيرة الإستراتيجية في البحر المتوسط.

وفي نهاية المطاف، رجحت كفة زيادة اللـ.ـه، وجعل قيادة الجيـ.ـش والأسطول إلى القاضي أسد بن الفرات وانضم لهم أشراف العرب والبربر والأندلسيين وأكابر رجال العلم والمجتمع الأفريقي، وانطـ.ـلقوا من مديـ.ـنة سوسة في شهر ربيع الأول سنة 212هـ/827م، ووصلوا إلى الجزيرة، فدكّوا حصونها، وسـ.ـحقوا جـ.ـيوشها، وأغرقوا أساطيلها، واستولوا على أهم مدنها تباعا مثل مازرة وبلاتة وقلورية.

على أن هذه الفتوحات قد زلزلت القسطنطينية التي أرسل إمبراطورها دعما عسـ.ـكريا وبحريا هائلا، ووصل هذا الدعم لمواجـ.ـهة قو.ات المسـ.ـلمين التي كانت تُحـ.ـاصر مديـ.ـنة سركوزة في قلب الجزيرة، وهناك دارت رحى معـ.ـركة عسـ.ـكرية كبيرة، استُشهد فيها القاضي والمجاهد أسد بن الفرات في شهر ربيع الأول سنة 213هـ/828م، وصمد المسـ.ـلمون في قتـ.ـالهم، وجاءهم المدد من أفريقية في أسطول ضخم قُدّر بـ 300 سفينة، واستطاعوا بعد شهور طويلة من القتـ.ـال والكر والفر هزيمة البيزنطيين، والاستيلاء على واحـ.ـدة من أهم وأقد.م مدن الجزيرة مديـ.ـنة بلِرم “بليرمو” التي دخلوها في شهر رجب سنة 216هـ/831م.

ومنذ ذلك التاريخ تتابعت الفتوحات الإسـ.ـلامية في أرجاء صقلية كاملة، بل وبدءا من عام 220هـ/835م استطاعت القو.ات الإسـ.ـلامية الانطـ.ـلاق إلى جنوب إيطاليا، وحصار واحـ.ـدة من كبريات مدنها “نابولي”، الأمر الذي أحـ.ـدث صد.مة كبيرة في الأوساط البيزنطية والرومانية على السواء، حيث توسع الوجود الإسـ.ـلامي في جنوب إيطاليا حتى الاستيلاء على جزء كبير من السواحل الإيطالية الواقعة على البحر الأدرياتيكي

في عهد الحكم الأغلبي كان اتجاه الفتوحات في صقلية من الغرب إلى الشرق، لا سيما من مديـ.ـنة مازر وبلرمو، وقد كانت الحـ.ـرب سجالا لمدة أربع سنوات حتى عام 831م، وخلال السنوات العشر التالية، أي من سنة 831م إلى سنة 841م، شدّد العربُ من قبـ.ـضتـ.ـهـ.ـم على إقليم مازر، حيث أقاموا مسـ.ـتوطـ.ـناتـ.ـهـ.ـم الأولى، ونقلوا الرقيق والفلاحين للعمل في مزارعهم التي دعمت من وجودهم، ومن الازدهار الاقتصادي في الجزيرة، وخلال السنوات الثماني عشرة التالية، أي من سنة 841م إلى سنة 859م/226-242هـ، ضاعفَ العربُ من مجهودهم لإخضاع إقليم نوطس الخصيب، وبعد سنة 860م/246هـ، جدُّوا في المرحلة الأخيرة لافتتاح إقليم د.منش الذي نجحوا آخر الأمر في الاستيلاء عليه سنة 902م/289هـ[8].

سقطت الدولة الأغلبية واستولى العبيديون الفاطميون على أقاليمهم في أفريقية بارتقاء المهدي للعرش منذ سنة 297هـ/338م، وتأسيس العاصمة الجديدة “المهدية”، وحين استتبت الأوضاع له، أرسل إلى صقلية بعض ولاته لضمان تبعيتها، على أن استقبال أهل الجزيرة لهؤلاء الولاة لم يكن مثل سابقهم الأغالبة السنة.

فقد كان تشيع الفاطميين وغلوهم سببا كافيا لمقاومتـ.ـهـ.ـم، ومحاولات فـ.ـرض الصقليين شروطهم، لكن الخليفة الفاطمي المهدي لم ينصع لهم، وأرسل إليهم عددا من الولاة الأشداء قساة القلوب؛ مثل سالم بن أبي راشد، ومن بعده خليل بن إسحاق، مدعومين بقو.ات عسـ.ـكرية كبيرة؛ حيث استطاعت سـ.ـحق الثـ.ـورات كافة في الجزيرة، حتى إن خليل بن إسحاق افتخر بكثرة عدد قـ.ـتلاه من سكان صقلية المسـ.ـلمين قائلا: “إني قـ.ـتلتُ ألف ألف يقول المكثر، والمقلل يقول: مئة ألف في تلك السفرة، ثم قال: لا واللـ.ـه إلا أكثر؛ فردّ عليه واحـ.ـد من الجمـ.ـاعة بقوله: يا أبا العباس لك في قـ.ـتل نفس واحـ.ـدة ما يكفيك”[9].

على أن صقلية تنفّست الصعـ.ـداء حين جاءها الحسن بن علي بن أبي الحسين من أسرة بني كلاب عام 336هـ، أخلص العائلات إلى الفاطميين، وتميز الحسن بالسيرة الطيبة، وإقامة العدل، وعد.م التعدي على حقـ.ـوق الناس ود.مائهم، فأحـ.ـبّته صقلية، وبقي فيهم خمس سنين حتى توفاه الأجل، فحزن عليه أهلها أشد الحزن، ثم تعاقبَ على حكم الجزيرة من الكلبيين عشرة ولاة في مدة خمس وتسعين سنة شهدت في أثنائها تقد.ما في الحياة العمرانية وفي العلوم والآداب، كما شهدت جهادهم المستمر في جنوب إيطاليا وفي مقاومة أطـ.ـماع الروم في الجزيرة. وأخلدت صقلية إلى الهدوء، وجنَت من ذلك خير الثمار. وكان من أسباب هذا الهدوء انشغال الجند في أكثر الأوقات بالحـ.ـروب في جنوبي إيطاليا، وإخلاص الكلبيين في الدفاع عن صقلية، واعتبار أنفسهم مستقلين استقلالا داخليا في شؤون الجزيرة

وبعد مضي ما يقرب من قرن على حكم الكلبيين، دخلت صقلية في دوامة من الفوضـ.ـى والثـ.ـورة والعنـ.ـف، وظهر عدد من الثائرين الذين أراد كل منهم التفرد بحكم الجزيرة أو أجزاء منها، في الوقت الذي تحول فيه الفاطميون إلى القاهرة، وأضـ.ـحت أفريقية عرضة للثـ.ـورات والنهب والضياع، وفقد أهل صقلية أهم داعم لهم من وقود وعون أهل تونس حين غاصت في مستنقع التمرد والقـ.ـتل.

كان العهد الجديد أشبه ما يكون بعهد ملوك الطوائف في الأندلس، فسرعان ما استأثر كل أميـ.ـر بقطـ.ـعة من الجزيرة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحـ.ـد؛ إذ ما لبث أن اشتبك اثنان من أكـ.ـبر هؤلاء الأمراء وهما ابن الثمنة وعلي بن نعمة، وحين انهزم ابن الثمنة راح يستنجد بالأعداء النورمان الذين كانوا يحكمون أجزاء من وسط وجنوب إيطاليا، فلبّوا النـ.ـد.اء، واستـ.ـغلوا التشرذم الإسـ.ـلامي في الجزيرة، واستطاعوا دخولها بسهولة كبيرة سنة 444هـ/1053م[11]؛ لتضيع السيادة الإسـ.ـلامية على الجزيرة إلى الأبد بعد حكم دام قرنين ونيف.

شهدت الجزيرة في ظل الحكم الإسـ.ـلامي نهضة حضارية في المجالات الاقتصادية والثقافية والعمرانية كافة، فقد أدخل المسـ.ـلمون إلى صقلية كثيرا من أنواع الزراعة، حيث جاءوها بالليمون والبرتقال والقصب والأرز والنخيل والقطن والبردي، حتى نشأت في صقلية أساليب زراعية تلائم بيئتها، وأصبحنا نسـ.ـمع في كتاب الفلاحة بما يسـ.ـمى طريقة صقلية في زراعة البصل مثلا، أو عادة أهل صقلية في زراعة القطن، أو طريقهم الخـ.ـاصـ.ـة في عمل معنب من عصير العنب الحلو. وأكثر الناس من زراعة الخضراوات، وبعض أنواعها أدخله المسـ.ـلمون إلى الجزيرة. وكانت بلرم وضواحيها عامرة بالبساتين والأجنة والطواحين على وادي عباس. وكانت الأراضي السبخة القريبة منها مزروعة بالقصب الفارسي وبالمقاثي الصالحة[12].

كما شهدت الجزيرة حركة ثقافية وعلمية نشطة للغـ.ـاية، وقد نقل الرحـ.ـالة الشهير ابن حوقل صاحـ.ـب الموسوعة الجغرافية “صورة الأرض” خلال زيارته لصقلية في غضون القرن الرابع الهجري صورة متقنة عن الأحوال الاجتماعية والعمرانية لصقلية في ذلك الوقت، خـ.ـاصـ.ـة مديـ.ـنة بلرمو التي لاحظ فيها كثرة المساجد والمعلمين، ورأى أن عدد المساجد في بلرمو آنذاك زاد على مئتي مسـ.ـجد، ومن شـ.ـدة اندهاشه من هذا العدد أكّد أنه لم يرَ مثل هذا العدد في بلد من البلدان الكبار اللـ.ـهم إلا قرطبة عاصمة الأندلس التي اشتُهرت حينذاك بكثرة المساجد

وكان أهل صقلية يبجّلون المعلمين، ويرونهم أنهم “أعيانهم ولبابهم وفقهاؤهم ومحصلوها وأرباب فتاويهم وعـ.ـدولهم، وبهم يقوم الحلال والحرام وتُعقد الأحكام، وتنفّذ الشهادات وهم الأدباء والخطباء”[14] كما يقول ابن حوقل، ولعل هذا التبجيل والمبالغة في التعلم وإقامة المساجد كان راجعا لكون الجزيرة ثغرا في مواجـ.ـهة دائمة مع الجيران البيزنطيين والإيطاليين وغيرهم من القـ.ـوى المسـ.ـيحية المناوئة، فحرص أهل الجزيرة على النهضة الثقافية الإسـ.ـلامية، والتمسك بأهداب ديـ.ـنهم وتشريعاتـ.ـهـ.ـم التي رأوا تحقيقها من خلال المسـ.ـجد والمعلم.

وعلى الرغم من دخول النورمان المسـ.ـيحيين إلى الجزيرة واستيلائهم عليها بقيادة روجر الأول، وتخريب كثير من قرى المسـ.ـلمين، وفـ.ـرض الضرائب عليهم، فقد نعم المسـ.ـلمون في ظل حُكّامها الأوائل ببعض الحرية في العبادات وإقامة الشعائر والتقاضي، وساهموا بنصيب وافر في الشؤون السيـ.ـاسية والاقتصادية والثقافية والعسـ.ـكرية في الجزيرة، على أن هجرة اللمبارد الطليان والفرنسيين إلى الجزيرة قد حوّلت حياة المسـ.ـلمين إلى الجحيم، فقد أُجبروا على فقدان ممتلكاتـ.ـهـ.ـم من الأراضي الزراعية الخصبة[15].

وفي ولاية روجر الثاني استمر العمل بالسياسة ذاتها التي اتخذها والده، فأشرك كثيرا من الفرسان المسـ.ـلمين في الجيـ.ـش النورماندي، ولم يهتم كثيرا بتنصير المسـ.ـلمين، وضغوط البابوية في روما التي كانت تتـ.ـهـ.ـمه بالتواطؤ مع المسـ.ـلمين، بل كان كثير من حرسه الخاص من المسـ.ـلمين، واستقد.م العلامة الجغرافي الشـ.ـريف الإدريسي ووهبه أموالا طائلة لصنع أول مجسـ.ـم مصنوع من الفضة للكرة الأرضية، وأهدى له الإدريسي مؤلفه الجغرافي الفذ “نُزهة المشتاق في اختـ.ـراق الآفاق”، والذي مدح فيه الإدريسي الملك روجر الثاني، ووصفه بأنه “خير مَن ملَك الروم بسطا وقبـ.ـضا، وصرَف الأمور على إرادته إبراما ونقـ.ـضا، ودانَ في ملّته بديـ.ـن العدل، واشتمَل عليهم بكنف التطول والفضل، وقام بأسباب مملكتِه أحسن قيامٍ، وأجرى سنن دولته على أفضل نظـ.ـام”

غير أن ضغوط البابوية لاقت في نهاية حكم روجر أثرها، ورضخ هذا الملك إلى تلك الدعاوى، وبدأ في اتخاذ سياسة تنصير المسـ.ـلمين، وكان قرار تجريد المسـ.ـلمين من سـ.ـلاحهم في عصر سلفه وليام الأول بداية النهاية الحقيقة للمسـ.ـلمين في الجزيرة، فقد وقعوا فريسة سهلة لسخط البارونات النورمان واللمبارد، الذين أنزلوا بموظفي القصر من المسـ.ـلمين مذبـ.ـحة، ثم سرعان ما انتشرت المذابح في الأرياف والأرباض، ثم المدن الكبرى مثل باليرمو، وهـ.ـرب المسـ.ـلمون إلى الأحراش والجبال النائية فقاموا بعدة ثـ.ـورات ضـ.ـد هذه المظالم التي استطاع وليام الأول قـ.ـمعها بسهولة.

وقد أعطانا الرحّالة الأندلسي ابن جبير البلنسي الذي زار الجزيرة في أيام الإسـ.ـلام والمسـ.ـلمين الأخيرة فيها في زمن الملك وليام الثاني سنة 580هـ/1185م، فروى مشاهد مروّعة ومؤلمة عما كان يحيق بالمسـ.ـلمين حينذاك من مذابح واستئصال ممنهج، وتنصير قسري، ومنع الصلوات، وتحويل المساجد إلى كنائس، ورأى أن الجمـ.ـاعة المسـ.ـلمة في بلرمو كانت أحسن حـ.ـالا من غيرهم، لكن ما أد.مى قلبه ذلك الرجل الصقلي المسـ.ـلم الذي عرض عليهم أن يأخذوا ابنته الصغيرة بعيدا عن هذه الجزيرة التي تضطهد المسـ.ـلمين، وتوقع فيهم المذابح، ويعتنوا بها، ثم يُزوّجوها من يرونه صالحا من المسـ.ـلمين في الأندلس، وكان مشهدا أبكى الجميع كما يقول ابن جبير[17].

كانت تلك هي الأيام الأخيرة للإسـ.ـلام في صقلية، ومن بعدها ازدادت المذابح، وأصبح المسـ.ـلمون بين قتـ.ـيل ومُهجّر ومنصّر، وغابت شمس الإسـ.ـلام بعد أكثر من قرنين على دخولهم فيها بقيادة القاضي والفقيه أسد بن الفرات، لتبقى تلك الأحـ.ـداث شاهدة على هذا الوجود ومبتداه، وذلك المصير المأساوي ومنتهاه!

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.