دراسات

معـ.ـركة وادي المخازن.. حين أبـ.ـاد المغاربة جـ.ـيوش البرتغال

هيومن فويس

معـ.ـركة وادي المخازن.. حين أبـ.ـاد المغاربة جـ.ـيوش البرتغال

منذ سقوط الأندلس في عام 897هـ/1492م، وهجرة الأندلسيين جمـ.ـاعات وأفراد إلى بلاد المغرب ومصر والشام وأقطار الدولة العثمانية، ومع هـ.ـجمات الإسبان والبرتغاليين والقـ.ـوى الصلـ.ـيبية الأخرى التي لم تتوقف أو تنقطـ.ـع، سواء على السفن الإسـ.ـلامية في البحر المتوسط أو على المدن المغاربية في تونس والجزائر والمغرب الأقـ.ـصى حتى صارت تلك الهـ.ـجمات جحيما مؤرقا.

ومنذ بداية القرن السادس عشر الميلادي وترنح المماليك ثم سقوطهم أمام العثمانيين في كلٍّ من بلاد الشام ومصر، أصبحت بلاد المغرب هدفا تاليا للطموح العثماني في كلٍّ من عصرَيْ السلطانين سليم الأول وابنه السلطان سليمان القانوني (1516-1566م) في النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي.

ولم يكن لدى دول المغرب، وهي الدولة الحفصية في المغرب الأدنى (تونس)، والدولة الزيّانية في المغرب الأوسط (الجزائر)، والدولة الوطّاسية في المغرب الأقـ.ـصى، سوى الاستعانة بقـ.ـوة العثمانيين الصاعدة أمام هـ.ـجمات الإسبان والبرتغاليين القاتلة، لكنّ بعضا من هؤلاء الحكّام كان يرى في التعاون مع العـ.ـدو الإسباني أو البرتغالي أمرا لا مفر منه؛ إما بدافع الاضطرار بعد احتـ.ـلال هؤلاء لكثير من سواحل المغرب، وإما بدافع الخيـ.ـانة والانسحاق، وقد أدّت تلك الحوادث المتتابعة من الهزيمة والخيـ.ـانة إلى وقوع معـ.ـركة وادي المخازن أو الملوك الثلاثة في الثلث الأخير من القرن السادس عشر.

فكيف أدّى تدخـ.ـل الأتراك في شمال المغرب العربي إلى وقوع هذه المعـ.ـركة؟ ومن أبرز هؤلاء الملوك الذين سقطوا في تلك المعـ.ـركة والتي سُميت بأسـ.ـمائهم؟ وكيف تمدّد نفـ.ـوذ الإسبان والبرتغال في أقطار المغرب العربي بعد سقوط الأندلس؟ وما النتائج الكبرى التي ترتبت على هذه المعـ.ـركة والتي أطـ.ـلق عليها بعض المؤرخين اسـ.ـم “بواتييه” المغرب؟!

ذلك ما سنراه في قصتنا التالية.

شهدت بدايات القرن السادس عشر الميلادي تحولا كبيرا مع الأتراك العثمانيين باعتبارهم أقـ.ـوى الدول الإسـ.ـلامية حينذاك، لا سيما في عهدَيْ سليم الأول وسليمان القانوني، إذ حمل السلطان العثماني لقب خاد.م الحرمين الشـ.ـريفين، وربما حمل لقب الخـ.ـلافة، الأمر الذي أد.رك معه المغاربة أن التطلع لهذه الدولة أو السلطنة الكبرى أمر لا مفر منه لدفع عادية الإسبان والبرتغاليين ومظاهر الاستعمار لبلاد المغرب العربي.

وكان الوجود العثماني في بلاد المغرب بداية بالدور العسـ.ـكري الذي قام به إخوان بربروسا الذين استقروا في ميناء جيجلي الجزائري وتسيّدوه، وكانوا أربعة إخوة، هم عروج وإلياس وإسحاق وخير الديـ.ـن، ويصل نسبهما إلى أب تركي وأم أندلسية عاشا حياة الجـ.ـهاد العثماني انطـ.ـلاقا من جزيرة ميدلّي في بحر إيجة التابعة لليونان اليوم، قد انطـ.ـلق هؤلاء اليوم في خد.مة الجـ.ـهاد البحري الإسـ.ـلامي تجاه المد البرتغالي والإسباني وأساطيل البنـ.ـدقيـ.ـة وجنوة وغيرهم من الأوروبيين، كما اتخذ عروج من مدينة أو جزيرة جربة التونسية أولى قواعده في بلاد المغرب الكبير[1].

ثم سرعان ما توغل الأتراك العثمانيون بطلب من الحفصيين حكام المغرب الأدنى والزيانيين حكام المغرب الأوسط، فأقطـ.ـعهم السلطان الحفصي مناطق حلق الوادي، واستطاع عروج أن يُحرِّر مدينة جيجل التي احتـ.ـلّها الجنويون الطليان سنة 1514م، وفي عام 1516م أرسل السلطان العثماني سليم الأول ميرا سنويا، وعتادا، وسِكة (عملة) عثمانية إلى عروج وإخوته في أول مظاهر السيادة العثمانية على تلك المناطق. ورأت المدن التونسية والجزائرية ووجوه الناس وأشرافها منذ ذلك التاريخ في الوجود التركي حصنا لهم، بعد أن كانوا قد اضطروا إلى دفع الجزية للإسبان بعد نكبة وهران سنة 1509م التي انتصر فيها الإسبان على بني زيّان حكام تلك المناطق، وأعلن السلطان الزياني أبو حمّو الثالث تبعيته وخضوعه المباشر للسيادة الإسبانية[2].

وفي المغرب الأقـ.ـصى، تعرّضت سواحله لغـ.ـارة شـ.ـرسة من البرتغاليين والإسبان أيضا منذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي، وقد بدأت تلك الغار.ات حين وقع نـ.ـزا.ع بينهما حول ملكية جزر الكنـ.ـاريا التي اعتبرها كلٌّ من الطرفين نقطة انطـ.ـلاق وتوسُّع في غرب أفريقيا، ولأهمية هذه الجزر لم يشأ كلٌّ منهما التنازل عنها للآخر، وقد تدخـ.ـلت الباباوية لحل هذا النـ.ـزا.ع، وفي أثناء ذلك كانت السفن الإسبانية والبرتغالية تتوقف للتزود بالمؤن أو للتبادل مع مناطق شمال المغرب وسواحله، فعرفوا كثيرا من أخبار البلاد، ووقفوا على ضعف الدولة المرينية في فاس وعجزها عن إدارة شؤون البلاد العامة، وما وقع إثر ذلك من طواعين ومجاعات استـ.ـغلّها البرتغاليون في احتـ.ـلال مدينة سبتة سنة 1415م

وفي عام 1454م أعطى البابا نيقولا الخامس للبرتغاليين براءة تجعل “سبتة” والممتلكات الأخرى التي احتـ.ـلوها في غرب أفريقيا من نصيب التاج البرتغالي، وحثّ البابا البرتغاليين والإسبان على عد.م التواني عن حـ.ـرب المسـ.ـلمين، ولم تمضِ أعوام قليلة على هذه البراءة حتى احتـ.ـل البرتغاليون مدينة “القصر الصغير” المغربية الواقعة على مضيق سبتة وطنجة في أكتوبر/تشرين الأول سنة 1458م، وكان على رأس الحمـ.ـلة الملك البرتغالي ألفونسو الخامس، ثم لم يتوانَ البرتغاليون عن الهجـ.ـوم على مدن أخرى تكلّلت باحتـ.ـلالهم مدينة “أصيلا” في أغسطس/آب 1471م، فقويت شوكتـ.ـهـ.ـم في شمال المغرب، وطمحوا في اتخاذ هذه المراكز الساحلية الشمالية للانطـ.ـلاق إلى عمق البلاد واحتـ.ـلالها[4].

وقد دخل الإسبان ضـ.ـد البرتغاليين في منـ.ـافـ.ـسة حامية لاحتـ.ـلال بعض المدن المغربية، بل والاستيلاء على ما احتـ.ـلّه البرتغاليون، فاحتـ.ـل الإسبانيون سنة 1506 مدينة “غصاصة” أو غساسة “في إقليم الناطور” شمال المغرب، بينما فـ.ـرض البرتغاليون سيطـ.ـرتـ.ـهـ.ـم على منطقة الصويرة ثم آسفى سنة 1508م، وفي العام نفسه احتـ.ـل الإسبان “حجرة بادس”، وفي عام 1509م وقع اتفاق بين الفريقين المتنـ.ـافسين على اقتسام مناطق النفـ.ـوذ بينهما، وأصبحت معظم سواحل المغرب الشمالية والغربية ومدنه وموانئه وحصونه واقعة تحت الاحتـ.ـلالين البرتغالي والإسباني، في لحظات كانت البلاد تتعرّض فيها لفـ.ـتن ومصاعب داخلية لا تكاد تنتهي[5].

كانت أكـ.ـبر الفـ.ـتن التي تعرّضت لها أقاليم وبلدان المغرب الأقـ.ـصى الداخلية منذ نهايات عصر المرينيين وخلفائهم الوطّاسيين حكام البلاد الجدد فيما بين عامَيْ (1472-1552م)، وتحت وطأة الاحتـ.ـلال الأجنبي لسواحل البلاد الشمالية والغربية، أنه قد عجزت هذه السلطات عن صيانة الأمـ.ـن والدفاع عن البلاد، الأمر الذي أدّى إلى انتشار الفوضـ.ـى والفـ.ـتن وتجزئة المغرب إلى وحـ.ـدات شبه مستقلة بعضها أملتها ضرورة الجـ.ـهاد ومقـ.ـاتـ.ـلة العـ.ـدو المحتـ.ـل للسواحل، مثلما حـ.ـدث في مدن شفشاون والقصر الكبير وتطوان[6].

وبسبب هذه الفـ.ـتن والتفتُّت الداخلي للمغرب الأقـ.ـصى، وعد.م قدرة الوطّاسيين على حسـ.ـم الأمور وقيادة البلاد أو مواجـ.ـهة العـ.ـدو بنجاح، فقد ظهر حينذاك اتجاهان؛ الأول يُمثِّله أصحاب المصالح الضيقة والشخصية في المناطق القريبة من العـ.ـدو البرتغالي الذين رأوا في الدخول في طاعته ومهادنته والتقرب منه مصلحة وضرورة، وقد أفاد المحتـ.ـل من هؤلاء العملاء ببناء الحصون والقلاع وبسط نفـ.ـوذه على المناطق القريبة في الشمال، واتجاه آخر من المؤمنين الشرفاء الذين آلمهم ما تصل إليه بلدانهم من الانحـ.ـدار والتشتت والاحتـ.ـلال وممالأة العـ.ـدو واستباحته وظهوره، وقد تجلّت هذه الدعوة الجديدة في مناطق الجنوب المغربي في بلاد السوس بوجه خاص، وقد رأت هذه الدعوة أن الموافقين بالحمـ.ـاية البرتغالية في حكم الخارجين عن الإسـ.ـلام، وبدأ رؤساء القبائل وكبار المشايخ الصوفية والعلماء في البحث عن الشخصية الأقدر على تحمل مسؤولية الدفاع عن الإسـ.ـلام وصيانة التراب المغربي من حـ.ـالة الانحطاط والتشرذم والاحتـ.ـلال التي بلغتها آنذاك.

ولقد رأى وجوه القوم في مناطق السوس بجنوب المغرب أن الأقدر على حمل تلك الأمانة وقيادة هذه المهمة رجل من أشراف الناس، يعود نسبه إلى آل البيت من نسل محـ.ـمد النفس الزكية، وهو الشيخ الشـ.ـريف محـ.ـمد بن عبد الرحمن الحسني الذي كان يسكن مع قومه في مناطق درعة ببلاد السوس، وقد اشتهر بسعة العلم و”التمسك بسيرة السلف الصالح من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، كما يصف الزياني في تاريخه “المغرب في دول المشرق والمغرب”. ومنذ عام 1510م/916هـ بزغت الدولة السعدية، التي أطـ.ـلق عليها المغاربة هذا اللقب لأنهم سعـ.ـدوا في عهدها وشعروا بالأمـ.ـن والسكـ.ـينة من بعد الاحتراب والفـ.ـتن[7].

استطاع السعديون القـ.ـضاء على الحكم الوطاسي ومقاومة النفـ.ـوذ البرتغالي واستعادة بعض حصونهم وموانئهم الشمالية مثل “سانتا كلوز”، وقد فتح السعديون ذراعيهم للعثمانيين الأتراك جيرانهم في الجزائر وتلمسان للتعاون ضـ.ـد المحتـ.ـلين الإسبان والبرتغال، كما تمكَّنَ السعديون من استعادة مدن أصيلا والقصر الكبير من الاحتـ.ـلال البرتغالي وتوحيد أجزاء واسعة من المغرب الأقـ.ـصى، حتى إنهم استطاعوا الاستيلاء على مدينة تلمسان من الأتراك، وكانت البداية الأخـ.ـطر للخـ.ـلاف التركي المغربي، لكن سرعان ما استعاد العثمانيون تلسـ.ـمان، بل توسعوا حتى تمكّنوا من السيطـ.ـرة على فاس ذاتها في يناير/كانون الثاني 1554م، لكن عاد السعديون وتمكّنوا من استرداد مدينتـ.ـهـ.ـم ووقفوا حائط صد ضـ.ـد توسع العثمانيين في المغرب الأقـ.ـصى[8].

أد.رك السعديون مطامع العثمانيين في التوسع على حسابهم، فعملوا على علاقات متوازنة مع الإسبان والبرتغال والإنجليز من جانب، ومع العثمانيين من جانب آخر، وكانت وفـ.ـاة السلطان السعدي الثالث أبي محـ.ـمد الغالب باللـ.ـه عام 1574م وتولية ابنه المولى محـ.ـمد المتوكل على اللـ.ـه بداية لدخول المغرب إلى مرحلة حاسـ.ـمة من تاريخه، لا سيما أن المتوكل على اللـ.ـه اتخذ إستراتيجية التقرب من الدول المسـ.ـيحية ومسالمتها لصد خـ.ـطر العثمانيين بمَن فيهم الإنجليز الذين أرادوا توسيع دورهم التجاري مع المغرب كما فعل والده.

وكانت سلطنة الغالب باللـ.ـه قد شهدت أول التشققات الداخلية في البيت السعدي حين لجأ إخوته الثلاثة عبد المؤمن وعبد الملك وأحمد إلى العثمانيين في الجزائر وتونس طالبين منهم المساعدة لخلع أخيهم من العرش السعدي لتعاونه مع الإسبان والبرتغاليين، وعد.م دخوله مع التحـ.ـالف الإسـ.ـلامي التركي، ولكن السلطان الغالب تجاوز هذه المناورة من إخوته بإقامة علاقات دبلوماسية هادئة مع الدولة العثمانية بدفع مبالغ مالية كبيرة كل عام، الأمر الذي هدّأ من حِدّة هذه التشققات وقتيا، وجعلت السلطان الغالب في موقف الممسك بمقاليد الأمور.

بيد أن وفاته وصعود ابنه المتوكل على اللـ.ـه سنة 981هـ/1574م الذي اتخذ إستراتيجية والده في التقارب مع القـ.ـوى الأوروبية قد هيّج أعمامه عبد الملك وأحمد المنصور وعبد المؤمن لعودة الاتصال بالأتراك العثمانيين وحثّهم على إزاحة هذا السلطان الجديد، وكان أتراك الجزائر وولاتها العثمانيون عازمين على الانتقام من المتوكل لتحـ.ـالفه العلني مع الأوروبيين ضـ.ـدهم، وفي هذه المرة أمدّ الأتراك الأعمام الثلاثة ضـ.ـد ابن أخيهم بكل ما يحتاجون إليه من رجال وسـ.ـلاح لا سيما بعد انتصارهم على الإسبان وإضعافهم في تونس.

ولقد عادت مراكش وفاس إلى ما كانتا عليه أحوالهما أيام بني وطاس من الضعف والفـ.ـتن جراء منافسات أمراء البيت السعدي، والتي كان من جرائها عودة النشاط السياسي إلى أصحاب الرباطات من الصوفية والأتراك العثمانيين والنصارى الإسبان والبرتغال وزيادة نفـ.ـوذهم وتدخـ.ـلهم في الشؤون الداخلية، وأعطى السلطان العثماني قراره وتفويضه وعونه العسـ.ـكري لعبد الملك السعدي، الذي كان متزوجا من ابنة أحـ.ـد الباشاوات العثمانيين، بغزو فاس ومراكش، كما أمر والي الجزائر التركي بمساعدته على خلع المتوكل من العرش السعدي[9].

وبالفعل انطـ.ـلق عبد الملك وأحمد المنصور وعبد المؤمن السعدي مع والي الجزائر العثماني نحو المغرب، وكانت القبائل والجموع المـ.ـؤيدة لهم مستعدة لذلك التدخـ.ـل، فلما اقتربت هذه القو.ات من دخول فاس انضم رئيس جند الأندلسيين في جيـ.ـش المتوكل إلى عبد الملك والعثمانيين، وكان “جند الأندلسيين” من أهم الفِرَق وأكثرها قـ.ـوة واستعدادا وكثرة عددية وحرفية، غير أنهم كانوا يُكنّون الكـ.ـراهية والحـ.ـقـ.ـد للسلطان الغالب وابنه المتوكل لتحـ.ـالفهما وتعاونهما مع أعدائهم الأقد.مين من الإسبان والبرتغاليين الذين طـ.ـردوهم من ديارهم وقـ.ـتلوا إخوانهم في الأندلس، حينها أد.رك المتوكل أنه مهزوم لا محـ.ـالة، واتخذ قراره بالفرار من المعـ.ـركة أمام الجيـ.ـش التركي وعمّيه عبد الملك وأحمد المنصور، فهـ.ـرب إلى مراكش واستولى عبد الملك على مدينة فاس في ذي الحجة سنة 983هـ/1576م، ثم دانت مراكش العاصمة له من بعد، حيث تلقب بالمعتصم باللـ.ـه السعد

لم يُعلن المتوكل الاستسـ.ـلام الكامل، وطبقا لبعض المصـ.ـاد.ر التاريخية فإنه قد خاض ضـ.ـد عمّيه 24 معـ.ـركة خلال سنتين بعد خلعه انهزم فيها جميعا[11]. وفي النهاية أد.رك أنه لن يجد الناصر ولا المعين لاستعادة عرشه السليب، ولأنه طالما تعاون ودخل في علاقات دبلوماسية وتجارية ممتازة مع القـ.ـوى النصـ.ـرانية الإسبانية والبرتغالية التي تحتـ.ـل بلدان وموانئ السواحل المغربية في الشمال فقد قرّر اللجوء إليهم، وطلب العون منهم، وكانت مدينة “أصيلا” لا تزال تحت حكم صهره ومـ.ـؤيده القائد عبد الكريم بن تودة، وقد أد.رك المتوكل أن عون البرتغاليين له سيكون بمقابل كبير.

وبالفعل انتقل محـ.ـمد المتوكل السعدي لاجئا إلى مدينة طنجة التي كانت خـ.ـاضـ.ـعة للاحتـ.ـلال البرتغالي من قبل تلك الأحـ.ـداث بنصف قرن تقريبا، وطلب العون منهم، وكان يمكن أن يُفسَّر الأمر على اعتبار أنه من الأساليب السياسية التي يسعى كل طرف فيها إلى حلفاء يدعمون موقفه ويؤيدون وجهته، لكن المتوكل وقع بالفعل في فـ.ـخ الخيـ.ـانة حين شرط عليه البرتغاليون التنازل عن مدن الساحل المغربي كلها بعد استعادته لعرشه.

وفي ذلك يقول مؤرخ “تاريخ الدولة السعدية التكمدارتية” إن البرتغاليين “قالوا لمولاي محـ.ـمد نحن خارجون وأنت معنا، فإن ظفرنا بالبلاد فلا قسـ.ـم لنا معك فيها إلا السواحل، وما دونها فهو لك، فأنعم لهم بذلك، وتعاهدوا عليه، فعند ذلك حلفوا لهم في صلبانهم وحلف لهم هو على ما ذكر، وأخذوا في إقامة العمارة (الأسطول) والجيـ.ـش ودفع المال وما يحتاجون إليه”[12].

ولم تتحرك القو.ات البرتغالية بقيادة دون سباستيان إلا بعد احتـ.ـلال مدينة “أصيلا”، بعد.ما سلّمها المتوكل لهم على طبق من ذهب، وبسبب ذلك ظهر المتوكل على اللـ.ـه أمام العلماء والعامة خائنا لوطنه ودينه، وأرسل إليه علماء المغرب رسالة شديدة اللـ.ـهجة والحـ.ـدّة يتـ.ـهـ.ـمونه فيها بالخيـ.ـانة والكـ.ـفـ.ـر والتحـ.ـالف مع الأعداء، جاء فيها: “اتّفقتَ معهم (البرتغاليين) على دخول أصيلا، وأعطيتـ.ـهـ.ـم بلاد الإسـ.ـلام، فيا لله ويا لرسـ.ـوله هذه المصيبة التي أحـ.ـدثتَها، وعلى المسـ.ـلمين فتقتها، ولكن اللـ.ـه تعالى لك ولهم بالمرصاد، ثم لم تتمالك أن ألقيتَ نفسك إليهم، ورضيت بجوارهم، وموالاتـ.ـهـ.ـم… وأما قولك في النصارى (البرتغاليين) أنك رجعتَ إلى أهل العـ.ـدوة واستنكفتَ أن تُسـ.ـمّيهم بالنصارى ففيه المقت الذي لا يخفى”[13].

لم يرعوِ المتوكل على اللـ.ـه بهذه الرسالة، وتمادى يحث البرتغاليين بالإسراع لمواجـ.ـهة السلطان السعدي الجديد المعتصم باللـ.ـه عبد الملك وقو.اته، وكان عبد الملك يتابع عن كثب تحركات ابن أخيه، فأخذ على الفور قراره بتأليب القبائل وتهيئة القو.ات العسـ.ـكرية ضـ.ـده.

قا.د الملك البرتغالي قو.ات جرارة تفاوتت المصـ.ـاد.ر التاريخية في ذكرها، ما بين مئة وخمسين ألف مقـ.ـاتـ.ـل وثمانين ألفا، وأرسى جميع قطـ.ـع أسطوله بمدينة أصيلا التي اتُّخذت للانطـ.ـلاق لغزو المغرب، وقد كان وصول القو.ات المها.جمة يوم الاثنين 12 يوليو/تموز 1578م/ جمادى الأولى 986هـ حيث عسـ.ـكرت بضواحي مدينة أصيلا، بالإضافة إلى قو.ات المتوكل على اللـ.ـه التي كانت تُقدَّر بنحو خمسـ.ـمئة فارس فقط[14].

بقيت قو.ات الحمـ.ـلة البرتغالية بضواحي مدينة أصيلا أسبوعين تقريبا، حيث كان المعتصم عبد الملك السعدي قد عسـ.ـكرَ بقو.اته عند سوق الخميس على بُعد ستة أميال جنوب وادي القصر الكبير، وكاتب المعتصم سباستيان قائلا: “إني قد جئتُك من مراكش، ورحلت إليك ست عشرة مرحلة (من 600 إلى 700كم) وأنت لم تدنُ إليّ مرحلة واحـ.ـدة”، والمرحلة مسافيا تقدر بـ 44 كيلومترا تقريبا، وكان السلطان عبد الملك يهدف من وراء ذلك الخطاب إلى إبعاد سباستيان وقو.اته عن قواعدها ومراكز تموينها ليسهل القـ.ـضاء عليها، ولو بمقدار مرحلة واحـ.ـدة[15].

وبالفعل تحرك سباستيان حين أد.رك أن المعتصم وقو.اته لن تتقدَّم أكثر من ذلك، وأخيرا اقترب الجانبان في وادي المخازن بعد عبور البرتغاليين نهره، جنوب مدينة “القصر الكبير” أو “قصر كتامة”، التي تقع شمال المغرب، وذلك في 30 جمادى الآخرة 986 هـ/ 4 أغسطس/آب 1578م، وكان السلطان المعتصم عبد الملك قد اشتد به المرض ليلة المعـ.ـركة، وفي صبيحتها أمر فِرقة من قو.اته بهد.م قنطرة نهر وادي المخازن حتى لا يجد البرتغاليون طريقا للرجعة.

يقول السلاوي في كتابه “الاستقصا لأخبار المغرب الأقـ.ـصى” عن تلك الأجواء: “لما التقت الفئتان، وزحف الناس بعضهم إلى بعض، وحمي الوطيس، واسودّ الجوّ بنقع الجياد، ودخان المدا.فع، وقامت الحـ.ـرب على ساق؛ تُوفي السلطان أبو مروان (عبد الملك) رحمه اللـ.ـه عند الصد.مة الأولى، وكان مريضا يُقا.د به في محفّة (نقّالة)، فكان من قـ.ـضاء اللـ.ـه السابق ولُطفه السابغ أنه لم يطلع على وفاته أحـ.ـد إلا حاجبـ.ـه مولاه رضوان العلج، فإنه كتم مـ.ـوته وصار يختلف إلى الأجناد، ويقول السلطان يأمر فلانا أن يذهب إلى موضع كذا، وفلانا يلزم الراية، وفلانا يتقد.م، وفلانا يتأخّر”[16].

على أن المولى أحمد المنصور أخا السلطان المتوفى، والي مدينة فاس الحاضر في تلك المعـ.ـركة، لما وقف على وفـ.ـاة أخيه المعتصم، تسلّم زمام قيادة المعـ.ـركة مع رضوان الحاجب، وقد اشتد وطيسها، وأذن اللـ.ـه بانتصار قو.ات المسـ.ـلمين على البرتغاليين وحليفهم الخائن السلطان المخلوع المتوكل على اللـ.ـه، بل قُتل دون سباستيان في قلب المعـ.ـركة، وحاول المتوكل الهـ.ـرب لكنه غرق في نهر وادي المخازن، وكان المعتصم قد جاء أجله في اليوم ذاته، فسُميت المعـ.ـركة بـ “معـ.ـركة الملوك الثلاثة” لهذا السبب.

عقب ذلك الانتصار، جمعَ الملكُ المنصور أحمد السعدي كبار قا.دة الجيـ.ـش والشرفاء والوجهاء والأتراك الذين قد.موا بفر.قة عسـ.ـكرية داعمة لحليفهم المعتصم عبد الملك، فأخبر الجميع بمـ.ـوت أخيه، وتوليه أمور البلاد، وبعد محاولة فاشلة من العثمانيين الأتراك لتولية ابن حليفهم إسـ.ـماعيل بن عبد الملك، أصرّ المغاربة على مبايعة السلطان الجديد المنصور أحمد السعدي، لأن السلطان السابق عبد الملك المعتصم كان قد أوصى بالأمر لأخيه المولى أحمد منذ أن شعر بالمرض، قائلا له: “فاعلم أني لا أحـ.ـبّ أحـ.ـدا بعد نفسي محـ.ـبتي لك، ورغبتي في انتقال هذا الأمر بعد إلا إليك لا لغيرك”[17].

انتصر المغاربة بعد هذه الملحمة البطولية، بعد مساعدة سخية من العثمانيين الذين جاؤوا بخمسة آلاف مقـ.ـاتـ.ـل تركي من الجزائر، وفي نهاية المعـ.ـركة عُثر على جـ.ـثة المتوكل طافية عند نهر وادي المخازن، فأُمر بسلخها وحشوها تبنا وإرسالها إلى مراكش وغيرها لتكون للناس عبرة جراء خيانته وتحـ.ـالفه مع أعداء وطنه ودينه، فسُمّي من يومئذ بالسلطان “المسلوخ”.

وهكذا كانت معـ.ـركة القصر الكبير التي شغلت الرأي العام العالمي حينذاك لفترة طويلة، لما لها من نتائج، فهي بالنسبة للمسـ.ـلمين في المغرب وبقية العالم الإسـ.ـلامي كانت بمنزلة معـ.ـركة “بواتييه” أو “بلاط الشهداء” في أوروبا، وقد أسـ.ـفرت المعـ.ـركة عن العديد من النتائج التي تركت بصماتها واضـ.ـحة جلية على خريطة العالم المعاصر في ذلك الوقت، فقد استمرت المعـ.ـركة ست ساعات هُزمت فيها البرتغال وحلفاؤها جميعا، لم ينجُ من الأسر والقـ.ـتل فيها إلا مئة رجل، وأنهت هذه المعـ.ـركة أسطورة دولة البرتغال القوية آنذاك، وأبرزت إفلاس الحملات الصلـ.ـيبية على العالم الإسـ.ـلامي، والتي كان البرتغاليون يتقربون بها إلى البابوية في بلاد المغرب أو غيرها من بلاد العالم الإسـ.ـلامي[18].

المصدر : الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *