ملفات إنسانية

رهف وصراخ القهر المفجوع

هيومن فويس: جوليا شربجي

اليوم اثناء عملي راجعتني طفلة تبلغ من العمر اربع سنوات جمعت من الغوطة كل الوان الجمال

عينان زرقاوتان كسماء غوطتنا وجه ابيض نقي كنقاء هوائنا وشعر اشقر كاشعة الشمس تداعب اغصان زيتوننا

كان كل شيئ عاديا سوى نظرات توجس وخوف بادية على وجهها لم تلفت نظري كون الاطفال بطبيعتهم يمتلكون رهاب الطبيب

وأضاف الطبيب “حسام عدنان” في مدونته، كانت جدتها تحدثني عن مرضها واضطرابها وتبولها الليلي واستيقاظها ليلا بشكل متكرر

انهت الجدة حديثها وتوجهت من خلف مكتبي باتجاهها محاولا ملاطفتها لفحصها

ما ان امسكت يدها محاولا حملها حتى دخلت في صراخ عجيب وتمسكت بتلابيب جدتها وهي تنادي بدي بابا

بدي بابا اتركوني

التفت الى الجدة وقد وقع في قلبي ان اباها شهيد ونظرت الى الجدة مستفسرا

رايت الدموع على خدود جدتها وبادرت بشرح قصتها العجيبة والتي تكفي لان تنخسف الارض بمن فيها لهول ما يجري من ظلم على اهل الشام

قالت الجدة كنا عند ابنتي يومها بدعوة على الغذاء وكانت رهف تتراكض حولنا وهي تنتظر والدها للعودة بفارغ الصبر فقد وعدها اليوم بإحضار موزة لها بعد ان عمل جاهدا لايام لتوفير ثمنها (كان ثمن موزة ايام الحصار الشديد يتجاوز 600 ليرة)

وصل الاب ودخل مسرعا وفي يده موزة دفع ثمنها من دمه وعرقه لكن فرحته بابتسامة ابنته كانت تعدل كنوز الارض

كنا جميعا نعمل في المطبخ لاتمام الطعام وجلسنا حول المائدة التي تحتوي الكثير من اللون الاخضر ( الكوسا) وهو الطعام المتوفر وقتها والكل يتحدث عن شدة الايام التي نمر بها

وكانت رهف في حضن ابيها تنظر للموزة حينا ولابيها احيانا بحب وامتنان

خرجت لاحضر كاس ماء من المطبخ وما هي الا ثوان حتى انتهى كل شيئ

لم اعد ابصر شيئا ولم اعد اسمع شيئا

لم اعد قادرة على التنفس او الحركة

غبار يملؤ المكان وظلام شديد واطنان من الاسمنت فوق دعامة استلقي تحتها

ادركت بعدها انها غارة لجيش المقاومة والممانعة والعروبة على بيت ابنتي في غوطة الشام

زحفت وانا اتلمس تحت الانقاض واحاول ان اصرخ فلا يخرج صوتي لشدة الغبار

هناك شيئ ما دفعني بقوة للامام اظنه ملكا لانني وبلحظات صرت في غرفة الطعام المهدمة وقد فتح كامل سقفها وكانت الصاعقة

اشلاء في كل مكان

راس ابنتي واشلاء ابنيها مخلوطة بطعام الحصار ورائحة القهر لا ادري لماذا لم يغمى علي وكان شيئا بداخلي يخبرني بان لي مهمة علي انجازها قبل الدموع

تابعت زحفي بسرعة اتلمس الارض على بصيص النور القادم من فتحة السقف التي احدثها الصاروخ فوقعت يدي على شيئ طري الملمس ابصرته تحت النور فاذا هو بموزة رهف التفت نحوها فابصرت يدها الصغيرة ممدودة بلا حراك لكني لم ابصرها

رفعت بصري للاعلى قليلا فاذا بجثمان ابيها الشهيد يحضنها بكلتا ذراعيه وجسده لكن من شدة الضغط عليه وقع بثقله فوقها

حاولت سحبها بكل قوتي لم افلح

ثم فكرت في دفع والدها الشهيد ونجحت فظهرت رهف من تحته وقد انقطع نفسها لكنها وبشكل مفاجئ صرخت بشدة وعندها انتابني شعور غريب

هل افرح لانقاذي رهف ام يعتصرني حزن العالم لانني وبلحظات فقدت ابنتي وصهري واحفادي الثلاثة

ضممت رهف بشدة وهي تنادي بابا بدي بابا

وحضر عناصر الدفاع المدني ليسجلو بجوار اسمائنا

الناجيتان الوحيدتان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.