دراسات

مضى عليها 50 عاما.. الخلافات المغربية- الجزائرية إلى حل أم حرب؟

هيومن فويس

مضى عليها 50 عاما.. الخـ.ـلافات المغربية- الجزائرية إلى حل أم حـ.ـرب؟

خلال الأيام الماضية، سلمت السلطات الجزائرية الفلاحين في إقليم فجيج بشرقي المغرب، إخطارا بضرورة إخلاء منطقة “العرجة أولاد سليمان” في موعد أقصاه 18 مارس الجاري، وفقا لموقع هسبريس المغربي.

وبعد هذا القرار، سادت حالة من الغضب بين فلاحي المنطقة، ونظموا وقفات احتجاجية ضد السلطات المحلية، وطالبوا الحكومة المغربية، التي التزمت الصمت، بتوضيح حقيقة ما يجري إلى الرأي العام.

وعلق الباحث والمحلل السياسي الجزائري، إسماعيل خلف الله، بإن إقدام السلطات الجزائرية على هذه الخطوة ينطلق من اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين في عام 1972، لهذا لم تعلق السلطات المغربية على القرار.

وأضاف خلف الله في تصريحات لموقع قناة “الحرة” أنه بمقتضى هذه الاتفاقية يحق للجزائر استرداد أراضيها في أي وقت، مشيرا إلى أن هذا القرار ليس له علاقة بالتوتر بين البلدين بشأن ملف البوليساريو.

بينما ذكر حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي في فجيج، أن اتفاقية 1972 لم توضح وضع منطقة وادي العرجة، التي يدور حولها خلاف حاليا.

“رد فعل للانتصار المغربي”

قال الناشط الحقوقي المغربي، أشرف الطربيق، إن الإجراء الجزائري تجاه الفلاحين المغاربة يأتي في سياق غير مفهوم، وإنه قد يكون رد فعل جزائري تجاه الأحداث الأخيرة بين البلدين والانتصار المغربي في ملف الصحراء الغربية.

وأضاف الطربيق في تصريحات لموقع قناة “الحرة” أنه هذا الرد غير دبلوماسي سيتضرر منه مواطنون أبرياء، وأوضح أنه لن يكون له تأثير على العلاقات بين البلدين المتوترة بالفعل منذ فترة.

وأكد أن الإشارات والظواهر تؤكد أن هذا الإجراء جاء بناء على اتفاق بين البلدين، مشيرا إلى أن الجزائر قد تتخذ أي قرار يثبت هيبته وسيادته حتى لو كان ضحيته مدنيين أبرياء.

وقال أحد المحتجين يدعى عبد المالك بوبكري، أحد ملاكي الضيعات الفلاحية، إنه لمدة 30 سنة وهو يدخل إلى المنطقة دون أن تمنعه السلطات الجزائرية أو المغربية.

وأوضح لوسائل إعلام محلية أنه تم إبلاغهم من قبل السلطات المغربية والجزائرية بعدم استغلال الأراضي المتواجدة بالمنطقة بعد تاريخ 18 مارس، وهو ما قد يشير إلى وجود اتفاق بين البلدين على هذا القرار.

تقع مدينة فجيج شرقي المغرب وتبعد عن مدينة وجدة بـ 360 كلم، ويعيش بها حوالي 872 10 نسمة، حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014. ويحدها من الجنوب والشرق الحدود المغربية الجزائرية. وتشتهر المدينة بواحة النخيل التي تضم العديد من أشجار النخيل، وبإنتاج أنواع جيدة ونادرة من التمور.

وتشهد المنطقة الحدودية بين الجزائر والمغرب توترات منذ نحو 50 عاما، فقد اندلعت حرب بين الدولتين في أكتوبر 1963 بسبب الخلاف حول هذه المنطقة، وعرفت باسم “حرب الرمال”، والتي انتهت في 20 فبراير 1964، بتوقيع اتفاقية وقف إطلاق النار وتحديد منطقة منزوعة السلاح بين البلدين.

وتأتي هذه الخطوة الجزائرية في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توترا غير مسبوقا، بعد أحداث معبر الكركرات الحدودي في نوفمبر الماضي، واعتراف إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بسيادة الرباط على الصحراء الغربية.

وينتقد المغرب دعم الجزائر لجبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) التي تطالب باستقلال الصحراء الغربية، التي كانت مستعمرة إسبانية، بينما تقول الجزائر إن الأمر يتعلق بنصرة شعب من أجل تقرير مصيره.

وفي غمرة هذا الخلاف الجديد-القديم، بين الرباط والجزائر، أثارت قناة تلفزيونية جزائرية (خاصة) غضب المغرب بتقديمها دمية في شكل العاهل المغربي منتقدة مواقفه بطريقة ساخرة في منتصف فبراير الماضي.

وأسهمت هذه الحادثة في إشعال الخلاف على المنصات الاجتماعية بشكل غير مسبوق.

الفلاحون 

من جانبه، عبر حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي عن استغرابه واستنكاره لطلب السلطات الجزائرية من الفلاحين بترك الأراضي في منطقة العرجة.

وقال الحزب في بيان له إنه “تأكد من أن هنالك نية الدولتين معا في ترسيم اتفاقية سابقة تقضي بأن وادي العرجة هو الحد الفاصل بين الأراضي المغربية والجزائرية”، وأضاف أنه “عاين الاستفزازات التي تعرض لها الفلاحون المستثمرون في هذه الأراضي مؤخرا من طرف عسكر الحدود الجزائري”.

وأشار الحزب إلى أن الحكومة المغربية لم تكن واضحة مع ساكنة أهل فجيج والمغاربة ككل بخصوص ترسيم الحدود بين المغرب والجزائر، حيث بقيت خاضعة للتقلبات السياسية بين البلدين.

وقال الحزب: “الدولة المغربية غررت بسكان وفلاحي واحة فجيج وورطتهم؛ إذ أنها تركتهم يستثمرون لسنين في أراضي قد تنتزع منهم في أي لحظة، كما هو الحال الآن”.

وأكد خلف الله أن المشكلة كيف يتم تعويض هؤلاء الفلاحين وهذا حقهم، وهذا أمر تتولاه المغرب.

وقال الطريبق إنه قياسا ببعض الإشكالات السابقة بين البلدين، فإن السلطات المغربية ستعوض الفلاحين بأماكن رعي وزراعة أخرى، لأنها تدرك أن الجزائر تمر بمرحلة صعبة وتريد أن تفتح جبهة مع المغرب للتأثير على الرأي العام المحلى، والمغرب لا تريد أن تمنحهم هذه الفرصة، على حد قوله.

لم تكن عائشة اليوسفي، السيدة المغربية البالغة من العمر 87 عاما، تتوقع أن تنقطع صلتها بأقاربها في الجزائر بهذا الشكل، قبل خمس أو ست سنوات.
فرغم إغلاق الحدود بين البلدين الجارين عام 1994، فإن صلة الرحم بين الشعبين استمرت، عبر اختراق الحدود في كلا الاتجاهين، بمساعدة أشخاص لهم دراية بالطرق السرية عبر الحدود بين البلدين.

حالة “خالتي عيشة” كما يحب أقاربها مناداتها، لا تختلف عن حال الآلاف من المواطنين في البلدين، الذين تجمعهم علاقة قرابة ومصاهرة، فهم يتألمون في صمت، ويمنون النفس بانجلاء سحابة التوتر الداكنة، التي تخيم على العلاقات المغربية الجزائرية، أملا في غد أفضل يمكنهم من التنقل عبر الحدود البرية لتبادل الزيارات دون عناء وتكاليف باهظة.

وبين آمال هؤلاء المواطنين القاطنين بالخصوص في مدن الغرب الجزائري والشرق المغربي، هناك واقع أكثر قتامة على الأرض، فالدولتان ماضيتان في إحكام القبضة على الحدود، بتشييد خنـ.ـادق في الطرف الجزائري، والسياج الحديدي في الطرف المغربي، ما يضع آمال المواطنين في صلة رحم عادية، مجرد أماني وأحلام قد يطول تحققها.

مرور مستحيل

زيادة على أن الوضع الحالي للحدود جفف منابع التهريب المعيشي الذي كان يمارسه سكان الشريط الحدودي، في كلا الاتجاهين، وما يعنيه ذلك من فقدان الآلاف لمصدر دخلهم الرئيسي، فإن الآثار الإنسانية على العلاقات بين الأصـ.ـهار والأهل في كلا الجانبين كانت أعمق.

فقبل خمس أو ست سنوات، كان بإمكان “خالتي عيشة” وبعض أقاربها التنقل عبر الحدود، وزيارة الأهل في ولاية “عين تموشنت” غرب الجزائر، التي لا تبعد عن الحدود المغربية سوى 150 كيلومترا.

لكن بعد الخنادق التي شيدتها الجزائر والتي يصل عمقها إلى سبعة أمتار وعرضها إلى أكثر من ثلاثة أمتار، ولجوء المغرب من جانبه إلى تشييد سياج على طول 110 كيلومترات، بارتفاع مترين تقريبا، بدد كل الآمال وأصبح المرور مستحيلا.

أغلب الذين كانوا يعبرون الحدود بشكل سري قبل الوضع الجديد، كانوا يلجؤون إلى خدمات أشخاص يطلق عليهم اسم “الكراسة”، لهم دراية بالمنافذ التي يمكن عبرها التسلل، يقدمون خدماتهم مقابل المال.

لكن يبقى مالا قليلا مقارنة مع ما يجب أن يدفعه المواطنون اليوم لشراء تذاكر السفر عبر الطائرة لبلوغ وجهاتهم في كلا البلدين.

ويعدد هواري، ابن “خالتي عيشة” -في حديث للجزيرة نت- ما يلزم العائلة إن هي رغبت في تسفير والدته إلى أقاربها في الجزائر، منها ارتفاع ثمن التذاكر والانتقال من مدينة وجدة إلى مطار الدار البيضاء الذي يبعد ستمئة كيلومتر.

ومن هناك إلى الجزائر العاصمة، ثم إلى وجهتها داخل الجزائر، فضلا عن حاجتها إلى مرافق لأنها طاعنة في السن، وهو ما يضاعف التكاليف.

هكذا، يتحول مشوار لا تزيد مدته برا عن ساعتين أو ثلاث إلى مشوار يتطلب قطع آلاف الأميال، وبتكاليف تصل إلى نحو ألف دولار، بفعل الوضع الجديد على الحدود.

فكم من صديق وأخ وصهر لم يشاركه أهله في أحد طرفي الحدود أفراحه، وكم من هؤلاء لبوا نداء الله، وحال السياج والخنادق دون أن يشاركهم الأهل في الجهة الأخرى في تشييعهم إلى مثواهم الأخير.

المصدر: الحرة والجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *