تحليلات

مناخ إيجابي وملفات عالقة بين السعودية وتركيا.. هل يمكن فتح صفحة جديدة بين البلدين؟

هيومن فويس

– النهج الذي اتبعته الرياض وخاصة بعد 2015، تخطى المساعي العقلانية، ووصل في بعض الأحيان إلى حد الاستعداء

– لن يكون هناك مستفيد من التـ.ـوتر على المدى الطويل، وإعادة تأسيس التعاون بين البلدين ستنعـ.ـكس بالفائدة على الطرفين والمنطـ.ـقة

– الحركات الشعبية التي اندلـ.ـعت أواخر 2010 وسميّت بـ “الربيـ.ـع العربي” شكلت نقطة انكـ.ـسار في العلاقات التركية السعودية

– كانت الرياض من أهم مؤيدي السيـ.ـسي الذي استولى على السلطة بانقـ.ـلاب أطاح بمـ.ـرسي؛ ومع ذلك استطاعت تركيا والسعودية المضـ.ـي قدما بعـ.ـلاقاتهما في عهد الملك عبد الله

– أبرز أسباب توتر علاقات أنقرة والرياض على صعـ.ـيد الأزمـ.ــة الخليجية، هو اشتراط الدول المقاطعة للدوحة “إغلاق القـ.ـاعدة التركية في قطر”

– خسارة ترامب أمام بايدن في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كان تطورا حتّم على الرياض رسم مسار جديد لخارطة سياستها الخارجية

– أردوغان والملك سلمان اتفقا قبيل استضافة السعودية لقمة مجموعة العشرين العام الماضي، على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة

– يبدو أن سلسة من المشاكل الخـ.ـلافية بين الرياض وأنقرة أوشـ.ـكت على النهاية، لكن يجب ألا ننسى وجود خلافـ.ـات صعبة يأتي بمـ.ـقدمتها قضية محـ.ـاسبة قتـ.ـلة خاشـ.ـقجي

– يمكن القول إن حل المشكلات سيكون أكثر صـ.ـعوبة إذا تولى محـ.ـمد بن سلمان الحكم، خلـ.ـفا لأبيه البـ.ـالغ من العمر 85 عاما

حافظت تركيا والسعودية – البلدان الفاعلان في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسـ.ـلامي – على علاقات مستقرة لسنوات عديدة؛ إلا أن هذه العلاقات واجهت اختـ.ـبارات صـ.ـعبة في السنوات الأخيرة.

النهج الذي اتبعته الرياض وخاصة بعد العام 2015، تخطى المساعي العـ.ـقلانية، ووصل في بعض الأحيان إلى حد الاستـ.ـعداء، فكان الإضـ.ـرار بالعلاقات الثنائية بين البلدين أمرا محـ.ـتوما.

ومع ذلك، يمكن القول إنه لن يكون هناك مستفيد من هذا التـ.ـوتر على المدى الطويل، وإن إعادة تأسيس مجالات التعاون بين البلدين ستنعكس بالفائدة على الطرفين والمنطقة.

قد تبدو أن العلاقات التركية السعودية لن تعود إلى سابق عهدها خلال فترة قصيرة؛ ومع هذا فإن المستجدات التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة شكلت مناخا إيجابيا بين البلدين.

ومع التأكيد على ضرورة اتخاذ حكومتي البلدين خطوات بناءة خلال هذه المرحلة، فإنه يجب تدعيم هذه الخطوات بتوقف الحكومة السعودية عن السعي وراء مزيد من المغـ.ـامرات، وتغليب “عـ.ـقل الدولة” قبل كل شيء.

تصـ.ـاعد توتـ.ـر العلاقات بين البلدين مع انطلاق دينـ.ـاميكيات مرحلة “الربيع العربي”، وتفاقم التـ.ـوتر جراء عدد من المستجدات التي وقعت خلال السنـ.ـوات الخمس الأخيرة.

ومما لا شك فيه أن أبرز أسباب توتـ.ـر هذه العلاقات متعلق بالنهـ.ـج الذي اتبعه ولي العهد السعودي محمد بـ.ـن سلمان الذي صعـ.ـد لهذا المنصب عام 2017 بعد عامين من تولي والده الملك سلمان بن عبد العزيز مقـ.ـاليد العـ.ـرش في 2015.

اتبع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سياسات لترسيـ.ـخ سلطته، وانتهـ.ـج سياسات المغـ.ـامرة عبر انجراره وراء دولة الإمارات.

من ناحية أخرى يمكن أن توفّر تغير التوازنات في المنطقة واتخاذ عدد من الخطوات الدبلوماسية مع جلوس جو بايدن على كرسي الرئاسة الأمريكية، فرص التقارب بين تركيا والسعودية مجددا.

** نقاط الانكسـ.ـار 

شكلت الحركات الشعبية التي اندلـ.ـعـ.ـت أواخر 2010 وسميّت بـ “الربيع العربي”، نقطة انكـ.ـسار في العلاقات التركية السعودية، وخلال هذه المرحلة، دعمت أنقرة المطالب الديمقراطية للشعوب؛ فيما وقفت السعودية في الصف الثاني ضـ.ـد ذلك الحراك.

وعلى الرغم من أن التطورات في مصر أحدثت فارقا واضحا بين سياسات أنقرة والرياض؛ إلا أن الجانبين لم يكونا راغبين في مواجـ.ـهة الآخر.

كانت الرياض من أهم مؤيـ.ـدي عبد الفـ.ـتاح السيسي الذي استولى على السلطة بانقـ.ـلاب عسـ.ـكري أطـ.ـاح بالراحـ.ـل محـ.ـمد مرسـ.ـي في 2013؛ ومع ذلك استطاعت تركيا والسعودية المضي قدما في علاقاتهما في عهد المـ.ـلك الراحـ.ـل عبد الله بن عبد العزيز.

في 2014 اندلـ.ـعت أزمـ.ـة سحب عدد من دول الخليج بينها السعودية سفرائها من دولة قطر، احتجـ.ـاجا على سياسات الدوحة؛ ومع تدخل الوساطة الكويتـ.ـية تم حل هذه الأزمة لاحقـ.ـا.

إلا أن الأزمة الخليجية عادت على وتيـ.ـرة أشد في 2017، حيث أعلنت دول خليـ.ـجية بينها السعودية قطع علاقاتها مع قطر، وهو ما وصفته الدوحة بالحـ.ـصار.

أدت هذه الأزمة إلى توتـ.ـر العلاقات التركية السعودية، بعد دعوة أنقرة إلى رفع الإجراءات المتخذة بحق قـ.ـطر والجلوس على طاولة الحوار.

وأبرز أسباب توتر علاقات أنقرة والرياض على صعيد الأزمـ.ـة الخليجية، هو اشتراط الدول المقاطعة للدوحة “إغلاق القـ.ـاعدة التركية في قطر”.

مع حلول أكتوبر/ تشرين الأول 2018، فتحت صفحة جديدة من الأزمات بين تركيا والسعودية، مع مقـ.ـتل الصـ.ـحفي جمـ.ـال خاشـ.ـقجي بوحـ.ـشية على يد فريق إعـ.ـدام جاء من السعودية داخل قنصـ.ـلية الرياض العامة بمدينة إسطنبول.

بعد هذه الجـ.ـريمة، أكد المسؤولون الأتراك استـ.ـعدادهم الدائم للتعاون في الكشف عن خيـ.ـوط الجـ.ـريمة، وأطلعوا الرأي العام عن كافة المستجـ.ـدات المتعلقة بالجـ.ـريمة؛ إلا أن عدم تعاون الجانب السـ.ـعودي في التحقيقات أدى إلى تعـ.ـميق التـ.ـوتر بين البلدين.

وفي هذه الأثناء، تضمنت تقارير نشرتها وكالة المخـ.ـابرات المركزية الأمريكية (CIA) معلومات تفيد بضـ.ـلوع مسؤولين سعوديين كبار في جريـ.ـمة القـ.ـتل.

وعلى الرغم من الموقف الإنساني والقانوني لتركيا الذي أبدته في هذه المرحلة؛ إلا أن الجانب السعودي لم يستجب لدعوات التعاون في كشف الجـ.ـريمة.

بالإضافة إلى ذلك، اتبعت الرياض سياسات مناهـ.ـضة لتركيا حيال العديد من الملفات بينها المستجدات في سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط ​​والقضية الفلسطينية والعلاقات مع إيران، وصولا إلى الحـ.ـرب بإقليم قـ.ـره باغ الأذربيجاني.

خلال هذه المرحلة، حاولت السعودية تصعـ.ـيد التـ.ـوتر السياسي مع تركيا لتشمل الجانب الاقتصادي، عبر دعم حـ.ـملات مقـ.ـاطعة المنتـ.ـجات التركية، وممارسة ضغوط بحق التـ.ـجار الأتراك على أراضيها، والضغـ.ـط على المستثمرين السعوديين في تركيا.

ومن ضمن سلسلة الإجراءات السعودية التي أدت إلى تصـ.ــ.ـعيد التـ.ـوتر مع تركيا، إغلاق المدارس التركية في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومحاولات تشـ.ـويه التاريخ العـ.ـثماني في الكتب المدرسية، والضـ.ـغط على وسائل الإعلام التركية.

كما أنه لا يمكن تجاهل تأثير الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومستشاره جاريد كوشـ.ـنر على التنـ.ـاقضات في السياسة الخارجية السعودية بالقيادة الفعـ.ــلية لولي العهد الأمـ.ـير محمد بن سلمان.

لقيت كافة محاولات الأمير الـ.ـشاب الذي انجر وراء سياسات الإمارات، دعم إدارة ترامب الكامل لزعـ.ـزعة استقرار المنطقة.

إلا أن خسارة ترامب أمام بايدن في سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، كانت تطورا حـ.ـتّم على الرياض رسم مسار جديد لخارطة سياستها الخارجية.

ومن أبرز اتباع سياسات جديدة في سياستها الخارجية، تصريحات بايدن الواضحة والقـ.ـاسية وتحركاته تجاه السعودية في العديد من القضايا كمقتـ.ـل خاشقجي وحرب اليمن وحظر الأسلحة، بجانب احتمال قيام إدارة بايدن بإجراء حوار مع إيران.

وبالإضافة إلى ما ذكر، يجب الإشارة إلى المشاكل والصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها السعودية، حيث ارتفع الدين العام في البلاد 21 ضعفا في السنوات الست الماضية وانخفضت الاحتياطيات إلى 450 مليار دولار.

وتكشف هذه المؤشرات أن الإصلاحات الاقتصادية لولي العهد السعودي لم تحقق النجاح المنشود.

من ناحية أخرى، ينبغي الإشارة إلى سلسلة من المشاكل العالـ.ـقة في العلاقات التركية الأمريكية التي ينبغي إيجاد حل لها خلال فترة رئاسة بايدن للولايات المتحدة.

** العقل السليم هو مفتاح الحل

خلال المحادثة الهاتفية بين الرئيس أردوغان، والملك سلمان، قبيل استضافة السعودية لقمة مجموعة العشرين العام الماضي، اتفق الجانبان على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، تلاها تصريحات إيجابية متبادلة من البلدين، لتكون بذلك أولى بوادر تحسن العلاقات.

إن وصول الديموقراطيين سدة الحكم في الولايات المتحدة، قد يفتح الطريق أمام تسريع وتيرة العلاقات بين أنقرة والرياض، فرغم كون البلدين حليفين تقليدين للولايات المتحدة، إلا أن بعض تصريحات بايدن وإدارته تزعـ.ــج تركيا والسعودية.

ومن جهة أخرى، تواصل الولايات المتحدة أنشطتها العـ.ـسكرية في المنطقة، وتعتبر السعودية حليفا مهما لها في هذا الإطار، حيث منحـ.ـت الإذن للجيـ.ـش الأمريكي حق الوصول إلى القـ.ـواعد الجوية في الطائف وتبوك.

فضلا عن ميناء ينبع البحري، لكن من جانب آخر، يجب على الديمقراطيين تبني سياسات براغـ.ـماتية بشكل أكبر، إذ ينتظر مواطنو الولايات من رئيسهم الجديد تنفيذ وعوده الانتخابية.

ورغم انزعـ.ـاج الرياض من إعلان وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، إزالة الحوثيين من قائمة التنظيمات الإرهـ.ـابية الأجنبية، إلا أن نـ.ـهاية حـ.ـرب في اليمن سيعزز من مكانة بايدن أمام ناخبيه، وسيقلص من ردود الفعل الغـ.ـاضبة تجاه مبيعات الأسلحة إلى السعودية.

والأكثر من ذلك، قد يعتبر هذا الأمر فرصة أمام السعوديين العـ.ـالقين في مستنقع اليمن سياسيا وعـ.ـسكريا واقتصاديا، وفي حال عدم تراجع السعودية خطوة إلى الوراء بالرغم من حظـ.ـر توريد الأسـ.ـلحة الأوروبية إليها، قد تشكل الصـ.ـناعات الدفاعـ.ـية التركية بديلا مهـ.ـما لها.

من ناحية أخرى، لا يخفى على أحد محاولة ولي العـ.ـهد محمد بن سلمان إرضاء إدارة بايدن، من خلال تصريحاته الأخيرة حول حقوق الإنسان.

كما لا يعتبر إطلاق سراح الناشطة لجين الهذلول، بعد 3 سنوات من الاعـ.ـتقال، أمرا محـ.ـيرا في هذا الصدد، والأكثر من ذلك يعد احتمال إطلاق سـ.ـراح المزيد من المعـ.ـتقلين السعوديين واردا، لكن ورغم ذلك لا يزال هناك عددا من المـ.ـشاكل الصـ.ـعبة بين الرياض وواشنطن.

 لا فائز في الصـ.ـراع

لن يكون من الخطأ القول إن التـ.ـوتر بين تركيا والسعودية لن يحقق مكاسب للبلدين وعموم المنطقة على المدى البعيد، ويبدو أن سلسة من المشاكل الخـ.ـلافية بين الرياض وأنقرة أوشكت على النهاية، حيث تم التوصل إلى حل للأزمة الخليجية.

كما يمكن لتركيا أن تلعب الدور الوسيط في الحوار بين السعودية وجماعة الإخـ.ـوان المسـ.ـلمين، إلى جانب الكثير من الأنباء المنتشرة مؤخرا حول نية مصر في إطلاق سراح بعض المعتـ.ـقلين السياسيين لديها، بدعوة من السعودية.

إن مراجعة السعودية بقيادة الملك سلمان وولي العهد لسياستها الخارجية وتبنيها سياسات بناءة، قد يلعب دورا في ذوبان الجليد في العلاقات بين البلدين.

إذ لن تحقق الرياض أية مكاسب من تمـ.ـويل الجـ.ـماعات الإرهـ.ـابية في سوريا وليبيا، وتأييد الأطروحة اليونانية المـ.ــعادية لتركيا في شرق المتوسط.

ومن جهة أخرى، فإن الاتجاه الإيجابي للعلاقات بين تركيا والسعودية قد يفتح الباب أمام العديد من الفرص، وخاصة في المجالين السياسي والاقتصادي.

لكن من ناحية أخرى، يجب ألا ننسى وجود خلافات صعبة بين البلدين، يأتي في مقدمتها قضية محاسبة قـ.ـتلة خاشـ.ـقجي، حيث يُرى ولي العهد أنه المسؤول عن هذه الجـ.ـريمة.

لكن يبدو أن إصدار القضاء السعودي حكما واضـ.ـحا بهذا الخصوص غير ممكنا، في حين لن تـ.ـتخل تركيا عن موقفها الإنساني من القضية، ولن تستـ.ـغل الملف كورقة مساومة سياسية.

وأخيرا، يمكن القول إن حـ.ـل المشكلات سيكون أكثر صعـ.ـوبة إذا تولى محـ.ـمد بن سلمان الحكم، خلـ.ـفا لأبـ.ـيه البـ.ـالغ من العمر 85 عاما.

لكن وكما تدعي بعض وسائل الإعلام الغربية، إذا تم تعيين ولي عهد جديد أكثر خبرة من محمد بن سلمان، قد يتيح المجال أمام تغيرات كبيرة في السياسة الخارجية السعودية، خاصة مع وجود عدد من الأسماء المناسبة لهذا المنصب من أبناء الملك سلمان، وأبناء أشـ.ـقائه.

إلا أن نفس وسائل الإعلام الغربية تشير إلى أن تحقيق هذا الاحتمال في المدى القريب يبدو صعـ.ـبا مع مساعي محمد بن سلمان لترسـ.ـيخ مكانته في الإدارة السعودية.

المصدر: الأناضول- بقلم يوسف بهادر كسكين: باحث تركي في مرحلة الدكتوراة في معهد دراسات الشرق الأوسط والدول الإسلامية في جامعة مرمرة، ومحاضر في جامعة أماسيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *