تحليلات

الإعلام المغربي والتطبيع… وتلفزيون الجزائر يحتفي بصواريخ عاشوراء!

هيومن فويس

الإعلام المغربي والتطبيع… وتلفزيون الجزائر يحتفي بصواريخ عاشوراء!

شرع الإعلام المغربي منذ بضعة أيام في تقديم فقرات تعرّف بالتراث اليهودي والعائلات اليهودية في المغرب، وكأن الأمر يتعلق باكتشاف عظيم، والحال أن المكوّن العبري جزء لا يتجزأ من مكونات الهوية المغربية بتعدد روافدها العربية والأمازيغية والأندلسية والإفريقية والمتوسطية، مثلما يؤكد على ذلك دستور المملكة المغربية.

لا يكاد يمر يوم دون أن يتابع جمهور إحدى القنوات المحلية برنامجا تلفزيونيا أو تقريرا إخباريا يسلط الأضواء على خصوصيات الثقافة اليهودية أو المواطن اليهودي في إحدى المدن المغربية.

ولا يقتصر الأمر على المغرب، بل حتى القنوات العربية والعالمية انتبهت إلى هذا الحدث الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، والمقصود به تطبيع العلاقات بين الرباط وتل أبيب، فحتى القناة الإسرائيلية الناطقة بالفرنسية استغلت وجود وفد من تل أبيب في العاصمة المغربية.

وأجرت حوارا مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة الذي بدا مبتهجا وهو يتحدث في مكتبه إلى الإعلاميّ الإسرائيلي بالفرنسية، وهي اللغة غير الرسمية لا في المغرب ولا في إسرائيل.

أما القناة التلفزيونية الروسية الناطقة بالعربية، فاختارت في أحد تقاريرها الأخيرة المنجزة من طرف مراسلتها في القدس المحتلة، التطرق إلى الزيارة التي قام بها وفد مغربي إلى إسرائيل منذ بضعة أيام، بهدف الدفع بالعلاقات الرسمية وفتح سفارتي البلدين وإعطاء الانطلاقة لخطوط الطيران المباشر من أجل تنظيم رحلات تجارية وسياحية، وسجلت القناة أن مهمة الوفد المغربي كانت تقنية، في انتظار التحضير لزيارة أخرى لوفد رفيع المستوى.

ما المقصود من وراء كل هذا الكلام؟ المقصود أن الموضوع اكتسى طابعا سياسيا محضا، وإن حاول البعض تغليفه بطابع إنساني، من خلال الإشارة إلى الروابط التي تجمع بين مئات الآلاف من اليهود المغاربة وبلدهم الأصلي المغرب.

وتلك قصة مليئة بالكثير من الأشجان التي تلتقي فيها الإيديولوجيا مع السياسة والاقتصاد والدّين.

ما يهمنا من الموضوع كله، هو ضرورة التمييز بين الانتماء الوطني والبعد الإيديولوجي. ثمة مغاربة كثر من ذوي الديانة اليهودية، بعضهم هاجر خارج الوطن وما زال يحن إليه.

والبعض الآخر يعيشون في بلدهم ومسقط رأسهم، كباقي المواطنين، يشربون ماءه، ويتنسّمون هواءه، ويتحدثون لغته، ويمارسون طقوسهم وحقوقهم وحياتهم الاعتيادية بكل حرية في إطار العيش المشترك، ولا نقول “التسامح”، لأن هذه المفردة تحمل في طياتها نوعا من التفاضل والتمييز، كما تحمل معنى تنازل طرف ما لطرف آخر على شيء هو في الأصل حقه.

أما البعد الإيديولوجي، فهو ارتباط فئة معينة من اليهود المغاربة الموجودين في إسرائيل أو في غيرها من البلدان بالصهيونية ونظرتها التوسعية الاستعمارية التي تدوس على حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ـ كغيره من الشعوب ـ في الحياة والأرض والعيش الكريم.

فأصحاب هذه الإيديولوجيا المقيتة غير مرحب بهم من طرف الشعوب العربية المؤمنة بعدالة القضية الفلسطينية.

لا مشكلة، إذنْ، عند المتشبّعين بمبادئ الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان، في أن يتحدث الإعلام المغربي عن المُكوّن العـ.ـبري في المغرب، وعن نمط حياة يهود هذا البلد، ما دام الأمر ينصب ضمن الحق في المواطنة، بغض النظر عن الخلـ.ـفية الديـ.ـنية.

وهذا أمر لا يستوعبه كثير من إخوتنا الشرقيين الذين لم يلمسوا عن كثب سرّ الفسيفساء الحضارية المميزة للمغرب.

إلى حد الساعة، فالإعلاميُّ المغربيّ يقوم بعمله الاعتيادي، يهتم بموضوعات ذات صلة بالمكوّن العبري في المغرب، انسجاما مع مستجدات الساحة السياسية، ويعمل على تغطية التقارب الإسرائيلي المغربي في أبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها، تكريسًا للتطبيع.

ولكنّ ذلك الإعلامي قد يجد نفسه خلال الشهور المقبلة في وضع لا يُحسد عليه، حين “تعود حليـ.ـمة إلى عادتها القديمة”، مع أنها لم تتخل عنها أبدا، و”حليمة” هنا هي “إسرائيل” التي يُتوقّع منها في كل وقت وحين أن تهدّم بيوت الفلسطينيين وتصادر المزيد من أراضيهم في إطار سياستها التوسعية، وتقتل المدنيين ـ أطفالا ونساء وشيوخا وكهولا ـ.

فماذا سيفعل الإعلامي المغربي حينها؟ هل سيكتب تقارير عن “العدوان الإسرائيلي الجديد” كما كان يفعل منذ بضعة شهور؟ أم سيلتزم الصمت، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو من بعيد؟

“إسرائيل” تتصرف بمنطق أنها ما زالت في حـ.ـرب، وتثبت عمليا كونها أبعد ما تكون عن السلام. ولذلك، فمشكلتها أنها لا تقبل بحل الدولتين، وأنها تعتبر نفسه فوق القانون الدولي، وتصادر حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة.

ومتى تخلّت “إسرائيل” عن هذه العقيدة التوسعية فلا مانع من ترسيخ التطـ.ـبيع معها، ما دامت السياسة تسير وفق قاعدة: “لا صداقات دائـ.ـمة ولا عـ.ـداوات دائمة، ولكن مصالح دائمة”. غير أن “البراغماتية” لا ينبغي أن تكون على حساب القيم الإنسـ.ـانية الكونية.

إخراج تلفزيوني رديء!

جُنّ جنون التلفزيون الجزائري الرسمي، فصار كلّ همه هو اختلاق أخبار بشأن وجود معارك ضارية مزعومة بين الجيش المغربي وميليشيات البوليساريو الانفصالية.

بعد تمكّن المغرب من تحرير منطقة “الكركرات” وتأمين انسيابية الحركة التجارية ومرور السيارات والشاحنات عبرها في اتجاه موريتانيا وبلدان إفريقية أخرى، فضلا عن فتح العديد من القنصليات لدول إفريقية وعربية في مدينتي الداخلة والعيون، واعتراف واشنطن بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

آخر خرافات التلفزيون الجزائري، صاحب الحروب الكلامية والتقارير الهلامية، ما سمّي بتقرير أنجزه إعلاميّ، قيل إن القناة أوفدته إلى منطقة “المحبس” (دون أن توضح أية منطقة بالضبط، فالمحبس تابعة للأقاليم الصحراوية المغربية.

وفي ما وراء الجدار الأمني أطلقت البوليساريو ذلك الاسم على جزء من المنطقة التي تسيطر عليها). زعم التقرير الذي بثه التلفزيون الجزائري أن الميليشيات الانفصالية ذات الأسـ.ـلحة العـ.ـتيقة التي ترجع إلى زمن الحرب البـ.ـاردة قامت بقصف ثلاث قـ.ـواعد عسكرية تابعة للجيش المغربي من الفـ.ـيلق 40 من مشاة القطاع، وذلك ردا على اسـ.ـتهداف القوات المسـ.ـلحة الملكية بيوتا لعائلات صحـ.ـراوية، وفق زعم مراسل القناة الجزائرية.

وبلغت “المهزلة/ المأساة” ذروتها حين ظهر الإعلاميّ الجزائري قبيل نهاية التقرير، وهو يتحدث عن تواصل قذائف ما يسمى “الجيش الصحراوي” ليلا. وفجأة أخذت مدفعية خلفه تطلق قذائفها.

بما بَدَا وكأنه تنسيق مسبق ما بين الفريق التلفزيوني وميليشيات البوليساريو، تحت إخراج عسكري جزائري. لكن، هذا الإخراج كان رديئا جدا لفنان مبتدئ غير قادر على إيهام المشاهدين بكون ما يقدّمه حقيقة..

وليست محض خيال، بدليل أن صحافي التلفزيون الجزائري لم يكن يضع على رأسه أي خوذة تقيه من شظايا القذائف، وهو واقف بجوار المدفعية، مثلما يفعل المراسلون الحربيون عادة. فكانت تلك القذائف مجرد صواريخ عاشوراء يلهو بها أطفال مبتهجون!

المصدر: القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *