ترجمة

تعلن لأول مرة.. قصص مثيرة لمقربين من القصر الملكي وهرم الدولة المغربية

هيومن فويس

تعلن لأول مرة.. قصص مثيرة لمقربين من القصر الملكي وهرم الدولة المغربية

استطاع العديد من اليهود المغاربة أن يحتلوا مكانة متميزة داخل هرم الدولة في المغرب على مرّ العقود، لدرجة التصاقهم الشديد بالملوك ومحيطهم. وإذا كان بعضهم فضّل الاستقرار خارج بلدهم الأصلي، وإن حافظوا على روابط معه، فإن آخرين أصرّوا على البقاء فيه والمساهمة في إنمائه وتطوّره.

وبإثارة هذا الموضوع، يميّز المراقبون بين مسألتين، بين الديانة اليهودية وارتباط معتنقيها بالانتماء لمسقط الرأس، فــ»الدين لله والوطن للجميع» كما يقال، وبين الصهيونية كحركة استعمارية عنصرية قائمة على اغتصاب أرض فلسطين وتشريد أهلها.

ومن ثم، فحين يُعلِن مواطن يهودي مغربي ولاءه لبلده المغرب، مُستبعدًا الانتماء للصهيونية، فذاك أمر مُشرّف ولا يقبل الجدل. أما حين ينحاز إلى الكيان المحتل ويتبنّى أطروحته الإيديولوجية والسياسية، فالمسألة منبوذة ومستهجنة، كما يتفق على ذلك أحرار العالم المؤمنون بقيم العدالة ومبادئ حقوق الإنسان.

صحيفة «الأخبار» المغربية، في عددها ليوم أمس الجمعة، سلّطت الضوء على عيّنة من الشخصيات اليهودية التي تركت بصماتها في «مغرب يسكن وجدانها، أسماء عرفت بحسّها المهني وجدّيتها وهي في فلك الدوائر العليا، سواء أكانت تمارس السلطة أو تقدّم خدماتها للملوك كل من موقعه، علماً بأن التاريخ المغربي يشهد لهذه الفئة بالأمانة والولاء، ما أكسبها ثقة القصر ومكنها من اختراق أكبر الحواجز».

وأوضحت الصحيفة أن عددهم كبير ويستحيل حصره في ملف واحد، لذلك توقفت عند يهود عايشوا الملوك الثلاثة: محمد الخامس والحسن الثاني ثم محمد السادس.

أندري أزولاي:

اعتبر أزولاي نموذجاً للتعايش الرفيع الذي ميّز لقرون طويلة العلاقات بين المسلمين واليهود في المغرب، في المربع الملكي شغل الرجل منصب مستشار ملكي في عهد العاهل الراحل الحسن الثاني، وهو المنصب الذي استمر فيه خلال عهد العاهل محمد السادس. وقد ولد أندري أزولاي في مدينة الصويرة عام 1941، وسط عائلة يهودية من أصول أمازيغية، وهو يفتخر بهذا الانتماء ولا يفوت الفرصة للإشادة بأمازيغيته.

بل إن والده كان من المقاومين المغاربة الذين وقفوا في وجه الاستعمار الفرنسي ودعم الحركة الوطنية، ومن أجل مواقفه أعفي من منصبه في السلطة الاستعمارية.

حينما غرقت باخرة «إيكوز» التي كانت تحمل ثلاثين يهودياً كانوا في طريقهم إلى إسرائيل، بعدما رمت بهم رياح هوجاء في قعر البحر الأبيض المتوسط قبالة شاطئ الجبهة سنة 1961 كان دافيد عمار أول من أشعر السلطات المغربية بالواقعة، فهرعت مراكب مغربية وإسبانية لإنقاذ الضحايا، لكن بعد فوات الأوان فقد غرق الجميع ولم يتم العثور إلا على 22 جثة من ضمنها 16 الأطفال، فيما لاذ طاقم الباخرة بالفرار بعدما ركبوا مركب إغاثة.

في ظل هذه النكبة، نظم أول لقاء لولي العهد آنذاك الحسن الثاني، مع دافيد عمار بعدما تعذر على محمد الخامس وهو في آخر أيامه حضور اللقاء الذي تابعه الرأي العام اليهودي في مختلف دول العالم، خاصة بعد أن شهدت أحياء الملاح في ربوع المغرب حالة حداد. وظلت العلاقة بين دافيد عمار، رئيس الطائفة اليهودية المغربية، والحسن الثاني سمناً على عسل، وتحول اليهودي من صديق إلى مستشار مالي، قبل أن يعينه الملك الراحل في مجموعة «أونا» الاقتصادية الكبرى.

سيرج بيرديغو:

بعد استقالة دافيد عمار من منصبه على رأس الطائفة اليهودية المغربية وقراره الانتقال إلى فرنسا، ناب عنه يهودي مغربي من مواليد مدينة مكناس اسمه سیرج بيرديغو، بعدما نال موافقة القصر الملكي.

هنأه العاهل الحسن الثاني بالمهمة الجديدة واعتبره الرجل المناسب للمنصب الذي سيقربه أكثر من المحيط الملكي، ولاسيما أن التقرير الذي قدمه وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري في شأنه كان إيجابياً، ولا يحمل ملاحظات تستدعي التريث.

دار جدل واسع في الأوساط اليهودية والمغربية، حين شغل سيرج بيرديغو منصب وزير السياحة في الفترة ما بين سنتي 1993 و1996. وحين تعرض فندق أسني بمراكش لهجوم إرهابي، كان سيرج حينها وزيراً للسياحة، فأعفي الرجل من مسؤولياته وعاد إلى مكتبه في مقر الجالية اليهودية.

حين تولى الحسن الثاني الحكم توطدت صلاته مع الخياطين، فقد ورث عن والده محمد الخامس خياطه حاییم بوطبول، الذي كان يعاني من قصور كلوي مزمن، تدهورت على إثره حالته الصحية، ما أدى إلى صعود نجم ابنه رفائيل، الذي كان هو من يعدّ الألبسة التي يجلبها من إندونيسيا وماليزيا وبريطانيا، ويتولّى إعداد قاعات الاستقبال والإقامات، ومن ثم نسج، هو الآخر، علاقة عميقة مع الملك الحسن الثاني.

بعد وفاة بوطبول عين اليهودي مايير واكنين في المنصب ذاته، وظل لسنوات يسعى إلى أن يكون خير خلف لخير سلف، حيث حرص على اتباع نفس أسلوب عمل سابقيه، لكن سرعان ما انتهت علاقته بالقصر، بعد أن ظهر في محيط الملك مصمم أزياء إيطالي. خلال عهد الملك الراحل محمد الخامس، كانت اليهودية «مسعودة» مرافقة للسيدة لالة ياقوت، أم الحسن الثاني. بدأت حياتها داخل القصر كخادمة مهتمة بكل ما يتعلق بزوجة الملك محمد الخامس، فلم تكن مجرد مرافقة فقط، بل كانت أيضاً مستشارة في شؤون الحريم.

دخلت مسعودة إلى القصر رفقة والدها إبراهيم ساسون الخياط، وكانت ترافق جدة الحسن الثاني في قصر فاس، ثم مكناس، وتحيط باستمرار الراحل محمد الخامس بمستجدات الوضع الصحي لأمه، فيما كان هو يسأل عما إذا كانت تحظى بالعناية اللائقة. طلب محمد الخامس من مسعودة تركيز اهتمامها على زوجته، كان يطالب بمراقبة شبه دائمة لحميتها الغذائية وتناولها للأدوية، كانت من أهم وظائفها أيضاً أن تجعل لالة ياقوت تفقد وزنها، بعد أن نصحها الطبيب اليهودي بذلك. كانت مهمتها تقتضي أن تلتزم لالة ياقوت بمواعيد تناول الدواء، ومواعيد زيارة الطبيب.

ولد في الدار البيضاء، وعمل في شبابه بأحد أكبر محلات الحلاقة فيها، قبل أن يغادر المغرب صوب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث فتح صالوناً للحلاقة في هوليوود، تردد عليه كبار نجوم السينما. قبل أن يصبح باروخ حلاقاً شخصياً للملك الراحل الحسن الثاني، زاره في محله الأمير مولاي عبد الله الذي أثنى عليه، خاصة وأن الحلاق كان يتحدث باللهجة الدارجة المغربية.

وبعد فترة وجيزة تلقى من الأمير الراحل مولاي عبد الله دعوة لحضور حفل عيد ميلاد الملك الحسن الثاني، فلبي الدعوة، وبعد أيام معدودة تلقي طلباً من الملك شخصياً بأن يأتي لحلاقة شعر رأسه. وتطورت علاقة باروخ بالحسن الثاني من علاقة مهنية إلى صداقة، حيث كان يلعب الغولف معه، ويرافق حاشيته عند خروجه للصيد وكان يتمتع بامتيازات عديدة.

توجد في باريس قاعة للملاكمة باسم ناسیم ماكس كوهين، هذا البطل الذي ولد في المغرب وقضى فيه أكثر من عقدين من الزمن، قبل أن يرحل إلى العاصمة الفرنسية. انجذب ماكس منذ طفولته لكرة القدم، حيث مارسها مع فرق الحي، قبل أن يلتحق بناد للملاكمة في المدينة القديمة.

وحصل على بطولة المغرب في كل الأوزان التي مارس بها هذه الرياضة، وبدأ صيته يصل إلى ربوع المغرب مباشرة بعد استقلال البلاد، فانضم إلى المنتخب المغربي باعتباره مغربي الجنسية بهدف الاحتراف في هذا البلد، علماً أن عرضاً آخر من الولايات المتحدة الأمريكية قد طرق بابه، وفي باريس بدأت مسيرة البطل المغربي حيث نال بطولة العالم وحمل على كتفيه العلم المغربي، وظل يتردد على القصر كلما حلّ الحسن الثاني بفرنسا.

ولد في مدينة آسفي وعاش بين سلا والرباط ثم الدار البيضاء، قبل أن يرحل إلى مونتريال الكندية، إلى وفاته عام 2008. نال شهرة واسعة في المجال الغنائي، فأصبح معشوق اليهود والمغاربة على حد سواء، وحققت أسطواناته أعلى المبيعات في المغرب، رغم أنه عانى من دسائس المحيط الفني.

ويروى أن العاهل الراحل الحسن الثاني كان مغرماً بأعمال هذا الفنان اليهودي الذي فاجأ الملك بتلاوة مقاطع من القرآن الكريم، كما كان ملماً بجل أصناف الطرب المغربي والشرقي، إذ سبق له أن سجل بصوته رائعة «النهر الخالد» لمحمد عبد الوهاب.

ليون بن زاكين:

كان هذا الطبيب المغربي اليهودي الأجدر بأن يعين وزيرتاً للصحة في أول حكومة بعد الاستقلال، نظراً لكفاءته الطبية، لكن ذلك لم يحصل إلا في التعديل الحكومي الذي مس الحكومة المغربية سنة 1956. ويعد ليون واحداً من أشهر الأطباء الذين عرفهم المغرب، ولد في طنجة في آخر يوم من سنة 1928 حيث كان من مؤسسي الرابطة اليهودية. ودخل إلى داخل دواليب العمل السياسي المغربي، بطريقة رتبتها له الظروف والصدف، ليحصل على وضع اعتباري جيد في مغرب الأربعينات وبداية الخمسينات.

عندما حصل المغرب على الاستقلال، كان حظ بن زاكين عاثراً، إذ إن وفاة محمد الخامس قد حالت دون بقائه ضمن التشكيلة الحكومية، بداية الستينات، خصوصاً وأن علاقاته الوطيدة مع بعض المنظمات اليهودية خارج المغرب وخارج إسرائيل أيضاً، جعلته يختار مغادرة المغرب.

لأن الظروف السياسية التي مرت بها منطقة الشرق الأوسط، انعكست على الوجود اليهودي في المغرب، ولم تعد ظاهرة استوزار اليهود في الوزارات والدواوين إلا سنوات الثمانينات،  وكان بن زاكين قد رحل عن الدنيا قبلها وتحديداً سنة 1977.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *