مقالات

تركيا والحلم الفارسي

هيومن فويس:  محمد بلال

منذ أن كانت معركة النهروان والقادسية وجالديران والحقد الفارسي يغلي ويتفاعل في نفوس غلاة الفرس ضد كل ما هو عربي وإسلامي الذي يتمثل بالسنة، ويظهر هذا الحقد ويتبلور من خلال علمائهم وآياتهم وعمائمهم، الذين اختلط الحقد في رؤوسهم بالدين، والتاريخ بالسياسة، فكان مخططهم تنفيذ السياسة بلباس ديني وهذا ما البس المخطط الإيراني السياسي لباس الدين فظهرت العمامات السود، على قمة القرار العسكري والسياسي وظهرت الحسينيات في مقرات القيادة، والتبس على الناس السياسي والديني.

أما هذا المشرع المليء بالحقد يهدف إلى الوصول إلى البحر المتوسط مخترقا العراق وسوريا ولبنان وتكون بدايته شواطئ المحيط الهدي وأفغانستان،  ولا يتأتى تثبيت هكذا مساحة واسعة إلا من خلال كسب أهلها، وتأتي عاطفة الدين بالمرتبة الأولى حيث الحب والبغض، يترافق بضد أو مع، وهناك ركن أساسي من أركان التشيع الإيمان بالإمامة وتسلسل الأئمة، وهذا يعني حب علي رضي الله عنه وأبنائه، وبغض أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا ينتج حب من احب الأئمة وكره من احب أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهذا بحد ذاته فصل للمجتمع بين محب ومبغض بين سني وشيعي أو بمعنى أخر نشر مبدأ التشيع وهذا ما عملت عليه القيادة الإيرانية منذ أن قامت ما يسمى الثورة الإسلامية الإيرانية،  فتوجهت بداية باتجاه مناطق الشيعة المغمورين في سوريا ولبنان والسعودية وغيرها من دول الخليج، فدعمتهم ماديا على حساب المواطن الإيراني وزرعتهم كمخالب لها أن كان بتشكيلات عسكرية كلبنان، أو كمؤيدين وتابعين كشيعة سوريا والسعودية وبقية دول الخليج ودول أسيا الصغرى التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفيتي السابق.

ثم اتجهت باتجاه المناطق السنية الفقيرة، في اليمن ودول المغرب العربي مستخدمة الإغراءات المادية كوسيلة لترويج مشروعها بناء على قاعدة تضعها إيران بحسبانها، بأن الشيعة في أي مكان تكون تبعيتهم السياسية لإيران لا لدولهم، وبهم يتحقق الحلم الامبراطوري الفارسي.

وكانت الخطوة الأولى عمليا  التعامل مع أمريكا مخابراتيا ضد نظام صدام حسين في العراق وقبله أفغانستان، ثم مساعدة  الجيش الأمريكي في دخوله العراق لتسهيل بسط اليد إلى العراق فيما بعد مستفيدة من البغض الأمريكي ( الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ) لصدام حسين وسياساته، وكان لإيران ما أرادت فبسطت نفوذها على العراق ونصبت عليه من تريد، وحاربت السنة وهجرتهم وبعدها مدت اذرعها في سوريا (حزب الله اللبناني ) وفي اليمن (الحوثيون ) وكلا التنظيمين حقق نجاحات لا يستهان بها على الأرض، وأصبحت إيران تسيطر على العراق بالحشد الشيعي الذي تسلحه وتموله، وسيطرت على أجزاء هامه من سوريا بفصائلها الموجودة على الأرض ‘وبشيعتها الذين يدينون لها بالولاء، وعلى لبنان عن طريق حزب الله محققة بذلك جزء من الهلال الشيعي، الذي يعتبر جزأ هاما من مشروع إيران الامبراطوري الفارسي

أما تركيا الدولة الناهضة بقيادة حزب العدالة والتنمية، المنشغلة بتحسين اقتصادها ورفع المستوى المعاشي لأفرادها والتي كان همها رفع الجور عن مواطنها الذي طبقت عليه العلمانية لقرن من الزمن تقريبا، وسلبت جزأ من حريته، فلم تكن جاهزة لتزج في أتون معارك جانبيه تشغلها عن أهدافها الداخلية ولكن قربها من ميدان الأحداث سوريا والعراق فرض عليها أن تكون مشاركة فعليا لا سيما وجود إيران بقوتها العسكرية والاقتصادية، وأهدافها التي تتعارض مع الأهداف التركية تاريخيا.

فإيران تريد تشييع سكان تلك البلاد كهدف اولي تنفيذا لما أعلنه الخميني بعد مرور عام على ثورته، وهذا يتعارض كليا مع السياسة التركية، التي يناسبها الحفاظ على الوضع الديموغرافي كما هو على الأقل.

وتركيا تاريخيا قبل عهد كمال أتاتورك كانت حامية للسنة، والخصم اللدود للفرس، الذين يعتبرون منبع الشيعة وحماتها.

تعاملت تركيا بداية مع الثورة السورية بعفوية ومن غير تخطيط كاف، خلافا لكل الدول الإقليمية حيث كان لأغلبها دور أو رأي فيما يجري، فقد صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر من مره انه لن يسمح بتكرار مجزرة حماه، وصرح انه عندما يتجاوز عدد النازحين السوريين في تركيا 40 ألفا سيكون لتركيا رأي آخر، ثم رفع العدد إلى 100 ألف، ولكن الوتيرة كانت تجري غير آبهة بتصريحاته، وعواطفه فتكررت حماة أكثر من مرة أو مرات دون تدخل أحد وارتفع عدد النازحين السوريين أضعاف ما سمح به تصريح اردوغان.

عندها أدرك اردوغان وحكومته حجم الصراعات الدولية التي تشتبك على الأرض السورية، وتبين له أن الحالة تحتاج إلى جدية أكبر نتيجة اختلاط الأوراق فيها، في هذه الأثناء حاول النظام السوري استفزاز تركيا وإقحامها في حرب مباشرة معه (لكنها كانت تتحلى بالصبر ولم تستفز).

اقرأ أيضا: الفيلق الخامس.. وعلاقته بالتوازنات العسكرية على الأرض

ومن تلك الاستفزازات إسقاط طائرة تركية فوق البحر المتوسط وقتل الطيار بعد إلقاء القبض عليه حيا، ومنها أيضا استهداف المناطق التركية الحدودية وإيقاع ضحايا فيها …..

هذه الاستفزازات كانت تمارس على تركيا من جهات دولية، منها السياسي كالموقف الأمريكي، ومنها مواقف الخذلان التي تعرضت له تركيا من مجموعة حلف الناتو، ومنها الروسي حيث اخترقت موسكو المجال الجوي التركي بإحدى طائراتها الحربية، التي اسقطها الأتراك وكانت هذه ذروة الأزمة بين تركيا وروسيا.

وقدرت حينها تركيا حجم المؤامرة التي تحاك لها، فاتخذت الحكمة أسلوبا لإدارة المرحلة، ورأت أن تتخلص من أهم وأقوى أعدائها (روسيا ) فأبرمت اتفاقات مع روسيا تدخلت من خلالها في الحالة السورية عسكريا ووضعت بصماتها على الحلول الآنية التي اتفقت فيها مع موسكو، وأبعدت الظل الإيراني جزئيا عن السيطرة الواسعة في الملف السوري.

وهذا يعتبر حلا موفقا اتخذته حكومة أردوغان تنصف نفسها فيه وتؤمن للثورة السورية ما كانت عاجزة عن تأمينه، ولكن هل تستطيع الاستمرار بهذه الطريقة مع استمرار سلسلة طويلة من التفجيرات داخل أراضيها يتهم فيها جماعة  فتح الله غولن وحزب  ب ك ك، والدولة الإسلامية، وهل تستطيع إزاحة إيران من المشهد وإفشال مشروعها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.